الرابط : القصة :
رواية للكـاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك :
وسط ذهول القاضي جورج ومن معه ، رفع قاضي محكمة الأشباح المطرقة وهوى بها فوق المنضدة الخشبية ليصدر حكمه على المتهمين الخمسة في قضية سرقة البنك قائلاً : حكمت المحكمة على المتهمين الخمسة بعد اعترافهم بجريمتهم بالسجن خمس سنوات لكل منهم . نظر القاضي جورج نحو بات مندهشاً ورفع يده وهوى بها فوق الأرض الخشبية محدثا فرقعة شديدة صائحاً ، ليس أقل من خمسة عشر عاماً أيها الأحمق ، انزعجت هيئة المحكمة المكونة من الأشباح فهوى القاضي بمطرقته فوق المنضدة محدثا دويا ارتجت له القاعة ، تدافع الجميع بعد أن عادوا إلى صورة ديوك سوداء مسرعين من خلال باب القاعة للداخل ، والمتهمون الخمسة يهرلون خلفهم ، ويبدو أن القاضي جورج كان لا يزال مندمجاً بحكم وظيفته ، ظل ينظر إليهم جميعا بعد أن أضاءت بات القاعة بسرعة وهو يردد: قاض أحمق لا يعرف مواد القانون ، لكن عندما وجدهم جميعا يضحكون نظر إليهم ووجهه يجمع بين الضحكة والحيرة قائلاً : لست أدري هل أنا مستيقظ أم في حلم ، وهل ما رأيته في قاعة المحكمة الآن حدث بالفعل أم أنه محض خيال ، حتى الآن غير مستوعب لحقيقة ما حدث وأشعر بإحساس بأنني لا زلت أرقد في فراشي وما رأيته لم يكن سوى حلم ، ثم ابتسم مستطردا : قد أكون أثرت دهشتكم عندما أعلنت عن نيتي في حضور التجربة معكم ، لكن الآن تأكدت أن التوفيق حالفني في اتخاذ هذه الخطوة ، وتيقنت من أن فرانك بريء تماماً من هذه التهمة ، فمنذ أسبوع طلبت من مدير البنك الذي وقعت به السرقة أن يطلعني على سجل البنك وقرأته ووجدت فيه حادثة سطو على البنك حدثت منذ حوالي مائة وعشرين عاما وصارت بنفس الأسلوب الذي تمت به هذه العملية عدا اختلاف واحد ، أن من قام بها الآن هم أشباح اللصوص الحقيقيين الذين قاموا بها في ذلك الوقت ، وبعد الذي شاهدته هذه الليلة ليس أمامي سوى الاعتراف بأن هناك عالم غامض لا نعلم عنه شيئا .
********
انعقدت المحكمة في موعدها المحدد ، لكن هذه المرة كانت محكمة حقيقية برئاسة القاضي جورج ، لم يتمالك نفسه وأطلق ضحكة وهو يطالع وجوه الذين كانوا معه ليلة المحاكمة التي انعقدت بواسطة الأشباح ، لم يستمر النظر في قضية فرانك لأكثر من عشر دقائق نطق بعدها القاضي ببراءته من التهمة المنسوبة إليه وحفظ التحقيق . لم يشأ القاضي توضيح أسباب الحكم حتى لا تكثر الشائعات وقد يتخذها البعض فرصة لارتكاب جريمة ويلصقها الدفاع بالأشباح ، لكن هذا الحكم لم ترتح له جيسكا جارة فرانك فخرجت من المحكمة وهي تقول كيف لم يأخذ هذا القاضي المخبول بشهادتي . كانت بات هىّ أول من استقبل فرانك وهي تهمس في أذنه بأنه آن الأوان لكي ترتدي فستان الزفاف ، نظر إليها فرانك وقال مازحاً : هل تظنين ذلك ثم أردف ومظاهر الجد على وجهه ، أنني في اشتياق لهذا اليوم لكن أولا يجب أن أنتهي من تحقيق ما يدور برأسي . نظرت إليه بات وقد تملكها الخوف والجزع قائلة بصوت ترتعش أطرافه :
_لا تقل لي أنه شئ متعلق بالأشباح .
