الاسلام والدولة المدنية الحديثه


الرابط : دراسات :
بقلم : محمود يونس :
المتأمل للساحة العربية.. فى عامي 2011 و2012 .. يرى بوضوح صعودا لنجم التيارات الاسلامية فى المشهد السياسي فى أكثر من بلد عربي، ويأتي هذا الصعود متزامنا مع ما يسمى بثورات الربيع العربي..التى أزالت بعض الأنظمة العربية الديكتاتورية..مخلفة الساحة السياسية .. فارغة من أية قوة لأحزاب المعارضة التى انهكتها الانظمة البائدة..فأصبحت لا تحمل من المعارضة الا اسمها..وليس لها اي رصيد شعبي على مستوى الساحة السياسية أو الشارع.. فكان ان جنت الأحزاب والجماعات الاسلامية في اكثر من بلد عربي حصاد ثورات لم يقوموا باشعالها.. بل كانوا أحيانا آخر من انضم اليها ..وأحيانا عملوا فى غير مصلحتها.. وعندمااحتكم الجميع للديمقراطية عبر صناديق الإقتراع ..وجدنا ان الاسلاميون قد اكتسحوا نتائج الانتخابات.. وحصدوا محصول ثورة لم يزرعوها..ولعذلك ناتج في رأيي عن الاسباب التالية
الأنظمة البائدةوالقائمة ساهمت فى تلميع صورة الاسلاميين بشكل غير مباشر وذلك عن   طريق تخويف الجميع عمدامن امتداد نفوذهم ونعتهم بالمتطرفين او الارهابيين وذلك كي يتخذوا من ذلك ذريعة لاستمرار آلة البطش الامنية والاجراءات الاستثنائية لتكميم الحريات..فخلقت هذه الانظمة صورة فى ذهن رجل الشارع ان الاسلاميون هم عدو النظام الاول..لذلك فتش الناخب في ردة فعل عن اعداء النظام لينتخبهم عندما حصل على حقه في ان ينتخب بحرية
الفقر والمشاكل الاجتماعية..والشعور بالظلم وفقدان العدالة الاجتماعية التي خلقتها الانظمة البائدة..دفعت الناس للرجوع للدين ومن يمثله وذلك كاجراء عقابي مجتمعي صامت للأنظمة الفاسدة..والمعروف أنه فطريا كلما زادت مشاكل وهموم الناس نراهم يتمسكون بالدين..فى محاولة لخلق مجتمع مثالى كما يتخيلون.
حالة الهزال العربي العام التي اوصلتنا لها الانظمة البائدة والحالية..والتي جعلت منا ملطشة لشعوب الارض..فأموالنا منهوبة..وكرامتنا يداس عليها كل يوم بالأرجل .. وقرارنا ليس في يدنا انما ننفذ ما يملى علينا..هذه الحالة جعلت كل تاشعوب العربية تتطلع دائما لتلك الأيام التى كان فيها المسلمون يمثلون العزة والشموخ فى أروع صورهما.. ونعني بها أيام الخلافة الاسلامية.. حيث ارتسمت هذه الصورة في أذهان الكثيرين.. وكان جل طموحهم اعادة تلك الصورة البهية للمسلمين..
هذا بالاضافة لاسباب محلية اخرى تختلف من بلد عربي لاخر.. وأيا كانت الأسباب..الا ان ظاهرة صعود الاسلاميين للحكم في أكثر من بلد عربي..يطرح تساؤلا كبيرا عن مقدرة هذه الأحزاب وبرامجهاعلى الامساك بدفة الحكم وخلق دولة حديثة دون تكرار أخطاء الانظمة السابقة.. حيث أن ما رأيناه فى مصر وتونس وليبيا للآن لا يبشر ولا يبعث على التفاؤل..ويبدو واضحا أنهم تفاجأوا بثورات لم يعدوا لها.. ووجدوا انفسهم فى سدة الحكم دونما استعداد حقيقى للتعامل مع أدوات الحكم..فهناك فرق كبير بين التنظير النظري طيلة ما يقارب قرن من الزمان وبين الامساك الحقيقى بالحكم ودهاليزه..
