ماريا والحجاب

الرابط : القصة ::
قصة : هناء عبيد – الولايات المتحده الامريكية ::
بدأ صباحا مشرقا ، رغم أننا صحونا على صوت المنبه بدلا من تكبيرات صلاة العيد ، التي كنت أنتظرها بلهفة دوما لأسمع ذلك اللحن الإلهي الذي يبعث على الطمأنينة والهدوء والسلام، ولأعيش سعادة روحانية تحملني إلى سحب الرحمن. ما أجمل أن يستهل صباح العيد بالأذان ذلك النداء الرباني الرائع الذي يصدح في سماء الكون . قمت بكل الأعمال اللازمة لأظهر بهجة العيد في نيويورك التي لا تحتفل به. علقت الضوء الذي أخذ شكل الهلال على الحائط لعله يستجلب هيئة مسجد يعلوه هلال الإسلام. الأناشيد المستبشرة بقدوم العيد تعلو منبعثة من التلفاز. مجهودي دوما مضاعف في هذا اليوم المبارك حتى يتسنى لأطفالي إدراك إقبال العيد واستشعار فرحته وبهجته.

صغاري لم يضعوا ثيابهم الجديدة تحت الوسادة ، ولم تكن أحذيتهم متسمرة بجانب السرير ، كما أنهم لن يركضوا إلى خارج المنزل هذا الصباح ليغنوا مع أقرانهم أغاني العيد الشعبية كما كنت أفعل وأنا في مثل سنهم. حتى بالأمس لم يغنوا أغنية استقبال العيد ” بكره العيد وبنعيد بندبح بقرة السيد، والسيد ماله بقره “. في المساء لن تطأ أقدامهم بيت جدتهم ليقبلوا يديها ويستلموا العيدية من جيب ثوبها المطرز ، ولن يلحظوا خطوط الكفاح على يدي جدهم حين تقبيلهما . لا أدري هل يشعر أبنائي بذلك الصقيع الذي يحاصرني كلما أقبل العيد..؟ أم أنه شعور ينتابني وحدي لافتقادي طقوسا كنت أنتظرها دوما بفارغ الصبر..؟ فلا أهل سيلفونهم اليوم بدفئهم . ولا زوار يؤنسون غربتهم . عند مغيب الشمس لن تتزين المدينة بالأضواء الملونة المبهرة التي تخطف الأنظار. كل عيد ينتابني نفس الشعور، فبأي حال عدت يا عيد. لكن رغم سواد الغربة الذي يلف نهاري أحيانا إلا أنني أغرز قوة في روحي وعزيمة صلبة، لن أجعل اليأس يمزق سعادة يومي. سألبس ثوبي الجديد وسأحتفل مع عائلتي بيوم مبارك مبهج .

بينما كان صغاري يضعون ملابسهم، كنت أنا منهمكة في إعداد القهوة لأضعها بجانب أطباق الحلوى التي أعددتها بنفسي ” الكعك بعجوة والمعمول” تلك الحلوى التي لا تخلو مائدة عربية منها في أيام العيد. حاولت أن أقلد روتين أمي في هذا اليوم المبارك فقد يجد أطفالي ولو جزء ضئيلا من المتعة التي كنت أشعرها في مثل هذا اليوم ،أحاول قدر استطاعتي دوما أن لا أقطع سبل الأمل . هكذا تعلمت لا بد أن يظل الأمل لتستمر الحياة رغما عن صعوبة العيش في بلد غربي له تقاليده وعاداته واحتفالاته التي تختلف عن أمورنا.

الجميع كان يتأهب استعدادا للذهاب إلى المسجد لإقامة صلاة العيد ، فرحة جميلة كانت تغمرنا جميعا ، وشعور روحاني يدفئ وجداننا. لبست حجابي الذي قررت الإلتزام بارتدائه من اليوم فصاعدا، فقد كنت قبل اليوم ألبسه فقط في المناسبات الدينية عند الذهاب إلى المسجد . ذهب الجميع إلى السيارة ، حاولت أن ألحظ وجود صديقتي ماريا “جارتي” لأرى انطباعها حينما تراني لأول مرة مرتدية الحجاب، لكنها لم تكن موجودة هذا الصباح كعادتها لتقليم أزهار حديقة منزلها. ماريا صديقة ودود ، جميلة ، شقراء، طويلة القامة أصولها من ألمانيا وزوجها من أصول ايطالية، دائمة الإبتسام،وهي أنموذج للمواطن الأمريكي الطيب الذي هاجر من بلاده للإستقرار في أمريكا من أجل معيشة كريمة وحياة أفضل. كثيرا مانتبادل الأحايث المتنوعة حينما نكون في حديقتنا لتقليم الأشجار والعناية بالزرع . لا أذكر قط أنني دخلت بيتها في يوم ما، أما هي فقد زارتني مرة واحدة مضطرة حينما أغلقت باب بيتها بالخطأ وبداخله المفتاح. زارتني يومها لعمل مكالمة تلفونية مع زوجها حتى يأتي لفتح الباب، زيارتها لي في ذلك اليوم كانت على عجل وبكل خجل.

