نساء على الفيس بوك (2) الاخيرة

الرابط : القصة :
للكاتب :  إدوارد فيلبس جرجس
وكتبت الصديقة الرابعة :
الصديقات الفاضلات ، يبدو إنني لست الوحيدة بين النساء ، التي أطبق عليها الظلم وكاد أن يزهق أنفاسها ، ظلم الرجل للمرأة ولا رادع له ، قرأت مشاكلكن وأُقدرها لكنني أرى في مشكلتي أنها أقسى المشاكل ، ربما لأنني حُرمتَ فيها ظلماً من طفلي وطفلتي ، الحرمان من الضنى أقسى وأفظع من أي مشكلة أخرى . قصة حب جمعت بيننا ونحن لم نكمل دراستنا بالجامعة ، كان يحسدنا عليها الزملاء ، وبالرغم من التفاوت الطبقي الشديد بين أسرتي وأسرته ، وتعاظم الثراء أمام الفقر المدقع ، قاومت رفض أسرتي لهذا الإرتباط ، وعصيت أبي وأمي وكل الأسرة وتزوجت به ، ويبدو إن الله لم يرض عن هذا العصيان ، بدليل ما أقاسيه الآن من لوعة وحسرة على مقابلة كل الخير مني بأسوأ ألوان الشر منه . عام واحد بعد الزواج قضيناه في سعادة أنجبت خلاله طفلة جميلة ثم بدأت بعض المشاكل تدب نتيجة تدخل أسرته في كل كبيرة وصغيرة في حياتنا ومحاولة أمه التي هي حماتي السيطرة على نظام حياتنا وزوجي ينقاد لها دائما ، المشكلة الأكبر طمعهم وجشعهم في ثروتي ، بالرغم من أنني لم أكن أبخل عليهم أبداً ، أنجبت طفلي الثاني والمشاكل تحيط بنا ، متوقعة أن الأمور ستهدأ بقدوم الولد الذي ينتظروه ، لكن توقعاتي بانصلاح الحال هوت جميعها إلى الحضيض بل تفاقمت المشاكل أكثر من الأول ، يختلق الأسباب التافهة ليثور في وجهي ، تحملت كل إهاناته ومواقفه الوضيعة من أجل الطفلين ، إلى أن كشف النقاب تماماً عن وضاعة أصله بعدة طعنات متتالية أفقدتني الثقة حتى في نفسي ، بدأت باختفائه لتصلني بعدها ورقة الطلاق ، لأكتشف بعدها ما هو أفظع ، فبواسطة التوكيل الذي وقعته له في السنة الأولى من الزواج تمكن من الإستيلاء على كل ثروتي ، وبلغت الحقارة أعلى طبقاتها بتلفيق تهمة وضيعة لي  يعلم الله إنني بريئة منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب ، حكمت له المحكمة بعدها بحضانة الأطفال ، انتزعهم من حضني بقسوة تفوق قسوة وحوش الغاب ، والآن أنا وحيدة منكسرة بفعل تهمته الحقيرة مفلسة بعد أن انتزع ثروتي ، قلبي ينزف الدماء على طفلي ، بعد أن استقر في الصعيد وتزوج من ابنة عمه وأصبح مليونيراً بفضل الثروة التي سرقها مني ، واستغلها في مشروعات تجارية ، تعود عليه بأرباح هائلة رافضاً أن يعيد لي حتى القليل منها لأتعايش به . ما رأيكن أيتها الصديقات .  ( ر . ح )
********
تقابلت السيدات الأربع في لقائهن الأسبوعي ، كانت السيدة ( س . ن ) تلقي بنظرة بين الوقت والآخر نحو الطريق المؤدي إلى باب النادي وكأنها تتوقع او تنتظر قدوم شخصاً ، دقائق وبدت فوق شفتيها ابتسامة وهي تراه قادماً ، في نهاية عقده الثالث ، أسمر اللون ، قوي البنيان ، عيناه السوداوان تلمعان ببريق غريب وكأنهما تدمعان دائماً ، هز رأسه بابتسامة صامتة ، جذب مقعداً من المنضدة المجاورة ، تبادلت النساء الثلاث نظرة مندهشة ، قامت السيدة ( س . ن )  بواجب تعريف غامض بأنه رسول القدر الذي نفذ حكمه في أزواجهن ، عادت الدهشة مضاعفة إلى عيون السيدات الثلاث ، لم تتركهن في دهشتهم كثيراً وقالت : لم أتعرف على السيد ( م . ف ) إلا منذ فترة قصيرة عقب مقابلتي الأولى معكن في النادي ، فوجئت به يطرق باب منزلي واستأذن في الدخول لأن له حديث معي ، ببساطة تامة أخبرني أنه تمكن من قراءة جميع الرسائل التي تبادلناها على الفيس بوك وأيضاً علم منها بموعد إلتقائنا بالنادي وتتبعنا واختارني أنا لأنه على حد قوله أحس بأنه رأى في شخصيتي إمكانية التفاهم ببساطة ، تتبعني إلى المنزل وأبدى استعداده أن يتعاون معنا على معاقبة أزواجنا بعد أن أحس المرارة في رسائلنا وخاصة رسالة ( ر . ح ) التي لفق لها زوجها التهمة الوضيعة التي مكنته من انتزاع حضانة الأطفال منها ، والتي استشف أنها لا بد أن تكون تهمة أخلاقية ، وقرر بعدها أن يمد يد المساعدة إلينا متطوعاً  ، وعندما سألته عن نوع هذه المساعدة ابتسم ابتسامة غامضة ورجاني أن أترك تقدير العقوبة له ، لم يفصح لي أبداً أن هذه العقوبة ستصل إلى القتل وكنت أظن أنها لن تزيد عن بعض الأعمال التأديبية ، وعندما سألته عن السبب الذي يدعوه لتجشم هذه المخاطرة ، وعدني بأنه سيجيبني عن هذا السؤال بعد أن ينتهي من مهمته ، وطلب مني فقط أن أمده بالمعلومات الدقيقة عن كل واحدة منكن وأن أترك له كل شيء ، وتمكنت من الحصول منكن على كل ما يلزمه من معلومات ، بعدها لم أره سوى اليوم لأنه لم يخبرني بطريقة للإتصال به ، اتصل بي منذ عدة أيام ليحدد موعداً للقائنا ، ولم يبق سوى أن يخبرنا السيد( م . ف ) عن قصته والسبب الذي دعاه لارتكاب هذه الجرائم معرضاً نفسه لمخاطرة يمكن أن تنتهي به إلى حبل المشنقة لو توصلوا إلى الفاعل . تحولت ملامحه إلى شيء بعيد تماماً عما كانت عليه منذ لحظات ، وكأنه غسل وجهه بماء المرارة ، تنقلت نظراته بين وجوههن وقال :
هل تصدقن إذا قلت أنني أرى في وجوهكن وجه أمي رحمها الله بالرغم من أن فارق السن بيننا ليس كبيراً ، بل في وجه كل سيدة انتقمت لها من زوج شرير ، تركتني أمي وأنا لم أبتعد عن عامي العاشر كثيراً ، طفل في العاشرة من عمره شاهد روح أمه تزهق أمام عينيه البريئتين بمنتهى الوحشية ، وبيد من !! ، بيد أبيه وأعمامه  ، أمي العفيفة الطاهرة انتزعوا أنفاسها بتهمة حقيرة عن سلوكياتها ، والتي اتضح كذبها وبهتانها بعد عدة أيام من قتلها ، وأنها كانت لعبة مدبرة من شخص قذر كان يرغب في الزواج منها قبل أبي ، لكن عقول أهل الصعيد الغاشمة لم تتريث ولم تتروى  للتحقق ، وبادرت إلى غسل العار كما كنت أسمعهم يرددونها في ذلك الوقت ولم أفهم معناها ، فقدت مصدر الحنان الوحيد في حياتي وأنا في مجتمع لا يعرف سوى لغة الدماء ، وكرهت الرجال وحتى نفسي كرهتها ، أنظر إليهم كوحوش كاسرة في أسلوب تعاملهم مع المرأة ، ظلت المرارة عالقة في حلقي حتى كبرت وصورة أمي ونظرات عينيها المتوسلة وهي في لحظاتها الأخيرة لا تترك أحلامي ، مات أبي لكنني انتقمت من كل الذين اشتركوا في إزهاق روحها  ، وقررت بعدها أن أكون نصيراً للمرأة ، والسيف على عنق كل رجل يظلمها مهما كانت درجة الظلم ، لا تظنوا أن ما فعلته مع أزواجكن هو الإنتقام الأول ، عقوباتي التي وقعتها على هذا الصنف من الرجال لا تعد ولا تحصى ، دبرتها جميعاً بإحكام ، بحيث لا أترك خلفي هفوة واحدة يصلوا منها إلى الفاعل ، لن أطيل عليكن في شرح كيف نفذت حكمي علي أزواجكن وسأختصر الحديث في واقعتين الأولى  وهي القس الذي أشير إليه في الصحف على أنه قاتل ( مجدي حنا ) زوج السيدة ( ت . د ) ، هذا القس لم يكن سوى أنا بعد أن تنكرت ، وكانت هذه أفضل وسيلة للدخول إلى منزل مجدي حنا دون أن أثير شكوكه ، فهو سيظن أنني أتيت لأصلح بينه وبين زوجته ، وبعد أن نفذت مهمتي بدلت ثياب القس بثيابي التي كنت أخفيها في شنطة صغيرة معي وخرجت من العمارة دون أن يشك الحارس في أنني القس الذي صعد منذ فترة قصيرة . أما بالنسبة لزوج السيدة ( ل . ع ) فلم يكن من الصعب أن أوقع زوجته التي كانت خادمة في شباكي واستغلها لتقوم بكل المهمة واعتقد أن العقوبة التي ستواجهها هي جزاء عادل على فعلتها التي انتزعت بها هذا الزوج التافه من زوجته المحترمة .  خططت للباقين بنفس الطريقة وصدقوني لا تأخذكن عليهم شفقة فأمثال هؤلاء هم الشياطين التي نسمع عنها في كتب الأديان . دفع بحقيبة كانت معه إلى السيدة ( ر. ح ) قائلاً بابتسامة : قرأت في رسالتك أن زوجك استولى على كل ثروتك ، وقررت أن أسترجع لك بعضها ، وعلى الأقل ستكون كتعويض عن التهمة الحقيرة التي ألصقها بك، وأعتقد أنه من حقك أن تطلبي أن تكون لك حضانة الأطفال الآن . نهض ولا تزال الإبتسامة على وجهه مستأذناً في الإنصراف ، حاولن استدراجه لمعرفة أي شيء عنه فحتى اسمه الذي كانت تناديه به السيدة ( س . ن ) لم يكن اسمه الحقيقي وعندما سألته كيف يمكنهن الإلتقاء به ثانية قال وهو يبتعد مودعاً وابتسامة اختلطت مع مرارة ملامحه.
_ سنتقابل على الفيس بوك .
تمت ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛
**********************
أقرأ في صوت العروبة إعتباراً من العدد القادم  رواية الكاتب إدوارد فيلبس جرجس التي تنشر لأول مرة على حلقات متتالية .
الراهب
الصراع بين الشر والخير ، الخطيئة والتوبة ، زهد الناسك وشهوات الدنيا ، لمن سيكون الفوز ؟؟؟؟؟ .