ما اعظم العفو عند المقدره

 

الرابط : اراء حرة :
طلال قديح   * الرياض :
عرف العرب منذ القدم بأكرم الخلال وأشرف الخلال وأنبل السجايا، حتى إنهم كانوا بها يتميزون ، وفيها يتفاخرون ، وعليها يتنافسون.. كانت هي عدتهم وعتادهم ، وزادهم الذي به يقتاتون  وعليه يصادقون ويعادون..لا يرضون به بديلاً.. ولا يحيدون عنه سبيلا..
حُقّ للعرب أن يباهوا بأخلاقهم كل الأمم.. هذا ما شهد لهم به الله سبحانه وتعالى فاختار منهم خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً بن عبدالله عليه الصلاة والسلام ليدعو الناس إلى الإسلام .. ومحمد من قريش وقريش في الذروة من قبائل العرب شرفا وحسبا ونسبا..ومحمد في القمة من قريش شرفا وحسبا ونسبا.. وكفاه صلى الله عليه وسلم أن يزكيه ربه بقوله ” وإنك لعلى خلق عظيم “..
كان العفو عند المقدرة من أجلّ الأخلاق التي عرف بها العرب .. وجاء الإسلام ليحث عليها ويدعو المسلمين للتمسك بها لأن فيها صلاح الدين والدنيا، وبها يتحقق الأمن والأمان و تتوطد السعادة ويسود السلام. ولنا في موقف رسولنا محمد حين دخل مكة فاتحا، بعد أن هاجر منها فرارا بدينه من أذى قريش.. لم يبطش ولم يؤذ أحدا بل كظم غيظه وجمع قريشا ليقول لهم : ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا: خيراً ، أخ كريم وابن أخ كريم. قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء.  وهكذا طويت صفحة لتفتح صفحة جديدة  تؤلف بين القلوب وتعمق المحبة والوئام بين سائر الأنام.
وهكذا ضرب رسول الله أعظم أمثلة العفو والصفح ليكون قدوة للناس في كل زمان ومكان.. وظل العرب عبر تاريخهم حريصين على التمسك بفضيلة العفو حتى سمعنا بنماذج مؤثرة ورأينا مواقف عظيمة لرجال عظماء يكظمون الغيظ ، ويترفعون عن الضغينة ، ويسمون بأنفسهم عن الأحقاد مهما كانت، امتثالا لقوله تعالى: “خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين”، و “فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين “, ” وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ”
ما أعظم العفو عند المقدرة ! فهو أوقع في النفس وأكثر تأثيرا واستدرارا للعاطفة..  بالأمس القريب طالعتنا الصحف بنبأ عظيم ملأ النفوس سعادة وسرورا وأثبت أن الدنيا مازالت بخير وأن كثيرا من الناس جبلت نفوسهم على حب الخير حتى أصبح يسري في عروقهم مسرى الدم. هذا النبأ وصل حدا من الشهامة والمروءة والعفو لا يجارى ولا يبارى .. أن يعفو أب  مكلوم حزين لفقد فلذة كبده عن القاتل الذي كان ينتظر ساعة القصاص فيقتاد إلى المشنقة ..!!  لكن هذا الأب العظيم أبى إلا أن يعفو قادرا ليضرب بذلك أروع الأمثلة في الصفح فينقذ نفسا من هلاك محقق وموت أكيد وفق حكم عادل بالقصاص. ولم يكتف بذلك بل مضى قدماً في مغالبة العاطفة الأبوية والترفع عن الأحقاد..وذهب إلى السجن ليبلغ بنفسه الجاني ويخبره بقراره العفو عنه لوجه الله تعالى محتسبا الأجر والثواب من الله وحده وكفى به حسيباً.مشترطا عليه أن يحفظ القرآن الكريم كاملا.
كانت لحظة مؤثرة حقا.. يعانق كل منهما الآخر مع البكاء والدموع يشاركهما الحضور فتنهمر الدموع من عيونهم..وهل هناك موقف أكثر تأثيراً من هذا الموقف !  جزى الله هذا الأب العظيم خير الجزاء ، وأجزل له العطاء ..إنه سيبقى مثلا يحتذى في الصفح والعفو.. فلله دره ما أكرمه ! وهل هناك كرم أفضل من هذا؟!
وسرعان ما سمعنا أن سيدة فاضلة عفت عن قاتل ابنها بلا مقابل بل  رفضت مبلغا ماديا طائلا وبيتا مؤثثا .. أرادت أن يكون ذلك احتسابا لوجه الله سبحانه وتعالى.. وهكذا يتسابق الناس في فعل المكرمات والحرص على المروءات لا فرق فيها بين الرجال والنساء فهم فيها سواء، انطلاقا من قوله سبحانه وتعالى:”ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم”.
وبهذه الأخلاق السامية تصلح المجتمعات ويعيش الناس في أمن وسلام.
•كاتب ومفكر فلسطيني