الحــــــرام (2)


الرابط : القصة :
بقلم : وليد رباح :
هذه قصة حقيقية .. جرت أحداثها في ولاية بعيده من أمريكا ..
وهي في مجرياتها فاجعة .. لكنها عظة وعبرة .. فأتعظوا ..
ملخص ما نشر :
عصام .. جاء من قريته العربية ليحط رحاله في أمريكا .. وتعرف الى اسبانية تزوجها وانجب منها .. وانقطعت الاسباب بينه وبين قريته فلم يزرها .. حيث ترك فيها امه وشقيقه . وبعد لأي ماتت الام فبقي شقيقه وحيداً مما حدا به لأن يفكر في إستقدامه .
******
مضت السنون سريعه لكنها فرحه .. وأحس عصام ان عمله في مصنع الادوات المنزليه لا يدر عليه الربح المتوقع .. فأنتقل الى مصنع آخر .. ثم الى ثالث .. وفي كل المصانع التي تقلب عليها كان يلقى الحظوة لدى رؤسائه .. وكانت نقوده تكثر .. خاصه وأنه يعمل ست عشرة ساعة في اليوم .. مما أورث بعض المشاكل في بيته ..
لم يدر بخلد عصام أن أغراق نفسه في العمل يمكن ان يحول حب زوجته له الى أهمال قد تلفه المخاطر .. لكن بؤسه في الصغر جعله يداوم على العمل دون أن يأبه لتوسلات زوجته أن يمنحها واطفالها بعضاً من وقته وكان يعتذر لها بشتى الاعذار أقلها أنه يحاول تأمين مستقبل أولاده منها ..
حاولت ماريا في البدء ان تطوع نفسها على ما يريده زوجها .. فغرقت في المنزل تربي الاطفال وتتنبه لهم مما اكسبها حب واحترام عائلتها .. لكن مرور الزمن بمثل ذلك التواتر قد جعل العلاقة بينها وبين زوجها لا تتعدى أن تكون علاقه ميكانيكية ليس فيها من الحرارة والحب ما كانا يخططان له عند بدء زواجهما ..
ونتيجة للوم الذي كان يتلقاه من زوجته .. ونتيجة لعدم إكتراثه بذلك اللوم .. تحول البيت الى شبه جحيم .. أخذ يلومها على كل ما تفعله .. وأخذت تلومه على كل ما يقوم به .. وتحولت الجنة التي كان يرتع فبها الى غول حقيقي يخشى ان يقف أمامه لبعض الوقت .. حتى الساعات القليلة التي كان يمضيها في المنزل كانت في نظره ممله .. ولا يرغب في البقاء في البيت ابان استراحته ..
وابتعدت المسافة اكثر .. وعدا عصام يمضي بضع ساعات يومه التي لا يعمل بها خارج المنزل .. وكثيراً ما شكت زوجته في سلوكه .. لكنها في النهاية كانت تعرف في قرارة نفسها أن ( الدولار ) قد اخذه منها .. وأنه قد وطن نفسه على أن يجني دولارا أثر آخر حتى تكتنز له الثروة .. ولا يهمه في ذلك رضيت زوجته ام غضبت .. استراح ام بقى على تعبه .. كل ما كان يهمه ان يكدس النقود أملاً في أن يفتح مصنعاً لنفسه ..
وفي الوقت الذي كان الناس فيه يعملون طيلة الاسبوع بما لا يتعدى الدولارات المئة كان هو ياخذ نتيجة جهده ما ينوف على السبعمائة أسبوعياً .. وفي ذلك الزمان كانت تلك ثروة كبيرة .. خاصه وان الثلاثينات من القرن الماضي قد شهدت ركودا أقتصاديا امريكيا وصل الى حد الافلاس لمئات من الشركات ..