ولست هنا بصدد تقييم برامج هذه الاحزاب ان كانت على خطأ أو صواب.. فهذا المقال لا يتسع لذلك.. ولكنني سأطرح السؤال بشكل آخر
هل الإسلام قادر على بناء دولة حضارية حديثة وقوية فى عالم أصبح كالقرية الصغيرة.. يؤثر ويتأثر بسرعة وفاعلية؟ وما هي أدواتنا لذلك؟
للإجابة على هذا السؤال.. نتوقف قليلا هنا:يجب أن نفرق بين الاسلام كدين سماوي .. لا غبار عليه دستوره القرآن الكريم .. فيه من التشريعات والفضائل ما يجعله صالحا للتطبيق – فى وجود الفهم الصحيح – فى كل زمان ومكان.. هذا هو الاسلام المستنير الواعي
الوسطي.. والذي يتقبل الاخر وان اختلف معه و الذي ان فهم وشرح للناس بطريقة صحيحة يكون قادرا على ارساء دولة حضارية عادلة وقوية وسوف آتي فيما بعد الي الوسيلة التي يجب ان يشرح بها الدين بطريقة صحيحة للناس لكي يكون مصدر يسر لحياتهم لا عسر.
أماالاسلام المعقد.. ضيق الافق الذي يسيل يوميا من أفواه بعض رجال الدين.. والذين توقفت عقولهم عند نقطة معينة فتجمدوا وعاشوا متخلفين عن عصرهم.. نتيجة فهمهم الخاطىء لروح وسماحة الاسلام..والتي هي أكبر من أن تستوعبها عقولهم الضيقة..مما جعلهم يشعرون أنهم أوصياء على الناس يحللون ويحرمون كما يشتهون وساعدهم فى ذلك تواضع ثقافة العامة .. فأخذوا يعسرون حياة الناس
مما جعل الكثيرين ينفرون منهم..ولا يستطيعون أن يتقبلوا فكرة أن تكون حضاريا ومسلما فى وقت واحد..لذلك اعتبروا الحضارة الغربية بكاملها رجس يجب الابتعاد عنه دون ان يتعبوا عقولهم بدراستها سلبا أو ايجابا.. ودون أن يحاولوا الاجتهاد لتطويع التشريعات الاسلامية للغة العصر..وللأسف أصبح الحكم على المسلمين في العالم كافة منوطا بتصرفات هؤلاء وطريقة تفكيرهم وكأنما هم من يمثل الاسلام متناسين أن الاسلام هو دين الوسطية في كل شىء
فى رأيي ان أمثال هؤلاء أنصاف الأئمة يمثلون خطرا شديدا عل مجتمعاتنا الإسلامية.. لأنهم ببساطة يسلبون من الاسلام أهم ميزاته كدين سماوي رائع..ألا وهى الوسطية والسماحةوالتيسير وان كان ثمة قصور تشريعي فهوبلا شك ليس قصورا من الاسلام بحد ذاته بقدر ماهو قصور فى ادراك هؤلاء وعجزهم عن الاجتهاد الذى كان دائما أحد مصادر التشريع في الاسلام بجانب القرآن والسنة واجماع الصحابة والقياس.هؤلاء الذين توقف تفكيرهم عند نصيحة الناس فى كيفية أداء العبادات بطريقة صحيحة فقط.. أما فيما عدا ذلك.. فنجدهم سرعان ما يبدون مقاومة للتغيير ورفض التجديد بدون دراسته والحكم عليه بطريقة صحيحة واعتباره من البدع المستحدثة.. حاشدين بكل قوتهم ما يحفظون من القرآن والسنة للتدليل على صدق وجهة نظرهم بطريقة قاصرة وخاطئة أحيانا..
وبالعودة للاجابة على سؤالي السابق تكون الإجابة نعم ولكن اذا توفر الفهم الصحيح والمستنير لتعاليم وتشريعات الدين الاسلامي.. مما يطرح سؤالا آخر: وكيف السبيل الى ذلك؟ وما هي أدواتنا لتحقيقه؟ وبرأيي تتلخص الاجابة فيما يلي:
-أولا: اشاعة مناخ كامل من الحرية فى كل نواحي حياتنا..فالمعروف ان مناخ الحرية ينشط عمل العقل.. ويجعله أقرب إلي الابداع فى مختلف المجالات ويطلق كل امكانيات العقل البشرى.وبدون هذا المناخ المكاشف والصريح ستبقى كل قدرات الأمة مقيدة وحبيسة جمود الماضى وغير قادرة على مواكبة الإيقاع السريع للعصر الذى تحيا فيه. ولا أعتقد أن تشريعات الدين الإسلامى المتعددة.. تتعارض في شىء من هذا التوجه نحو الحرية إذا فهمت بشكل مستنير يتماشى مع روح هذا الدين الذى يدعونا دائما للأفضل و للإبداع فى كل شىء لما فيه خير المجتمع.فالإنسان وهو خليفة الله فى الأرض عليه أن يسعى دائما للأفضل وألا يقتنع بما أنجزه حتى الآن .. فلا يكف عن المحاولة ..مستعينا بكل الإمكانات الدفينة التى وهبها الله له.
