بيض تسكنه الاشباح (7)

الرابط : القصة :
رواية للكـاتب: إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك :
استقر رأي فرانك وبات على أن يتخليا عن فكرة إثبات وجود الأشباح في عالمنا الحديث ، قررا أن يغلقا هذا الموضوع نهائياً ، وأن يتفرغا للإعداد لزواجهما ، وأول خطوة أن يبيع فرانك منزله المملوء بالأشباح ، ويشتري منزلاً جديداً ، أعترف لبات بأن خيبة الأمل والشعور بالإحباط لا يزالا يلازمانه أزاء الفشل الذي صادفه في اثبات حقيقة وجود الأشباح ، وقبل أن تجيبه سمعا طرقات على الباب الخارجي للمنزل ، لم يكن الطارق سوى بعض رجال الشرطة بينهم واحد من الذين كانوا يعملون مع فرانك ، تقدم وهو يبدو عليه الحرج محاولاً أن يخفف من وقع  كلماته :
_ فرانك أنني آسف .. أعتقد أنك علمت بالسطو الذي تم على البنك ، لقد حضرت إلينا صباح أمس جارة لك تدعى جيسكا ومعها سبيكة ذهبية قالت أنها وجدتها أمام باب منزلك الخلفي ، وأيضا أفادت بأنها رأت في حوالي الساعة الرابعة صباحا بعض الرجال يدخلون إلى منزلك من نفس هذا الباب ، وللأسف اتضح أن هذه السبيكة من نوع السبائك المختفية من البنك ، ولقد وُكل إلينا مهمة تفتيش منزلك ولو أننا نعلم مسبقاً أنه لا بد أن يكون هناك خطأ .
تبادل فرانك النظر مع بات وقد داخلهما إحساس بأن كارثة على وشك الوقوع ، قال فرانك لزميله مبتسما ليخفف من الشعور بالحرج:
_ تفضل أيها الزميل فأنت لست سوى منفذ للقانون وما عليك سوى أن تقوم بمهمتك وأنت في كامل الإرتياح  . أفسح الطريق ليقوم زملاؤه بالتفتيش الذي لم يظهر وجود أي شئ ، لكن في الطابق السفلي كانت المفاجأة التي كادت أن تخرج فرانك وبات عن وعيهما ، صناديق من الكرتون مكدسة فوق بعضها بكمية كبيرة ، وعندما فتح إحداها كان ممتلئاً تماما بالسبائك الذهبية وهذا ما احتوته باقي الصناديق أيضا ً، بدت على أوجه رجال الشرطة دهشة ممزوجة بعدم الفهم ، عندما تبادل فرانك وبات النظرات وهما يضحكان ضحكة هستيرية أشبه بالبكاء ، كادت بات أن تطلق صرخة ممتلئة بالألم وهي تردد بكلمات أشبه بالهذيان بالنسبة لرجال الشرطة قائلة وهي تتعلق بفرانك وكأنها على وشك السقوط : يبدو أننا لن نستطيع الهرب من هذا القدر الذي يصر أن يلاحقنا.
********
ضاعت المجهودات التي بذلتها بات لإثبات أن فرانك ليس ضالعاً بالسطو على البنك بما حاولته من إقناع المحققين بأمر الأشباح ، القصة كانت بالنسبة لهم كما لو كانت قصة خرافية ، بالرغم من تقدم الكثيرون للإدلاء بأقوالهم التى تعضد أقوالها ، وبادر جونسون فور سماعه بخبر الاتهام الذي وُجه لفرانك بالذهاب للمحققين وإخبارهم بزيارة فرانك وبات عندما ذهبا إليه في مكتبه ، وحديثهما عن بيض ودجاج وختم حديثه قائلا وإن كنت حتى الآن لا أفهم شيئا لكن فقط أردت أن أوضح بأن هناك شيئاً غريباً قد يكون حدث لهما بالفعل ، ولم يشفع أيضا ما قاله ذاكراً عندما ذهب إليه فرانك مُجهداً وهو يسأله عن الأشباح ، أما جولي فلقد كانت توشك أن تمسك بتلابيب المحقق الذي كان ينظر إليها بنظرة باردة  ، وهي تخبره عن البيض الذي اختفي من العلبة ، وعن الدجاجات التي شاهدتها جارتها ، وعن الرجل الذي شاهده جونسون وهو يتسلل من منزله ، لكن المحقق كان يبدو وكأنه يستمع لمريضة بالجنون. فشل  أخاه جاك في العثور على العامل تومي وإحضاره للإستماع إليه كشاهد على الظاهرة العجيبة لتحول البيض إلى دجاج ،  لكنهم أخبروه في مكان عمله بأنه أنقطع عن العمل منذ أسبوع دون سابق إنذار. لم يكن هناك سبيل أمام المحققين سوى تحويل فرانك للمحاكمة .

