الرابط : القصة :
رواية الكاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك :
ضاقت عين الحياة أمام فوزي وزوجته جانيت ، واعوجت السبل إلى طريق تحقيق الأحلام ، وفرض اليأس سطوته بجبروت لا يقبل التحدى ، وتعددت أفكارهما ولم يتجه الترحيب سوى لفكرة واحدة على أنها أفضل الحلول ، الهجرة للخارج وانتهى الإختيار إلى أن تكون أمريكا وجهتهما . لم يجدا صعوبة في ذلك الوقت للحصول على الموافقة وخاصة انهما زوج من الأطباء وشهاداتهما الدراسية تشير إلى نبوغ غير عادي ، وللأسف الشديد هذا النبوغ يقدر في البلاد الغريبة ويطمس في بحور التجاهل في بلادنا ، رحلا بقلوب واجفة إلى بلاد ومجتمع لم يعرفا عنهما شيئاً سوى ما شاهداه علي شاشة السينما في المرات القليلة التي ذهبا إليها كنوع من أنواع الترفيه ، صاحبتهما دعوات الأهل ودموعهم وخاصة والد فوزي الذي كان متلهفاً لرؤية حفيد له وظل يوصيهما لآخر لحظة قبل سفرهما بعدم التأخر في الإنجاب أكثر من ذلك ، والمبادرة بإرسال صور الحفيد بمجرد قدومه ، في الحقيقة لم يكونا في حالة تسمح لهما للإنصات لكل ما يقال ، رأساهما مشحونان بالمجهول الذي ينتظرهما في الغربة ، هل سيحالفهما الحظ أم ستضطرهما الظروف للعودة مرة ثانية إلى الضيق الذي لازمهما طوال الفترة الماضية ؟ ويعيشان على أبواب الحياة وقد يكون خارج حدودها من يدري . منذ أن حلقت بهما الطائرة وحتى وصولهما لم تتوقف الأفكار عن مغازلة رأسيهما ، ولم يوقعا معاهدة هدنة مع التفكير في المجهول ، سواء كان هذا التفكير منفرداً أو مشتركاً يعلو صوته من باب الشعور بوجود رفيق يشد من أزر الآخر فيطمئن وتزول عنه الرهبة . استقلا الحافلة إلى وسط المدينة توفيراً لبعض النقود ومنها اتصل فوزي بأحد الأباء الكهنة ليرسل لهما من يحضرهما إلى الكنيسة ، وكان الأب الكاهن سبقَ وأوصي بعض من تسرهم المساعدة في مثل هذه الأحوال ليدبر لهما مكاناً للإقامة إلى أن يعثرا علي عمل ، وفى الحقيقة يرجع الفضل في ذلك إلى والد فوزي إذ كان على علاقة طيبة براعي الكنيسة التي يصلى بها ، وعندما علم بسفر فوزي تصاحبه زوجته وليس لهما أهل أو معارف هناك ، قام بالاتصال بكاهن كنيسة المدينة الذاهبان إليها وأوصاه بهما خيرا ، وهذا ما شد من أزرهما فلم يمض سوي وقت قصير على اتصالهما ، حتى أتت سيارة يقودها طبيب مثلهما وإن كان حاله يختلف عن حالهما ، الأعوام الطويلة التي أمضاها في هذه البلاد مكنته من تحقيق طموحاته وساعده الارتباط بزوجة من أهلها علي شق طريقه ، ويبدو أنه نال من دعوات والديه الكثير فحظى بزوجة لم تشعره يوماً أنها غريبة عنه ، بل ساندته ووقفت بجانبه ومن المدهش أنها تعلمت لغته وأصبحت من المصلين بالكنيسة التي يتبعها زوجها ، أنجبت له بنتاً وولدا تطبعا هما أيضا بطباع وعادات الأب فكان كل من يراهما يظن أنهما مصريان خالصان . كان لمقابلتهما مع هذا الطبيب الفضل في إعادة الراحة بعض الشيء إلى داخلهما المجهد المتخوف ، أحس الطبيب بنظراتهما القلقة فحاول أن يبدد بحديثه المهذب كل المخاوف والأوهام ، عارضاً مساعدته وخدماته إلي أن يتدبرا أمرهما ، وكان صادقاً في كل ما وعد به ولم يأخذ طريق العودة إلى منزله إلا بعد أن اطمأن عليهما مقدماً لهما زوجته وأولاده ، وقامت الزوجة بتوفير احتياجاتهما بسخاء لا يوصف ، وانصرف عاى وعد بالحضور بعد أن ينالا قسطا من الراحة ليتدبر معهما كيف يخطيا أولى خطواتهما . لم تمض سوى أيام علي قدومهما إلا وكان قد تدبر لهما عملاً في إحدى المستشفيات كمساعدين وليس كأطباء فلا بد أن يحصلا علي شهادة المعادلة أولا ، لكنها كانت بداية موفقة ساعدتهما على الحصول على مرتب لا بأس به يفي للإقامة بمسكن صغير وتأدية التزاماتهما الدراسية دون الحاجة لطلب