-ثانيا: اعتماد الأسلوب العلمي فى التفكير..وتطبيق مبدأ التجربة والخطأ للوصول إلى أفضل المعادلات المناسبة للتطبيق في مجتمعاتنا الاسلامية.. بشكل لا يتعارض مع خصوصيات المجتمع المسلم ولا يتخاصم مع محيطنا العالمى الأوسع الذى نحيا معه.. فالآخر موجود في حياتنا شئنا أم أبينا ولا نستطيع أن نلغيه ببساطة بأن نتقوقع على أنفسنا.. رافضين كل مايمت إليه بصلة.واعتماد التفكير العلمى فى كل أمور حياتنا.. سوف يحقق من الإيجابيات الكثير ..فليس هناك ما يمنع من ان نتوكل على الله فى أفعالنا .. وفي نفس الوقت نفكر جيدا قبل فعل الأشياء وألا نتركها في مساحة رمادية للظروف.. على اعتبار أنها مشيئة الله وأننا لا نملك شيئا حيالها .. فهذا هو التواكل وليس التوكل على الله.و اضافة لما سبق فإن التفكير العلمي وليس العاطفى.. سوف يعزز احساسنا بمنطق الأشياء فى مختلف جوانب حياتنا.. وهذا الإحساس بالمنطق سوف يعيد لنا فطرتنا السليمة في الحكم على الأشياء..ولا يجعلنا حبيسين لأحكام ممجوجة مسبقة ومكررة ومعلبة .. نستعملها بدون تفكير.إن الله سبحانه قد وهبنا نعمة العقل.. والذي لا حدود لإمكانياته فلماذا لا نستعمله بالشكل الصحيح..لتسيير أمورنا الحياتية بالشكل المفروض والمطلوب.
ثالثا:تربية النشء فى المدارس والمنازل على قيم الإسلام الحقيقية.. وليس الذكورية..قيم الأسلام المتسامحة..الميسرة.. التي تقبل الآخر..قيم الإسلام التى تقدس العمل.. وترفعه إلي مرتبة العبادات..قيم الإسلام المنفتحة وغير المتعصبة لرأيها بطريقة عمياء.. وأن نعلم النشء بطريقة صادقة.. كيف يضع هذه القيم موضع التطبيق الفعلي..لا أن يحفظها كشعارات فقط..وهذا يتطلب منا أن نكون قدوة أمامهم..إن اسلاما يرفع الشعارات وهاجة ولا يطبقها هو اسلام أهوج يضر أكثر مما ينفع.. بعبارة أخرى هذه الإزدواجية بين القول والفعل في حياتنا يجب أن تختفي.. ان كنا نريد مجتمعا صحيا..والنشء في أي مجتمع يكونون كلمة واحدة هى ببساطة: المستقبل.. ولنا أن نتخيل مجتمعا.. بلا مستقبل..فسوف يكون بلا شك محكوما عليه بالموت. إن غرس القيم الصحيحة السابقة بالأضافة لتعليمهم سعة الأفق.. والنظر للأمور بمنظار محايد منطقى وليس عاطفي.. سوف يخلق لنا جيلا قويا.. واثقا من نفسه.. مناقش مجادل..لا يلغى عقله وفوق كل ذلك مقاتل شرس من أجل أن يحافظ على معتقداته السليمة التى تشربها.. جيلا ليس من السهل إلغاء ارادته..أو تزوير صوته في الإنتخابات..أو سرقة أمواله ومكتسباته.
رابعا:تعزيز عناصر الجمال في حياتنا.. فعندما تألف أعيننا الجمال.. نستطيع أن نميز القبح بسرعة.. ونعالجه..نستطيع أن نرى بسهولة غيرنا من الفقراء والبؤساء وأن نشعر بمعاناتهم.. وعندما نحس بالجمال سوف لا نقبل بأن تكون ملابسنا او شوارعنا قذرة ..وان كان هناك من دين يحث على الجمال والنظافة والتمسك بهما فهو بلا شك الدين الإسلامي..إن تعزيز الحس الجمالي في أي مجتمع.. سوف يخلق لديه مقاييس صارمة لما يجب أن تكون عليه حياة الفرد في المجتمع..بحيث لا يقبل التنازل عن هذه المقاييس بل على العكس .. نراه يسعى دائما.. لتحسينها والرقي بها.وأضيف لما سبق شيئا مهما آخر وهو أن المجتمعات التي تقدس الجمال نراها تميل الي الرقة والليونة في طبائعها .. واخذ الأمور بشكل يسير..ولا نرى فيها ذلك العبوس المتأصل الذي نراه على وجوه الناس فى أكثر من بلد عربي..و كأن هذا العبوس والنكد هو اختراع عربي بامتياز.. إن مجتمعا لا يستطيع تذوق الجمال والإحساس به هو مجتمع عاجز فاقد لحاسة الذوق وفاقد لأجمل المشاعر الإنسانية التى ان فقدت في مجتمع ما تحول دون ريب إلى غابة.. إن كل شىء خلق في هذا الكون يدعونا للتأمل فى بديع صنعه ..وأن الله الخالق لهذا الجمال لم يخلق الأشياء جميلة عبثا.. وانما في ذلك رسالة لنا..ألا نقبل بفعل أشياء ما إن لم تكن على الوجه الأكمل..وأننا
يجب أن ندرك وننمي احساسنا الجمالى بما حولنا
خامسا: الارتقاء بوضع المرأة الثقافي والاجتماعي  وخلق أمهات واعيات مثقفات يملكن حريتهن بأيديهن بعيدا عن سلطة الرجل الابوية وهذا بلاشك هو اللبنة الاولى في بناء مجتمع صحي صحيح وبدون المرأة القادرة اجتماعيا وثقافيا على تربية نشء صالح لن يكون هناك مجتمع حضاري
سادسا وأخيرا:المناقشةوالتحليل..والعمل بمبدأ (أنا لا أقبل ولا أرفض ولكنى على استعداد للمناقشة ). إن مناقشة الأمور –كل الأمور- بعقل متفتح ومستوعب وجدي هو المفتاح لحل أية مشكلة مهما بلغ حجمها.. ولا نعني هنا بالمناقشة ..لاجل المناقشة فقط..مع الأحتفاظ بثوابت قناعاتنا سواء أكانت صوابا ام خطأ..فأسوأ ما تصاب به المجتمعات هو المناقشة الجوفاء والجدل الفارغ الذي لا يؤدي إلي نتيجة ولا شك ان المناقشة المنفتحة تساعد فقهاء الأمة ورجال الدين على الإبداع فى اجتهاداتهم..لكي يجعلوا حياة الناس أفضل .. وتلغي تلك المحرمات المزعومة الجامدة في عقول البعض منهم والتي لا يحاولون اخضاعها للتحليل والمناقشة..فكثير من رجال الدين هؤلاء يميلون إلى التشدد خوفا منهم من أن يقعوا في الخطأ إن هم يسروا..وكان الأحرى بهم أن يفكروا ويحللوا ويجتهدوا للوصول الى الأصوب والأيسربما يلائم حياة الناس في عصرهم الحالي..وإن كان الدين الإسلامي دين يسر فلماذا نحرم الناس من ذلك.. لمجرد أن عقل أحدهم قد توقف عن التفكير عند نقطة ما..وخير مثال لنا على ذلك مناقشة الرسول صلى الله عليه وسلم لله سبحانه وتعالى حول عدد الصلوات المفروضة على المسلمين في رحلة الإسراء والمعراج ومطالبته الرحمن بتخفيض عدد الصلوات اليومية تيسيرا على المسلمين.
في ختام مقالي.. أريد ان أنوه إلى أن ما نحتاج إليه كمسلمين لبناء دول حضارية لا تتعارض مع تعاليم ديننا الحنيف ليس دستورا.. فالدستور موجود.. ولكننا بحاجة لمن يفهم هذا الدستور بشكل مستنير وصحيح وغير متعصب ثم يطبقه بعقل واع متفتح آخذ في الإعتبار كل الملابسات من حولنا..وإلى أن يأتي ويتخلق من هم قادرون على ذلك وعلى خلق الأرضية المناسبة سنبقى نتخبط بلا هوية