جدلية العلاقة بين الناقد والاديب

الرابط : اصدارات ونقد :
الدكتور: حسين رحيـّم الحربي – الرياض :
علاقة النقد بالأدب.
قبل أن نناقش علاقة النقد بالأدب لابد لنا هنا أن نشير إلى أن وجود الأدب سابق لوجود النقد، وقد يوجد الأدب ولا يوجد نقد، كما في الشعر الجاهلي مثلا، فقد بلغ الشعر ذروته وأوجه والنقد يكاد يكون معدوما أو لا يذكر في تلك الحقبة الزمنية. وقد يعزوا البعض تأخر النقد عن الأدب بقولهم إن الأدب ظاهرة عاطفية تعبر عما يعتلج  في نفس الانسان وما يعتريه من عواطف، وبذلك يكون الأدب كرد فعل عاطفي، أما النقد من وجهة نظرهم فهو حالة عقلية منطقية في كثير من أوجهها وظروفها. وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور عصام قصبجي؛ أستاذ النقد في جامعة حلب – رحمه الله -: “إن الثقافة العقلية تفسد البديهة الشعرية، لأنها تفتح أمام الذهن أكثر من سبيل، وتضع أمامه أكثر من احتمال، فيحار الشاعر بين التعبير والتفكير، أما البديهة فإنها تبرز ما يجيش في طبع المرء قبل أن تمسه حدة العقل”(1)، فحسب وجهة النظر تلك يكون سبب ازدهار الشعر في العصر الجاهلي مثلا هو البداوة، التي لا تُحمّل الانسانَ كثيرا من أعباء الحياة وتشغل تفكيره بأمور عديدة، وعلى العكس تكون ولادة النقد، التي هي إحدى إفرازات الحياة المدنية، وتعدد سبلها، حتى في المأكل والمشرب والملبس.
ما قلناه سابقا عن ازدهار الشعر الجاهلي لا ينفي وجود النقد في العصر الجاهلي لكنه كان نقدا انطباعيا بعض الشئ من طرف، ومن طرف آخر يعتمد على المُثُل والأعراف السائدة في مجتمع ذلك الزمن، ونتذكر ما يقال عن صومعة كانت تُضرب في سوق عكاظ للنابغة الذبياني في ، حيث يأتيه الشعراء ويضعون ما جادت به قرائحهم بين يديه.
في العصرين الجاهلي والأموي كان الشعراء هم من يتصدر منابر النقد، ومن يتصدى لمهمة النقد يجيد نظم الشعر في الغالب وإن لم يكن شاعرا. ثم تطور هذا الأمر إلى أن أصبح النقد علما يُدرس، ولم يعد الناقد بالضرورة هو الأديب. ومن وجهة نظري علاقة النقد بالأدب علاقة تكاملية إبداعية من قبل كلا الطرفين، وليست علاقة تنافر وتضارب، وتصيد الهفوات والزلات، وقد يكون الناقد مبدعا كما الشاعر أو الأديب، أو قد يتفوق عليه أحيانا إن كان ناقدا حصيفا، يمتلك مخزونا معرفيا كبيرا. وبرأيي أن علاقة الناقد بالقارئ أهم من علاقة الناقد بالأديب، لأن الأديب عندما أبدع منجزه الأدبي لم يضع في الحسبان أن هناك من سيأتي ويدرس ما كتب دراسة نقدية ليبين مواطن القبح والجمال في نتاجه. الناقد بالنسبة للقارئ في أكثر الحالات صديق حميم يمسك بسراجه ويمشي أمامه ليدله على جماليات معينة في النص قد يغفل عنها أو يمر عليها سريعا لولا وجود الناقد، بل أن وجود الناقد في حياة القارئ يستفزه إيجابيا في كثير من الحالات فيعمل عقله فيما يقرأ ويطلق على النص أحكاما نقدية في أحايين كثيرة تكون منطقية وواقعية. لا نريد أن نقول بأن علاقة الأديب بالناقد هي سمن على عسل وبرد وسلام دائما، بل أحيانا تصل إلى حد الخصومة، والشخصنة، ويتعدى الأمر احتراف النقد أو الأدب، لكن وجود هذه الحالات الفردية لا يشكل ظواهر عامة، أو لا ينسحب على علاقة الأديب بالناقد بشكل عام.
تأثر أحكام الناقد بعلاقته الشخصية بالأديب.
