لك الله يا دمشق

الرابط : فضاءات عربية :
طلال قديح  * الرياض :
أمر محيّر حقاً ، أن تتعرض سوريا قلب العروبة النابض ، ومهد الخلافة الإسلامية العظيمة..إلى هذه الهجمة الشرسة ، والعدوان الظالم ، وتصعيد القتل والتدمير حتى لم يسلم منه أحد.. دفع الجميع ثمنا باهظا من دمائهم ودماء أبنائهم حتى تضمخت بها السهول والجبال ولونت ماء بردى ، هذا النهر الذي طالما تغنى به الشعراء  ونظموا فيه غرر القصائد..!!
لله أنت يا شام ، يا أرض المحبة والسلام ، ويا منجبة الأبطال الكرام الذين ظلوا شامة في وجه الزمان وسطروا بدمائهم ملاحم العزة والشموخ تتغنى بها الأجيال في كل آن.
لولا دمشقُ لما كانت طليطلةٌ    ولا زهت ببني العباس بغدانُ
الشام جنة الله في أرضه.. جبال شماء ، وبساتين بهية غنّاء ،وحدائق خضراء ، وأراض خصبة معطاء، ومياه عذبة تتدفق في صفاء..!!
آمنتُ بالله واستثنيتُ جنته    دمشق روحٌ وجناتٌ وريحانُ
أمر يثير الدهشة والاستغراب أن تتحوّل سوريا إلى ساحة صراع بين مجموعات لتصفية حسابات وفق أجندات همها الأول والأخير مصالحها الخاصة أما ماعدا ذلك فليذهب إلى الجحيم..إن أبعاد المؤامرة التي تحاك ضد الشام تتضح شيئا فشيئا مع إماطة اللثام عن وجهها القبيح..!!
إن الأمور تزداد تعقيداً ويوما بعد يوم يكثر المشاركون في المعركة وتبدو النوايا على حقيقتها وينكشف المستور..إن الأعداء لا يريدون للعرب أن يعيشوا في أمن وسلام فيتفرغوا للبناء والإعمار لأن هذا من شأنه أن يقف حجر عثرة في وجه أطماعهم ومخططاتهم الخبيثة.. فلا مكان لهم بوجود أمة عربية واحدة قوية من المحيط إلى الخليج بهذا الموقع الاستراتيجي الهام وهذه الثروات الهائلة التي يسيل لها لعاب الأعداء ..
دأب الأعداء على إثارة الفتن وزرع الأحقاد وتأجيج نار الطائفية في الوطن العربي حتى انقسم الإخوة وأوغلوا في المذهبية والحزبية..
لقد فرقت نار المذاهب شملنا   وقد أودعتنا  بين نار ومنسم
وهكذا ضعف  صدق الانتماء للوطن والغيرة عليه وتقديمه على كل ما عداه..أين نحن الآن من ذلك الجيل الوطني الصادق المخلص؟! ..رحم الله الشاعر علي الجارم الذي صور بصدق ما كان عليه أولئك الرجال العظام:
تذوب حشاشات العواصم حسرة   إذا دميت من كف بغداد أصبع
ولو صدعت في سفح لبنان صخرة    لدكّ ذرا الأهرام هذا التصدع
ولو بردى أنّت لخطب مياهه
لسالت بوادي النيل للنيل أدمع
ولو مس رضوى عاصفُ الريح مرة    لباتت لها أكبادنا تتقطّع
أولئك أبناء العروبة ما لهم   من الفضل منأى أو عن المجد منزع
وكان العرب على الرغم من الاستعمار الغربي البغيض الذي كان يجثم على صدورهم ويحصي أنفاسهم إلا أنهم كانوا يتقاسمون السراء والضراء.. وهاهو الأخطل الصغير الشاعر اللبناني يصرخ ألما لموت  الزعيم المصري سعد زغلول:
قالوا دهت مصر دهياء فقلت لهم:   هل غيض النيلُ أم زلزل الهرمُ ؟!
قالوا: أشد وأنكى ، قلت: ويحكم إذن   لقد مات سعد وانطوى العلم !
أما نقولا فياض فيعتز بعروبته أيّما اعتزاز:
الشرق شرقي أين صارت شمسه؟    ودم العروبة في دمي وعظامي
سجلت في متنيه نصرانيتي       وكتبت فوق سطوره إسلامي
إن عالمنا العربي يعيش مرحلة صعبة تكاد تكون هي الأخطر في تاريخه..الأعاصير والعواصف تعصف به من كل جانب ..هناك اقتتال وانقسامات وثورات واضطرابات لا تهدأ أبدا..فقد أراد الأعداء لهذه الأمة شرا مستطيرا قد يأتي على كل شيء ويحرق الأخضر واليابس..
يا عرب : أفيقوا ، أفيقوا .. فكلنا في الهمّ عرب.. الأمر جد خطير يحتاج إلى جهودنا جميعا فلنوحد صفوفنا ولنكن يدا واحدة وصفا واحدا في مواجهة أعدائنا ..ولا تركنوا إلى ما يزينه الأعداء ، فالعدو هو هو وإن لان كلامه.. يتحين الفرص للانقضاض عليكم..
وإذا رأيت نيوب الليث بارزة    فلا تظنن أن الليث يبتسم
العدو متلون وفق مصالحه:
له وجه بعدما ضاع وجهه  فلم ندر منها أي وجه نصدّقُ !!
رعاك الله يا شام وحفظك من كل ما يحاك ضدك من دسائس ومؤامرات.. وعشت وطنا عزيزا أبيا لكل العرب الشرفاء..
•كاتب ومفكر فلسطيني