انقلاب جديد لمرسي


الرابط : سياسة واخبار :
د. فايز رشيد – فلسطين المحتله :
انقلاب, بهذه الكلمة يمكن وصف الإعلان الدستوري للرئيس المصري محمد مرسي، فهو أراد من بنوده “تحصين القرارات الرئاسية”، لكن هذه القرارات هي تفرد واستئثار بالسلطة لصالح حزب التنمية والعدالة،الذي يمثل الإخوان المسلمين. لقد استقال مرسي من الحزب عشية تسلمه لمنصبه ليكون رئيساً لكل المصريين وكما قال، لكن من الواضح أن الرئيس المصري ملتزم بكل قرارات وتوجهات قيادة حزبه،هذا الاستنتاج جاءت تعبيراته في قرارات عديدة اتخذها مرسي.
ردود الفعل من قبل القوى الأخرى , وهي كافة الأحزاب المصرية من القوى القومية واليسارية والديموقراطية الأخرى والأقباط كانت واسعة وما تزال،حتى أن السلطة القضائية أعلنت إضرابها، وهذا يحدث للمرة الأولى في التاريخ المصري، ففي زمني السادات ومبارك اللذان مثّلا قمة الدكتاتورية , لم يجرؤ احد منهما  على مس السلطة القضائية ، المعروفة بتاريخها وتراثها ونهجها ، وكانا ينضبطان لقراراتها.
الإعلان الدستوري للرئيس مرسي ينصّب منه”فرعونا” كما وصف البعض، ويجعل منه رئيساً فوق القضاء وحاكماً بأمره.
الرئيس مرسي انتخب رئيساً بنسبة قليلة تتجاوز 51% بقليل، وما كان ليصل إلى هذا المنصب لولا وقوف القوى الأخرى وراءه، والتي أرادت أن تقطع الطريق على العودة للعهد البائد من خلال المرشح أحمد شفيق.الرئيس مرسي في مرحلة ما قبل الانتخابات وعد بمشاركة كافة القوى والأحزاب الوطنية والدموقراطية في السلطة، لكنه بعد تسلمه لمنصب الرئيس انسحب من كافة وعوده، وعين رئيساً للوزراء محسوباً على الإخوان المسلمين، وكذلك الوزراء.الرئيس مرسي استحوذ على الرئاسة والسلطة في مصر، تماماً كما تراجع حزبه،الإخوان المسلمون عن كل الوعود التي كانوا قد قطعوها للشعب المصري. للعلم :المرشد العام للإخوان المسلمين أصدر توجيهاته إلى أعضاء الحزب ومؤيديه : بعد الإنضمام إلى جماهير 25 يناير،اعتقاداً منه أن هذا التجمع الجماهيري لن يفرق عن تجمعات أخرى سبقته، فقط عندما أثبتت الحركة الجماهيرية المصرية المنتفضة على مبارك ونظامه،استمرارها في الاحتجاج حتى إزالة النظام ورئيسه، التحق الإخوان المسلمون بالركب الجماهيري المحتج،وكان ذلك بعد اسبوع تقريباً من بدء الأحداث،وأخذوا فيما بعد في ركوب موجة الحركة الاحتجاجية.
ماذا تريد جماهير ميدان التحرير من خلال بيانات كل قواها التي تمثلها؟ تريد دولة العدالة والقانون،تريد دولة مدنية،تناضل من أجل الحرية والديموقراطية والفصل بين السلطات،وعدم السماح لمطلق رئيس(مرسي أو غيره) بالعودة إلى الدكتاتورية والتفرد في اتخاذ القرارات.هذا ما تسعى إليه جماهير ميدان التحرير التي واصلت احتجاجها, وهي مطالب محّقة وعادلة ولا تسعى لسلطة خاصة بها،ولو كان ذلك لما ساهمت في انتخاب مرسي من الأساس, ولا في تأييد حركته عندما قام بعزل العسكريين وإحالة معظمهم إلى التقاعد، وإبعاد رجالات النظام السابق عن المناصب الرئيسية في الدولة.
أما بالنسبة للجنة الدستورية المكلفة بصياغة دستور جديد لمصر،فبعد استقالة كافة القوى الوطنية والقومية والديموقراطية والأحزاب اليسارية والأقباط منها،احتجاجاً على أن معظم أعضائها من الإخوان المسلمين الذين يستطيعون صياغة أي دستور يريدونه بمعزل عن وجود القوى الأخرى،واحتجاجاً على استئثارهم بكل مفاصل الصياغة، فعملياً لم يبق غير الإخوان المسلمون فيها،الأمر الذي يعني التفرد المطلق وإهمال وجهات نظر كافة القوى الأخرى. نعم تم اقرار الدستور ولكن بتصوت الأعضاء: الاخوان المسلمون دون مشاركة من أحد آخر .
كان على الرئيس مرسي في خطابه الذي ألقاه في محازبيه من جماعة الإخوان المسلمين , أمام قصر الاتحادية، أن لا يتوجه إليهم بمعنى:مخاطبة فئة معينة من مؤيديه.كان عليه مخاطبة كل المصريين،والجماهير التي تجمعت في ميدان التحريرأيضا ،لأن خطوة الرئيس مرسي هذه كانت سبباً في انقسام الشارع المصري إلى قسمين:واحد معه،والآخر يعارض إعلانه. ردود الفعل المعارضة للرئيس وإعلانه الدستوري لم تقتصر على العاصمة فقط , وإنما امتدت إلى بعض المدن المصرية الأخرى، مثل الإسكندرية،التي اقتحمت فيها قوى المعارضة مكتباً للإخوان المسلمين، ودمنهور التي وقع فيها قتيل، وغيرهما.ردود الفعل بهذه الطريقة , نعتبرها خاطئة ولا نؤيد الهجوم على مكاتب الإخوان , لكنها جاءت مباشرة بعد خطاب الرئيس.
لقد وعد الرئيس في خطابه”بالضرب بيد من حديد” بالطبع المقصودة بذلك هي المعارضة , وهذا يشكل استخفافاً كبيراً بها ، ويعيد إلى الأذهان :خطابات السادات،التي وعد في واحد منها”بِفرم” معارضيه.هذه لغة لا تليق برئيس مفترض أنه ديمقراطي جاء بانتخابات جماهيرية, وبعد تضحيات كبيرة من الشعب المصري.
لم يفت الأوان بعد، وبإمكان الرئيس مرسي أن يتراجع عن إعلانه الدستوري، وهو قادر أيضاً على إشراك كافة القوى والأحزاب المصرية الأخرى الموجودة على الساحة،في السلطة, وعدم التفرد في القرارات . وقادر على اتخاذ الخطوات الكفيلة بالفصل بين السلطات. وحمى الله مصر من شرّ ما يخطط لها.