ورغم ان الناس في امريكا كانت تعيش على اعصابها نتيجة الخوف من الفقر .. كان هو يرتع في نعيم مقيم .. ولكنه النعيم الذين يستلذ فيه بالنظر الى الدولارات دون صرفها .. وكان يخبئ كل نقوده في منعزل بالمنزل لا يعرف أحد مكانه .. وفي غرفته الخاصة .. حتى زوجته لم تكن تعلم انه قد ابتكر وسيلة جديدة لاخفاء تلك النقود عن ناظريها .. فقد فتح في بلاط غرفته ممرا مؤديا الى صندوق يسقط النقود فيه فتستقر في قعر الصندوق .. وجعل ذلك الصندوق تحت سريره مباشره .. وغطاه بشكل لا يمكن لأحد ان يشك فيما تحت تلك البلاطات التي تحوي كل تلك الثروة ..
ورغم كل ذلك .. لم يكن عصام يبخل على بيته .. كان بخيلا على نفسه .. ولكن زوجته وأطفاله كانوا ينعمون بالسعادة المادية .. إذ كان يعطي ماريا ما يكفيها من مصاريف منزلية ومصاريف الاولاد فلا يحتاجون لشئ مادي مطلقاً .. لكن المادة كانت تأخذ السعادة .. وكانت كل نقود الدنيا لا تقنع ماريا ان فسحة من الوقت يجب ان يقضيها عصام مع أطفاله .. وقد كانت محقة في ذلك .. وهكذا سارت بهما وبأطفالهما الايام .
فوجئ عصام يوماً بان زوجته تطلب منه الطلاق .. لكنه لم يأبه لسؤالها كما كان لا يأبه لتوسلاتها ان يعطيها بعضاً من الوقت .. وظن إن المرأة تهذي .. لكنها أصرت على الموضوع .. وتدخل أهلها فيما بعد لرأب بعض الصدع في علاقتهما .. وتظاهرت ماريا بالقناعة بما يريدون .. لكنها ظلت على جفافها وظل الامر على حاله لسنة او دون ذلك .. وفي أثناء ذلك الجفاف وتلك الجفوة ذهب عصام الى دائرة الجوازات والهجرة وقدم طلباً لاخيه في البلاد ان يمنح الاقامة الدائمة في أمريكا لأكمال علومه فيها بعد ان انهى دراسته الثانوية .. وظل سنه بعد ذلك دون ان تتاح له فرصة دخول الجامعة .. وقرر عصام ان يتابع أخاه تعليمه .. فأرسل يخبره انه بصدد استقدامه الى امريكا للعمل والتعلم معاً .. وهكذا مضت أشهراً قبل ان توافق ادارة الهجرة على ان يدخل وجيه الى أمريكا طالباً او عاملا لا فرق .. أذ كانت معاملات الهجرة في ذلك الوقت سهلة ولا تشترط ما تضعه من شروط في مثل هذه الايام .. وهكذا .. ففي يوم من الايام .. قال عصام لزوجته ماريا انه سوف يعطل يوما واحدا للذهاب الى المطار لاستقبال شقيقه .. كانت المطارات في الثلاثينات قد بدأت تنقل الناس الى امريكا وتستغرق الرحلة ما ينوف على اربع وعشرين ساعة وتنتقل الطائرات بالراكب من البلاد العربية الى أوربا ومن ثم الى اقرب النقاط الى أمريكا اللاتينية ومن ثم الى أمريكا الشمالية .. وكان هذا بالطبع استعاضة عن النقل بالباخرة التي كانت تستغرق رحلتها شهراً او اكثر من ذلك قليلاً . وأصرت ماريا على الذهاب معه الى حيث تستقبل وجيه .. فأصطحبها الى المطار بعد ان تركا الاولاد في رعاية أمها العجوز ..
عندما توجه وجيه الى اخيه احتضنه عصام بكل قوة .. وبهرت ماريا لمرأى وجيه .. كان شابا قوي العود طويل القامة يحمل فوق شفته العليا شاربا كثا كأنه قادم من عالم آخر .. ونظرت ماريا الى زوجها فوجدته صغير الحجم محدودب الظهر اكله العمل عن آخره .. أما ذلك الاخر فقد كان قويا مثل ثور هائج ..