أكملت كل مهامي اللازمة وركبت وجميع أفراد العائلة السيارة للتوجه إلى المسجد. كان تفكيري مشغولا بماريا، وكيفية تجاوبها وانطباعها حين تراني بالحجاب. هي تعرف أنني أدين بالإسلام، لكنني لا أعرف ما تعني إسلام بالنسبة لها. إذ يتفاوت معنى كلمة مسلمة عند الأمريكيين من فرد إلى آخر. بعضهم يعرف الإسلام حسبما يقدمه الإعلام لهم، فالسيدة المسلمة تعني لبعضهم امرأة ترتدي حجابا على رأسها، ولربما بعضهم يرى فيها إنسانة مقموعة أو تنتمي إلى جماعات إرهابية. وبعضهم الآخر لا يفرقها عن أي امرأة أخرى سوى بطريقة الأزياء. كنت متوترة بعض الشيء لأنني أحمل ودا كبيرا لماريا وتربطني بها علاقة متينة ، لا أريد أن تتلاشى هذه العلاقة الإنسانية الرائعة لمجرد اختلاف في العقيدة أو طريقة زي، كنت أخشى أن لا تختلف ماريا عن بعض المتطرفين الذين لا يمثلون الشعب الأمريكي بشكل عام ،فقد كانت قصص صديقاتي المحجبات مع بعض جيرانهن غير مطمئنة وبخاصة بعد حادثة سبتمبر 11 . حيث قامت بعض الجماعات بإحراق سيارات من اعتقدوا بأنهم ينتمون إلى الإسلام، وبعضهم الآخر كان يتلفظ بألفاظ غير لائقة لكل من يعتقدون بأنه مسلم أوعربي ، فهم لا يستطيعون التفريق بينهما أحيانا، الشكل والملامح والملابس واللون هي ما يقرر الإنتماء للإسلام لدرجة أن أحد المتعصبين قام بقتل عائلة بأكملها من السيخ لاعتقاده بأنهم مسلمون، فقط لأنهم يلبسون أزياء تشبه الأزياء الإسلامية ولأن رجالهم لهم لحى. كما تعرضت بعض الفتيات اللائي كنت أدرس معهن في إحدى الكليات إلى بعض المضايقات والإنتقادات لأن أزياءهن شبيهة بالأزياء الإسلامية، أذكر منهن صديقتي “هيما” ذات العقيدة الهندوسية.

توجهنا إلى المسجد، لم نستغرق وقتا طويلا للوصول إليه. كم كان منظر المصلين جميلا ، كانوا ينتمون إلى عدة جنسيات فهناك الجالية الباكستانية والهندية والعربية والبوسنية وغيرهم. الأزياء كانت جميلة جدا. حيث الساري الباكستاني بألوانه المزركشة، والأزياء البوسنية الجميلة، مشاهد تسر الناظرين ، كل يصافح الآخر، البهجة ترتسم في وجوه الجميع والقلب عامر بسعادة غريبة لربما لا يشعرها غير من عرف غربة الوطن والدين . كانت اللهجات مختلفة والملامح كذلك لكن البهجة واحدة والفرح مشترك . بدت دهشة السعادة على وجه أطفالي فقد أيقنوا في هذا التجمع الرائع بأنهم ليسوا من فضاء آخر وأنهم ليسوا الوحيدين الذين ينتمون إلى هذا الدين .

خرجنا بعد أداء الصلاة ثم ركبنا السيارة لنعود إلى البيت مرة اخرى . كانت الجموع كثيرة . والسيارات أعدادها كبيرة، لكن كل شيء سار بنظام كبير حيث الشرطة قامت بعمل الواجب في تسيير الأمور على خير ما يرام. عدت مرة أخرى إلى حيث بدأت، صديقتي الودود ماريا، ترى ماذا سيكون انطباعها حينما تراني مرتدية الحجاب..؟. هل ستقاطعني..؟ أم ستبدأ بعمل مشاكل لي وتشكوني إلى البلدية دون سبب كما فعلت جارة صديقتي.. ؟
لم يمض وقت طويل حتى وصلنا إلى البيت . كانت عيناي تلحظ كل الأماكن القريبة من بيت ماريا كي أراها وأصافحها. هاهي ماريا في الخارج تقلم الأزهار كما في كل صباح، لمحتني وأنا أخرج من السيارة، نادتني بصوت مرتفع، لفظت اسمي كما دائما بلغتها الأمريكية “فاتيما” فاطمة.

توجهت إليها، اقتربت مني ثم عانقتني بحرارة وقالت بلغتها التي أعشق:
كم تبدين جميلة في الحجاب صديقتي الرائعة، كل عام وانت بألف خير.
م. هناء عبيد

 

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة