مدينة باجه تستغيث

الرابط : اراء حرة :
محمد علي  القايدي – تونس :
زائر النهار لمدينة باجة يعتريه شعور بالمرارة والحسرة وينتابه إحساس غريب , بأن هذه المدينة كأنما تعيش في القرون الوسطى وأن التخلف الذي ضربها متأصل فيها وفي متساكنيها بعد أن فقدت طابعها العمراني والحضري الضارب في أعماق التاريخ , و يصاب بصدمة من هول ما لحق بشارعها الرئيسي وبنهجها الحيوي المسمّى نهج خير الدين باشا أو ” باب الجنائز” وطرقاتها وأزقتها وأحياءها من ازدحام وفوضى عارمة نتج عنها تراكم للأوساخ وتكدّس للفضلات المنزليّة الملقاة هنا وهناك والتي كلّما تأخر رفعها من طرف عمال البلديّة المتقاعسين إلاّ وتصاعدت منها روائح كريهة تهدّد بانتشار الأوبئة إذا ما تواصل رميها من طرف المواطنين وباعة الخضر والغلال في كل مكان على نحو لم نعهده من قبل جراء التسيّب وعدم الشعور الجماعي بثقل المسؤولية وكذلك سوء فهمنا للحرّية وحالة الانفلات التي اجتاحت كل المدن جرّاء الانتصاب الفوضوي الذي ضيق أهمّ طرقاتنا و أنهجنا وعرقل حركة المارة إلى درجة أنها أصبحت مستحيلة وجدّ خانقة خاصة في أوقات الذروة من شدّة الازدحام وكثرة تجاوزات بعض العناصر المنحرفة التي تحولت إلى باعة رغم أنف الجميع تتاجر في كل شيء , دون حصولهم على تراخيص من السلطات المعنيّة زد على ذلك امتناعهم المتعمّد دفع ما عليهم من الأداءات البلديّة القانونيّة مستعملين لغة التهديد والوعيد وملوحين باستعمال العنف ضدّ أي كان ولو كان من رجال الأمن أو أعوان التراتيب أو مراقبي الأسعار المتوارين عن الأنظار أو الذين تعمّدوا الاختفاء خيفة تعرضهم وأفراد عائلاتهم إلى مضايقات وتهديدات من هؤلاء ” الفتوّات ” الجدد الذين سيطروا على ” بطحاء الكنيسة ” وشارع ” فرحات حشاد ” ونهج “خيرالدين” وصولا إلى شارع بورقيبة ,سيطرة كاملة لأنهم من أصحاب السواعد المفتولة ويتصفون بالغلظة والتهوّر والوقاحة فمنذ احتلالهم لباب الجنائز الذي تحوّل إلى “باب المنتصبين الفوضويين” لم تعد باستطاعة أيّ جنازة أو جرّار من جرّارات البلديّة المرور بين “النصبات” لضيق الممرّ واستحالة رفع الفضلات . أصحاب السوابق هؤلاء أقضوا مضاجعنا وأصبحوا مصدر قلق وإزعاج لكل سكان المدينة بسبب تعديهم على القانون وسوء معاملتهم ا للمارة سواء كانوا رجالا أو نساء كبارا أو صغارا , فالمارّ مع زوجته أو ابنته يمكنه أن يسمع ما لم يكن في الحسبان من فاحش الكلام الذي يخدش الحياء وثلب وقذف وشتم وسبّ للجلالة والذي غالبا ما يتطور إلى تبادل للعنف المادي رغم أن ظاهرة العنف اللفظي والمادي ليست بالغريبة عن مجتمعنا فهي متجذّرة فيه لكنها أصبحت اليوم أكثر حدّة وانتشارا مما كانت عليه في السابق ويعود ذلك إلى غياب إرادة إجرائيّة وعدم وجود قوانين رادعة لاستئصال هذه الظاهرة الغريبة مما شجّع هؤلاء الخارجين عن القانون على تجاوز كل الحدود بتعمّدهم إرهاب الحرفاء وابتزازهم والترفيع المشطّ في أسعار المواد المعروضة دون حسيب أو رقيب . زد على ذلك ظاهرة انتشار مجموعات من الشباب والصبية المهمشين المنحرفين, يقومون بعمليّة سطو في واضحة النهار, خطفا للمصوغ ومحافظ اليد وانتزاعا للهواتف المحمولة مع تعمد إتلاف وثائقهم وبطاقات هوياتهم وجوازات سفرهم والتسبب لهم في مشاكل ادارية وإجرائية . ويا للمفارقة يقع هذا في ساحة 14 جانفي 2011 بسبب غياب الأمن وفقدان وسائل الردع . فالمنظومة الأمنيّة والقضائيّة الحاليّة أضحيا محل تحفظ الخاص والعام , تقصيرا و لامبالاة وتعطيلا وعدم قيام بالواجب في معالجة الكثير من القضايا السّاخنة التي تتطلب حلولا سريعة ولا تستدعي تأخيرا نظرا لخطورة الوضع الذي تمرّ به البلاد. صحيح انه اتّخذ قرار لازالة الانتصاب الفوضوي في السّابق لكن ظلّ هذا القرار حبرا على ورق لانعدام الجدّية وتراخي سلطة الاشراف وترددها والتي تلقي باللائمة على المسؤولين الأمنيين وتتهمهم بالتقصير وعدم التعاون في تطبيق القانون. وهذا أمر جدّ خطير والأخطر من ذلك وما يخشاه أهالي المدينة أن يؤجل موضوع ازالة الانتصاب الفوضوي وتطهير المدينة من الخارجين عن القانون إلى ما بعد الانتخابات الرئاسيّة والتشريعيّة القادمة. فسكان المدينة يدفعون ضريبة تردد السّلط الجهويّة فالقرارات وحدها لا تكفي لوضع حدّ للانفلات الأمني والفوضى العارمة التي غرقت في ظلماتها المدينة وإنما الأجدى تفعيلها , وتفعيل شعار ” لا أحد فوق القانون ” ولا أحد بإمكانه التخلّي عن القيام بالواجب المحمول عليه مهنيّا وأخلاقيّا ووطنيّا إزاء المجموعة المحليّة . فمدينة باجة تختنق وتستغيث فهل من منتبه وهل من مغيث ؟
الأستاذ : محمد علي القايدي