قال فرانك مبتسماً وهو يحيطها بذراعه :
_ بل وكر الأشباح فلن يهدأ لي بال إلا إذا شاهدت القصر المهجور الذي أخبرنا عنه تومي . ******
تمكن فرانك وبات من الوصول إلى القصر المهجور بعد أن استفسرا عن الطريق إليه من العاملين بالمزرعة ، ما شاهداه لم يكن قصراً بالمعنى المفهوم ، لم يكن أكثر من حطام لقصر امتد لمساحة كبيرة وقد أحاطت به من كل جوانبه مساحة شاسعة ، كان القصر أو حطامه يشرف على المياه من إحدى جهاته مما ساعد على تقويض دعائمه فانكفأ للأمام فبدا كما لو كان على وشك الانهيار ، أمسكت بات بيد فرانك وهو يقودها للداخل وفور اجتيازهما للعتبة الخارجية زكمت أنفيهما رائحة كريهة ، كان داخله يدخل الخوف والرعب إلى أكثر القلوب جرأة ، فلقد تناثرت الأطلال واعتلتهاالعناكب العملاقة المخيفة الشكل ، تبدو وكأنها على استعداد للإنقضاض ، أكوام من الأثاث المحطم ملقاة في كل أرجائه ، تحول إلى مسكن للجرزان وحيوانات أخرى تخرج لتنظر إلى المتطفلين اللذين اقتحما عليهما المكان ، ثم سرعان ما تختفي ، تضخم الرعب داخل بات بعد أن انزلقت قدمها وكادت أن تهوي إلى الطابق الأرضي بعد أن تهشمت الألواح الخشبية تحت قدميها وقد أحالها الزمن ومياه الأمطار إلى هشاشة لا تصمد تحت أي ثقل لولا أنها تشبثت بذراع فرانك . دفع فرانك بقدمه أحد الأبواب المغلقة ففُتح بسهولة ، لم يعرف سببا لهذا الكم الهائل من القوارير الزجاجية الصغيرة التي وضعت متراصة بجوار بعضها ، البعض منزوع السدادة والبعض لا يزال مغلقاً ، امتدت يد فرانك لتمسك بإحداها يدفعه الفضول لمعرفة محتوياتها ، سارعت بات وأمسكت يده محذرة ألا يفعل ، جذبته إلى خارج الغرفة وهي ترجوه أن يكون حريصاً في التعامل مع أي شيء يجده .لاحظ فرانك أن الرائحة الكريهة تزداد كلما اقتربا من الطابق العلوي ، أصر على الصعود بالرغم من توسلات بات وجزعها ، وأمام إصراره رافقته لأنها تعلم كم الفضول الذي يحكمه للوصول إلى حقيقة هذه الأشباح ، تملكتهما الدهشة وهما يجدان غرفاً بأكملها ممتلئة بقوارير مثل التي شاهداها بالغرفة السفلية ، وبالرغم من الحالة المتهالكة التي كان عليها هذا الطابق والتي توحي بأنه على وشك الانهيار في أية لحظة ، أصر فرانك أن يتفحصه بالكامل لكنه أصر أن تنتظره بات في مكانها ، رأته وهو يخرج من إحدى الغرف وبيده كتاب بُليت أوراقه بفعل الزمن ، وعندما خرج من الغرفة الأخيرة كان يضع على أنفه منديلا والتقزز يكسو وجهه ممسكاً ببعض الأوراق بيده التي بها الكتاب ، أومأ برأسه لها بما يعني أنهما يجب أن يغادرا المكان ، وعندما أصبحا في الهواء الطلق رفع المنديل وهو يستنشق نفساً طويلاً ثم يطلقه ثانية ونظر إلى بات قائلا:
أرجو أن تتماسكي فلدىَّ من الأخبار ما سيدهشك ويحزنك ، نظرت إليه بات وهي تمد يدها بتلقائية لتمسك بذراعه وكأنها تحتمي به ، هدأ من روعها وهو يقول بأنه ليس هناك ما يخيف لكنه للأسف عثر في الغرفة الأخيرة على جثة العامل تومي عارية وقد مُثل بها تمثيلاً شديداً ولم يسلم جزء منها ، ولولا ملابسه التي وجدها ملقاة بجانبه وأوراقه التي عثر عليها ما كان تمكن من التعرف عليه ، وعلق قائلاً أنه لا يدري إن كان الفضول دفع تومي للحضور إلى هنا بعد أن وجد منا اهتماماً بالموضوع أملاً في أن يعثر على مزيد من المعلومات طمعاً في مكافأة ، أم أن الأشباح هي التي أحضرته وانتقمت منه عقاباً على ثرثرته عنها . أسرعت بات من خطواتها وهي ترجوه أن يغادرا المكان فورا ، كانت صدمتهما أشد عندما اقتربا من السيارة وشاهدا إطاراتها الأربعة وقد أُفرِغت من الهواء واستحالة التحرك بها ، لعب الفزع دوره فقد يكون هذا مقدمة لمنعهما من الفرار ثم الإنتقام منهما بنفس الطريقة التي لاقى بها تومي مصرعه ، لف فرانك ذراعه حول كتفي بات ليقلل من انتفاضة جسدها وهو يدفعها قائلا: هيا بنا سريعاً قبل أن يحل الظلام ، وتتاح لهم فرصة الإنتقام، كان عليهما أن يقطعا خمسة أميال قبل أن يصلا إلى الطريق ، ابتدأ الظلام يحط مع رجفات قلبيهما وانتظرا أملاً في أن يرسل أليهما الحظ سيارة عابرة
******
لم تصدق بات أنها في غرفتها مع فرانك بعد هذا اليوم المفزع ، كان فرانك جالساً على المقعد وهو يقلب صفحات الكتاب القديم الذي وجده بالمنزل المهجور وقد تهرأت صفحاته ، لم يفهم من كلماته شيئا لأنها مكتوبة بلغة غريبة ، لكن استرعى نظره إحدى الصفحات كانت مكتوبة بلغة فرنسية ، سلمه لبات التي كانت تعلمت الفرنسية في المدرسة وطلب منها أن تقرأها ، تمكنت بات من قراءتها بعد أن استعانت بنظارتها وكان المكتوب :
أنا العبد لله عثمان المغربي ، أُحذر كل من يدخل إلى هذا المكان من أن يزيل أي سدادة لقارورة مغلقة وإلا فليتحمل عاقبة فعلته ، هذه القوارير تسكنها أرواح شريرة كنت قد استحضرتها لمن كانوا يقصدونني لمساعدتهم في الانتقام من أعداء لهم ، وأحيانا كانت تصاحبهم أرواح أخرى غير شريرة تبدو وكأنها هائمة ، وفي أغلب الأحيان كنت أعجز عن صرف الأرواح سواء الشريرة أو غير الشريرة فكنت أسجنها في هذه القوارير وأحكم السدادة عليها وكل من .. لم تستطع بات قراءة أي كلمة أخرى لأن الكتابة طمست بفعل الزمن . نظرت بات إلى فرانك وهي تضع الكتاب جانبا وتقول :
_ لكن ألم تلاحظ وجود قوارير كثيرة منزوعة السدادة.