ابتسمت له ماريا وهشت ورحبت به .. وفي غضون رحلتهما من المطار الى البيت كانت ماريا تقلب الامر على جوانبه .. ماذا لو رزقها الله بزوج يشبه وجيه .. شاب وسيم قوي ويبدو إنه بعيد عن التشبه بأخيه في كثير من الامور .. ورغم إنها لا تعرفه ولم تجرب عاداته وتقاليده .. إلا ان غريزة الانثى كانت تقودها الى ان تكتشف فيه أمور ا لا توجد في زوجها .. عند وصلوهما الى البيت .. أبدى عصام رغبته في أن يذهب الى العمل في مصنعه ليلا .. مما حدا بماريا الى الامتعاض .. إنه اليوم الاول الذي يقدم فيه شقيقه ضيفاً عليهما .. ويجب عليه ان يقدم واجب الضيافة فلا يذهب الى عمله خاصه وأنه أجاز لنفسه او منحه المصنع إجازه في ذلك اليوم .. غير ان عصام رأى في جلوسه في البيت خسارة لبعض الدولارات فلم يستطع البقاء فيه وذهب الى المصنع .. ملوحاً بيده لماريا وشقيقه وقد أعطاها بعض التعليمات ان ترافق اخاه الى المدينة لكي يسوح في جنباتها وينظر الى امريكا عن قرب .. وهكذا كان .
دخلا اكثر من مطعم .. وترافقا الى دار للسينما .. ومن ثم دخلا مسرحاً للعرائس في تلك المنطقة .. وظلت ترافقه حتى انتصف الليل .. فقد كانت تعرف ان زوجها لا يأتي من عمله الا عند الصباح ..  وهي فرصه لكي ترى ( العالم ) خارج إطار بيت الزوجيه ..
وسرحت ماريا في عالم عجيب غريب .. انها لم تخرج مع زوجها منذ سنوات .. وها هي اليوم وقد اتيحت لها الفرصه بان ترى العالم عن قرب .. وكانت بهرتها بالعالم الذي الغته من ذاكرتها منذ سنين طويله يعود اليها وكأنه يعود للمرة الاولى .. لكنها مع كل ذلك لم تفكر الا بذلك الرجل الضعيف الذي سوف تفقد فسحاته ونزهاته في يوم من الايام لتعود الى بيتها حزينه كئيبه بين جدرانه وبين اطفاله .. ولا أمل لها في ان يتحسن وضع عصام العائلي لكي يمنحها بعضاً من الوقت ..
عاد الزوج في الصباح فالفى الجميع نائماً .. .. وقد دلف الى غرفة أخيه فرآه يغط في نوم عميق بعد ان جهزت له ماريا غرفة نظيفه .. ومع الجهد الذي بذله عصام في المصنع لم يشأ ان يوقظه او يوقظها .. ومد جسده المنهك على سريره في غرفة تقع الى جانب غرفة زوجته وخلال دقائق راح في نوم عميق ..
كالعادة استفاقت الزوجه عند الضحى لكي توقظ زوجها بعد ان تعد له طعام الفطور لكي يجهز نفسه للذهاب الى عمله النهاري .. وبعد ان جهزت مائدة فيها من الاطايب ما تشتهيه الانفس ايقظت زوجها .. وقام الزوج بدوره في ايقاظ شقيقه .. وهكذا اجتمع شمل الاسرة على طعام للمرة الاولى بعد قدوم الاخ الشقيق .
كانت ماريا تختلس النظر الى وجيه .. وكانت تتنهد بعمق عندما تنظر الى وجهه العريض وكتفيه ومنكبيه مثلما تنظر الى تمثاق فينيقي عتيق .. اما عصام فقد كان منصرفا الى طعامه يمضع بتؤدة لكي يعد نفسه للعمل والمغادرة .. أما وجيه .. فقد كان يعيش في جو القرية والاصدقاء .. وكانت ذكريات عزيزة حنونة تمر بخاطره سريعاً فلا يملك الا التنهد وتذكر مرابع الصبا ..
وعندما وقف الى أخيه مودعاً .. قال له عصام .. في الاسبوع القادم وبعد ان تستريح قليلاً .. سوف ارافقك الى الجامعة لكي تتعلم الانكليزيه .. حيث تباشر الاتصال بمرافق العلم لكي تكمل تعليمك .. وهز وجيه رأسه ضاحكاً وموافقاً .. أما ماريا .. فقد هزت رأسها بشئ من السخرية وقليل من عدم الاهتمام ..
نكمل في العدد التالي :