إن كان الناقد محترفا في نقده، ويحترم ما يقوم به، ويقدر القراء والجمهور، فسيكون نقده حينها أقرب الى الموضوعية والمهنية، يحاول تحييد عواطفه وذاتيته أثناء تناوله لقطعة أدبية، ويتعامل معها قدر الإمكان بشكل مجرد، بغض النظر عمن كتبها، وبذلك ينصبّ اهتمامه على النص فقط، دون الالتفات للكاتب، وهذا ما يسمونه في النقد الأدبي (موت الكاتب). لكن النقد ليس علما معياريا كالفيزياء والكيمياء، على الرغم من أن له قواعده وأدواته وأصوله، لكن الذاتية تدخل فيه من بعض الزوايا من حيث ثقافة الناقد وقدرته على استكناه بواطن النص. لكن بعض النقاد يـتأثرون عند تناول نص ما إما بعاطفة أو بعلاقة شخصية مع الكاتب فتصدر أحكامهم انطباعية ذاتية لا تخضع لمنطق الحياة والنقد معا، ويحاولون ابراز جماليات مزعومة ليس لها وجود في العمل الأدبي أصلا، وقد يفعل بعض النقاد ذلك من باب المجاملة، أو كضرب من التشجيع. وقد رأينا بعض الأعمال التي انبرى لها نقاد بالتطبيل والتزمير، وأشادوا بعبقرية كاتبها وأن مستقبله واعدا، لكن تلك الأعمال كانت كفقاعة صابون أو صرخة في واد سرعان ما اختفى أثرها. وقد يشعر بعض النقاد بالإحراج فيجامل كاتبا أو أديبا، خوفا على علاقة شخصية معه أو مراعاة لمشاعره. عليه من وجهة نظري يجب أن يتبنى النقاد مقولة أن الصراحة في النقد لا تفسد للود قضية، لأن الناقد عليه تقع عليه مسؤولية أخلاقية أمام القارئ؛ فيكون الناقد كمن يسقي العطشان كدرا وطينا ويحاوله إقناعه بأنه زلال صافٍ. من تلك الزاوية يجب أن يفهم الأدباء أن مهمة الناقد هي ليست مدح ما تنتجه أقلامهم، وأظهار السمات الجمالية فقط، بل تتعدى ذلك إلى الاشارة لمواطن الخلل والضعف، ومطلوب من الكاتب أو الأديب ألا يتوقع كل ما يصدر عنه هو كلام فوق النقد والتصويب، وأن النقاد والقراء سيتلقفون نتاجه دون تمحيص. لكن رغم كل ذلك مازال المشهد النقدي والأدبي يعاني ضعفا بسبب اعتبار العلاقة الشخصية بين الناقد والأديب أولوية أهم من موضوعية النقد. والنقد الأدبي – بحسب رينيه ويليك – إنشاءٌ عن الأدب, وبالتالي فهو يعنى بتوصيف الأعمال الإبداعية ودراستها وسبر أغوارها وتقويمها ما استطاعَ إلى ذلك سبيلاً.
هل اقتصر النقاد الأكاديميون على تناول ما يصدر عن المؤسسة الثقافية الرسمية؟
بالإمكان القول إن انكماش الحركة النقدية الابداعية الموضوعية، أدى إلى قلة الأعمال الأدبية الابداعية الحقيقية المتفردة على الساحة الأدبية، وهذا بدوره أدى ببعض النقاد إلى اجازة نصوص سطحية تخلو من الهم السياسي والإنساني والاجتماعي، ولا تناقش قضايا قومية أو وطنية، ولا تعتبر لبنة في بناء الإبداع بل هي نصوص تعاني من ركاكة في اللغة وضعف في البناء الفني، وتعتمد على الاثارة الحسية. و انبرى نقاد ينتمون إلى مؤسسات نقدية معينة لتزكية هذه الأعمال التي لا ترتقى بذوق القارئ ولا تضيف له  شيئا جديدا، أو تقدم له متعة حقيقية كبعض أعمال عمالقة الأدب العربي. لكن بالمقابل هناك من النقاد المبدعين المجيدين، وإن كانوا قلة؛ من أمثال الناقد المغربي الأستاذ الكبير سعيد يقطين الذي يحاول أن يؤسس لنظرية فكرية ونقدية عربية جديدة تتسق مع روح ثورة عصر العولمة التي تجتاح العالم، ويحاول أن يعيد ألق الثقافة العربية الذي خفت بعض الشيء. وقد كان لي شرف المشاركة مع الدكتور يقطين في مؤتمر النقد الرابع في مدينة الرياض، حيث أتحفنا بإبداعه على مدى يومين هي عمر مؤتمر النقد، وكان صريحا وجريئا في آرائه أثناء تناوله بعض النصوص الأدبية، والنقدية أيضا، أي ما يُسمى بنقد النقد.
أدعياء النقد في الساحة الادبية.
لقد دخل إلى مضمار النقد بعض الناس الذين لا يمتلكون خبرة أدبية أو لغوية أو حتى ربما فكرية، ظنا منهم أن من لم يستطع أن يكون أديبا بإمكانه أن يكون ناقدا، متناسين أن النقد في كثير من الحالات هو أصعب من إبداع نص أو قطعة أدبية. فراح هؤلاء ينشرون في الصحافة المكتوبة والإليكترونية ويمجدون كتابا و كاتبات يتوق معظمهم لسماع كلمة اطراء كتبت عنه، لأن دخل المشهد الأدبية صدفة، أو بثقة بالنفس في غير محلها. هؤلاء (النقاد) اعتمدوا النقد الصحفي منهجا، حيث أن معظمهم لم يطلع على أصول النقد وتطور مناهجه ونظرياته. هؤلاء ومن شاكلتهم خلقوا نوعا من غياب الوعي النقدي الهادف، مما أفرز أعمالا أدبية هزيلة. يقول الناقد سعيد يقطين: ” أن العجز ليس في النقد ولا في المنهج البنيوي ولا في النص الأدبي، بل هو في قرارة أنفس هؤلاء النقاد الذين جنحوا إلى الكسل، وبدؤوا يميلون إلى الابتسار بدل النظر العميق إلى الظواهر الأدبية برؤية جديدة وروح متجددة”(2).

أخيرا نقول للنقد دور هام ومحوري في تعزيز المستوى الأدبي الراقي  ورفع شان حركة الثقافة. فالنقد يعتبر أحد أهم ركائز الأدب وأهم المقومات والمؤثرات الفاعلة في الحركة الأدبية، وهو إرادة واعية ومنهج يستطيع به  الناقد تصحيح مسار حركة الأدب والتأثير فيه. لأنه يضمن عدم الانحراف والتجاوز في مسار الحركة الثقافية  ويضمن استمرار الإبداع وتجدده، من خلال موضوعية تامة تبتعد عن المجاملة والمحاباة أو التملق.
———————————
1-(1) أصول النقد العربي القديم – الدكتور عصام قصبجي، ص(5).
2-(2) النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية- الدكتور سعيد يقطين.