_ نعم هذه القوارير هي التي خرجت منها الأشباح لتسكن أول شيء قابلها وهو بيض المزرعة لتنطلق إلى عالمنا ، وعلى ما أعتقد أن السدادات الآن تُنتزع بفعل العوامل الجوية من حرارة وبرودة وضغط فتقفز السدادة من تلقاء نفسها ، ويصبح ما بها من أشباح حرا طليقا وهذه الظاهرة تحدث يوميا ، وإلا بماذا تفسري قتل العامل تومي والإطارات التي أُفرغت من الهواء لسيارتنا ، ثم نظر نحوها مبتسماً وهو يقول : ألا تذكرك هذه الكلمات بشيء ، ضحكت بات معلقة وهي تقترب منه ، أحداث الأيام الماضية طمست من رأسي أي أمل أن تفكر وتتذكر ، قال فرانك ضاحكاً : هذا الرجل الذي يقول عن نفسه العبد لله عثمان المغربي هو الرجل الذي شاهدناه في القاعة السفلية و فوق رأسه طربوش مغربي أحمر اللون ، والعملاق يضع على عنقه السكين ، ولولا صرختك التي فزعا لها وتحولا إلى دجاجتين وهربا ، كان يمكن أن يقتله العملاق ولست أدري كيف سيكون الموقف بعد أن يذبحه ، هل ستظل جثته على نفس صورة الرجل المغربي وكنا واجهنا اتهاماً بجريمة قتل ، أم كان سيتحول إلى دجاجة مذبوحة . ثم قال بلهجة تعزف نغمات الحب ، أنا الآن لا أدري سوى أننا معاً بعد كل هذه الحوادث ، مد يده وبحركة سريعة جذبها لتجلس فوق ركبتيه وهو يقول دعينا ننسي ما حدث تماما لنتفرغ للإعداد لحفل زفافنا ، لكنها قالت وهي تسير بإصبعها على ملامح وجهه وماذا ستفعل بخصوص منزلك الملئ بالأشباح ، ابتسم قائلا : حتى هذا لم يعد به مشكلة فلقد واتتني فكرة مدهشة ، فمن الملاحظ أن البيض الذي كان يوضع بالمبردات كانت الأشباح تختفي منه وهذا يعني أن البرودة الشديدة هي السبب ، وفكرتي تتلخص في أنني أغلق كل منافذ المنزل غلقا محكما وأدع مبردات الهواء داخله تعمل بأقصى قوة لها لمدة أسبوع فتنخفض درجة الحرارة بشدة ويصبح الجو بالداخل كجو المبرد ، وبالقطع ستأتي درجة الحرارة المنخفضة ثمارها وتقضي على أية أشباح بداخله كما قضت الثلاجة على الأشباح داخل البيض ، أحاطته بات بذراعيها وهي تقبله قائلة .. وليكن احتفالنا هناك على ضوء الشمعدان الذي تركته الأميرة .. تصاعدت ضحكاتهم الممزوجة بالسعادة معاً .
علق فرانك مازحاً وهو يقتنص شفتيها بين شفتيه في قبلة طويلة :
_ لكن من أين أحضر العبد الأسود الذي كان يحرس لهما الباب ؟
كان مجرد خبر بإحدى الصحف عن إزالة قصر مهجور في ولاية بنسلفانيا على أن يُنشأ مكانه أحد الفنادق الكبرى.
تمت؛
————————
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف :
edwardgirges@yahoo.com






آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