المساعدة . مكنهما الإجتهاد الذي اعتادا عليه طوال سنوات الدراسة من الحصول على شهادة المعادلة بتفوق بعد عام ونصف فقط ، قضياها بين العمل والدراسة فلم يكن لديهما وقت حتى للترفيه عن أنفسهما ، يبدأ يومهما في الساعة السابعة صباحاً للِحاق بميعاد العمل في الثامنة وينتهي في الساعة التاسعة مساء بعد الانتهاء من الدراسة ، ليصلا إلى مسكنهما في الساعة العاشرة وهما يجران أقدامهما نحو الفراش ليتمكنا من الاستيقاظ مبكرا لمراجعة ما درساه . خاب ظنهما في الحصول علي بعض الراحة بعد عملهما كأطباء ، وفوجئا بكم هائل من العمل الذي يستدعي وجودهما طوال الليل بالمستشفي علاوة على الشهادات والامتحانات الأخرى المطلوبة حتى يصبحا أطباء معتمدين ومؤهلين للعمل في عياداتهما الخاصة ، وأضاع هذا من عمر زواجهما خمسة أعوام أخرى . عندما شعرت جانيت بأعراض الحمل لأول مرة كان قد مضي علي زواجهما ثمانية أعوام ، لم يكن موضوع الإنجاب يشغل ذهنهما كثيرا ، حتى بعد أن أوقفت استخدام وسائل منع الحمل وظلت لثلاث سنوات ولم يتحرك جنيناً داخل أحشائها لم يفكرا ولو للحظة في استشارة طبيب يحمل هذا التخصص . وأغلب الظن أن هذا الحمل حدث في إحدى اللقاءات القليلة على فراش الزوجية فلم يكن للعاطفة والحب متسعاً من الوقت فزواجهما اتسم بالعقلانية بالفعل ، وبالرغم من هذا لم تتطرق إلى حياتهما أي مشكلة كالتي تحدث بين الأزواج ، جمع بينهما التفاهم دائما وكأنهما نصفان لشخص واحد والفضل يعود لاتفاقهما على هدف الوصول إلي اعلى المراتب العلمية ليحققا من خلاله الماديات التي عجزا عن تحقيقها في بلدهما وكانت سبباً في هجرتهما ، كرسا الوقت كله للدراسة والعمل دون النظر لأي اعتبارات أخرى تغذي العاطفة والوجدان حتى لا يتحول الإنسان إلى ترس في ماكينة الحياة ، حتى الأشياء البسيطة التي كان من شأنها إضفاء بعض البهجة والترفيه علي حياتهما لم يهتما بها ، فلم يحدث أبدا انهما ذهبا إلى مكان ما لقضاء سهرة في عطلة نهاية الأسبوع أو قبلا دعوة للعشاء خوفا من التزامهما برد الدعوة وفي هذا مضيعة للوقت ، طريقهما مرسوماً بدقة لا يحيدا عنه أبدا لكي يصلا إلي الهدف المشترك الذي اصبح بالنسبة لهم ديانة وعبادة ، الثراء بلا حدود لكي يتفوقا حتى على هؤلاء الذين واتتهم الفرصة للحضور إلي هذه البلاد منذ سنوات طويلة فامتلكوا القصور والسيارات الحديثة وملايين من الدولارات . لم يحاولا الوقوف ولو للحظات ليعرفا كيف اقتنى هؤلاء كل ما لديهم أو ما هو الثمن الذي دفع فيه ، فربما هذه اللحظات كانت أنارت بصيرتهما لما هو افضل من المال والثراء الذي يسعيان إليه والذي أغفلهما عن كل شئ حتى البهجة التي يشعر بها اشد الناس فقراً عندما تحبل زوجاتهم لأول مرة ويملأهم الشعور بالأبوة ، تلقى فوزي نبأ حمل زوجته كخبر عادي .. بلا شعور .. لا سرور ولا استياء .. وتقبلت جانيت حملها كما لو كان قدراً لا بد منه ، لم يشغلهما سوى حساب ما إذا كان ميعاد الولادة سيتضارب مع ميعاد الامتحان الذي كان مقرراً له بعد عدة اشهر للحصول على شهادة تؤهلهما لمستوي أعلى أم لا . قضت جانيت فترة الحمل متململة لأن الشعور بالتعب يضطرها أحيانا إلي المكوث بالمنزل بعيدا عن العمل والدراسة . مرت اشهر الحمل لتجد جانيت نفسها نزيلة لإحدى الغرف في المستشفي الذي تعمل به هي وزوجها . ضحكت زميلتهما الطبيبة التي أشرفت علي الولادة بصوت عال وهي تنظر إلى وجه المولودة التي لم تر الحياة سوى من دقائق معدودة وهي تقلب النظر بين وجهي أبيها وأمها قائلة : هل أنتما متأكدان أن هذه الطفلة ذات الوجه الفاتن هي ابنتكما ، لو لم اكن أشرفت على الولادة بنفسي لما صدقت هذا ، كان وجه الطفلة يختلف بكل المقاييس عن وجه أبيها وأمها وكان هذا موضوعاً