الرابط : سياسة واخبار :
طلال قديح * الرياض :
هكذا كانت غزة ومازالت تتكسّر على إرادتها كل أسلحة الغزاة ، لم تستكن يوماً لغاز ولم تستسلم لمعتد ، ظلت عبر التاريخ قلعة صمود تنحسر أمامها كل الأطماع وتتقلص كل القوى مهما تجبرت وطغت..ظلت غزة وفية لتاريخها العريق المتسم بالكبرياء والشمم ورفض الذل والهوان مهما كان الثمن.. أمام حريتها وعيشها الكريم تهون التضحيات مهما كانت..
غزة هاشم عصيّة على الغزاة ، في بحرها يتوهون وعلى شاطئها يغرقون وفي رمالها يدفنون..إنها غزة رمز الكرامة والعزة.. وعنوان الإباء والنجدة..لم تلن لها أبداً قناة ، ولم تضعف لها عزيمة.. تعضّ على الجراح ولا تتأوّه وتغالب الحزن ولا تبكي..إنها إرادة التحدي والتصدي التي فُطرت عليها وتميّز بها أهلها عبر كل الأزمنة..لم يحقق الغازي -أياً كان- فيها أيّ مكسب ولم يتحقق له هدف أو غاية..
إنها غزة الإمام الشافعي ، هذا العالم العلم الذي شهدت بعلمه كل الأمم وباهت بسعة ثقافته العرب والعجم.. على ترابها درج ومنها إلى اليمن والحجاز ومصر انطلق طلباً للعلم والمعرفة ونشراً لثقافة وفقه الدين الحنيف. ولكنه ظل دائم الشوق والحنين إليها:
وإني لمشتاق إلى أرض غزة وإن خانني بعد التفرًّق كتماني
سقى الله أرضاً لو ظفرت بتربها كحلت به من شدة الشوق أجفاني
وهي غزةُ الضابط المصري الشهيد مصطفى حافظ القائد لكتائب الفدائيين الذي أذاق إسرائيل الويلات وسقاها الصاب والعلقم .. هذا القائد الشهم الذي أحب أهل غزة وأحبوه وكان مثلاً أعلى للبطولة في أجل صورها .. ضاقت به إسرائيل واغتالته بطرد ناسف فبكاه الفلسطينيون وشيعوه في جنازة مهيبة وطويلة امتدت من غزة حتى العريش..وما زال اسمه أنشودة خالدة على شفاه الفلسطينيين وفاء وتقديراً. وهذا دليل على وحدة الدم الفلسطيني المصري الذي سقى أرض فلسطين عبر كل الحروب.
إلا أن إسرائيل لم تستوعب الدرس جيداً أو أنها تكابر ظناً منها أن قوتها وبطشها كفيلان بأن يحققا لها الغلبة وهذا في حد ذاته ما سيوردها المهالك وينتهي بها إلى زوال ولو بعد حين ..وهذه سنّة الكون ومنطق التاريخ.. فالحق أبلج والباطل لجلج..!!
ركب العدو الغاشم رأسه وشنّ عدوانه الغاشم على غزة ظنّاً منه أنه سينتصر سريعاً وهي مجرد نزهة لجيشه المغرور، ليفاجأ بهذه المقاومة الباسلة التي ردت له الصاع صاعين وقصفت بصواريخها كل مدنه ومستعمراته وأدمته وأجبرته أن يطلب هدنة ويوقف الحرب.. أدرك الغازي أن غزة لحمها مُر وأن شعبها حُر، وأن عدوانها بغير ضربة موجعة له لن يمُر..!!
وعلى الرغم من هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى والدمار الهائل للمباني والمدارس والمساجد والمستشفيات إلا أن الشعب الفلسطيني انتفض من تحت الأنقاض كطير الفينيق ليحيا من جديد، ليثبت للعالم أنه سينتصر وستعود فلسطين إلى أهلها ، شاء من شاء وأبى من أبى..!!
استمرت هذه الحرب ثمانية أيام استخدمت فيها إسرائيل كل ما في ترسانتها من أسلحة حتى المحرمة دولياً فدكت المنازل على رؤوس أهلها لتموت أسر بكاملها تحت الركام ومع هذا الجبروت والطيش نجد دولاً في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تبرر لإسرائيل عدوانها بأنه دفاع عن النفس وحماية لسكانها من الإرهاب الفلسطيني؟!
إنه منطق الغاب الأعوج الذي يقف مع الجلاد ضد الضحية..والذي يحرم عليها أن تتأوه أو تبكي فهذا مزعج لهم..
ومع كل ما تمخضت عنه هذه الحرب الظالمة من دمار فإن غزة ومعها كل أحرار العالم قد أحرزت النصر ومرّغت أنف إسرائيل في التراب.. وهزت سمعة جيشها الذي لا يُقهر.. وستظل هذه المعركة الحاسمة محفورة في ذاكرة قادة العدو وشعبه ، وسيفكر بعد ذلك ألف مرة ومرة قبل أن تسوّل له نفسه بالاعتداء مرة أخرى.. وويل له إن كررها مرة ثانية..وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون..
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر
ولو لم تكن لهذه الحرب إلا ثمرة واحدة وهي توحيد الصف الفلسطيني لكفى.. وهذه الوحدة من شأنها أن تعيد القضية إلى الواجهة وأن تجعلنا أكثر قدرة على تحدي الصعاب وأقرب إلى تحقيق الحلم الفلسطيني في إقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.. والنصر آت آت إن شاء الله تعالى..
*كاتب ومفكر فلسطيني






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