للتندر من المعارف والأصدقاء فيما بعد ، وخاصة بعد أن شبت سيسيليا عن الطوق واندمج جمال الوجه مع مفاتن الجسد ، وللأسف لم يشفع ما حبي به الله هذه الطفلة من جمال عند أبويها وهما يتخذان قرارهما القاسي قبل مجيئها بأنه لا بد من الاستعانة بمربية بصفة مستديمة ، وأن تكون تغذية المولود بواسطة الألبان الصناعية حتى لا تضطر الأم أن تمكث بجوارها وربما هذا يؤثر على مستقبلها كطبيبة ، ارتسمت الدهشة علي وجه كل من رأى الأم ممن يعملون معها وهي تتابع عملها بعد أسبوع واحد فقط بعد الولادة ، وهكذا حُكم على سيسيليا ألا تلقم ثدي أمها حتى ولو لمرة واحدة ، وأصبح وجه المربية التي كانت تتقاضى جزًا لا بأس به مرتب أحدهما هو المألوف لديها ، فلم تكن الأم تطل عليها إلا بعد عودتها منهكة من العمل وللحظات قصيرة ثم تلوذ بالفراش لتلقي عليه بجسدها المتُعب ، وغالبا ما كانت الطفلة تصيح باكية عندما تنظر وجهها الذي لم تعتاده ، أما الأب فيمكن أن تمر أيام دون أن يطالع وجه طفلته وربما تمتد الفترة حتى عطلة نهاية الأسبوع ، لم يراعيا الله في حكم قاس على فلذة كبديهما لتنشأ يتيمة الأب والأم وهما لا يزالا على قيد الحياة . خطت سيسيليا أولى خطواتها نحو المدرسة وهي لا تعرف سوى ما لقنته إياه مربيتها أما لغة أبواها فلم يحاول الأب أو الأم أن يضعا في فمها أي كلمات منها ، مفضلين أن تتكلم لغة البلاد التي ستنشأ وتتعلم وتعيش بها طوال حياتها بدلا من الشوشرة على رأسها بلغة أخرى ، لكن مربيتها الفلبينية لم يفتها أن تلقنها بعض الكلمات باللغة العربية التي كانت قد تعلمتها أثناء عملها كمربية في إحدى الدول العربية ، وأصبحت سيسيليا تنطق بها بطريقة المربية الفلبينية وكان هذا بالنسبة للأبوين كنوع من الفكاهة. قفزت الصغيرة من عام إلى عام مبدية ذكاءً غير عادي في تحصيل دروسها مما قربها من قلوب مدرسيها وكأن الله أراد أن يعوض هذه المسكينة حناناً لم تجده في حضن والديها ، فأضفي على شخصيتها سحراً خاصاً جعل كل من يقترب منها يشعر بأنه يتعامل مع فتاة طيبة ، وحباها بالكثير من نعمة الجمال فالتفت حولها زميلات الدراسة وأطلقن عليها اسم سوسو للتفرقة بينها وبين سيسيليا أخرى كانت على النقيض في كل شئ ، لكنها كانت دائمة الإحساس بأن هناك شيء ينقصها عن سائر زميلاتها وخاصة عندما تنفرد بحجرتها لتراجع دروسها وتشاهد التلفزيون لبعض الوقت ثم تأوي إلى فراشها وهي تعلم انه لا أمل في رؤية أبيها أو أمها قبل أن تغمض جفنيها ، فهما لا يعودا قبل الساعة الثانية بعد منتصف الليل بعد أن أصبح لكل منهما عيادته الخاصة ، وبالتالي فهما لا يستيقظان قبل التاسعة أو العاشرة صباحا ليتوجها إلى المستشفي ومنها إلى العيادة وهكذا يدور رحى الأسبوع ، حتى العطلة الأسبوعية كان يقضيان معظمها في النوم وما يستيقظانه يضيع بين تلبية بعض المجاملات مع أصحاب المصالح المشتركة أو في البحث عن تحفة جديدة يضيفانها إلي ما اقتنياه من تحف أخرى تزين البيت الهائل الذي تكلف بناؤه مبالغاً طائلة فبدا كأنه قصر من قصور سالف الزمان ، حققا به رغبة من رغبات كثيرة جاهدا لتحقيقها وافنيا سنوات طويلة من العمر في سبيل الوصول إليها ، وللأسف حتى بعد أن أصبحت بين أصابعهما لم يشعرا بالاطمئنان ، الهواجس لا تترك أذنيهما حتى ولو لفترة قصيرة ، الخوف يعشش بداخلهما دائماً ، بأنهما لو توقفا لالتقاط الأنفاس سيفقدا ما جمعاه ، أو سيختل تل الثراء ، العمل دون توقف وإلا فالعودة إلى أيام الفقر ، هواجس الطمع والجشع لا ترحم من يفتح أمامها الباب على مصراعيه !!!!!! .
وإلى اللقاء مع الحلقة القادمة ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف .
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