********
تحدد اليوم الثالث من شهر يونيو للنظر في قضية السطو على البنك وكان المتهم الوحيد فيها هو فرانك ، لم يستطع رجال الشرطة رغم المجهود المضني الذي بذلوه للتوصل إلى أي أطراف أخرى قد تكون اشتركت في الجريمة ، أصر فرانك على براءته من هذه التهمه بالرغم من وجود المسروقات بالكامل في منزله ، وما أثار حيرة الشرطة هو تأكدهم من أن هذه العملية لا يمكن لشخص بمفرده القيام بها. حل يوم المحاكمة في أولى جلساتها وكانت القاعة مزدحمة بكل أقرباء فرانك ومعارفه وهم متأكدون بأنه لا يمكن أن يقدم على عمل كهذا ، وارتدت بات ملابس الشرطة ووقفت بجانبه وكأنها تتحدى الجميع ببراءته ، ساد الصمت بدخول القاضي جورج إلى قاعة المحكمة ومعه مساعدوه ونودي على فرانك وسأله القاضي:
_فرانك أنت متهم بالقيام بالسطو أو الاشتراك في السطو على البنك ولقد ثبت هذا بعد ضبط المسروقات بمنزلك.. فهل أنت مذنب أم غير مذنب ؟
أجاب فرانك بثقة تامة :
_ غير مذنب.
نظر القاضي نحو ممثل الاتهام وطلب منه أن يتقدم لو كان هناك ما يريد أن يوضحه للمحكمة .
وقف ممثل الاتهام وهو يطوف ببصره في القاعة الغاصة بالحضور وانتهت نظراته المسرحية حيث يقف فرانك وقال محاولاً أن ينتهي من مهمته في قضية سهلة وواضحة أمامه :
لا أريد الإطالة على هيئة المحكمة فنحن إزاء قضية سطو واضحة ، فالمضبوطات التي وجدت بمنزل المتهم تتطابق تماما مع البيان الذي قدمه البنك بعد أن قام بإحصاء المفقود من السبائك الذهبية والأوراق المالية ، وإذا أضفنا إلى هذه المضبوطات السبيكة الذهبية التي عثرت عليها الشاهدة جيسكا أمام الباب الخلفي لمنزل المتهم ، وكذلك أقوالها في محضر التحقيق عن مشاهدتها لبعض الرجال يتسللون إلى داخل منزله في وقت متقارب للوقت الذي تمت فيه عملية السطو، علاوة على عجز المتهم عن إثبات وجوده بعيدا عن مكان الجريمة ،  تصبح القضية واضحة ، ومن الأفضل أن يعترف المتهم على شركائه فقد يكون هذا باعثا لتخفيف الحكم الذي أطالب أن يكون قاسياً  وخاصة أن المتهم كان من رجال الشرطة إلى وقت قريب  .

******
بالرغم من أن جاك كان يعمل بالمحاماة لكن والد فرانك أصر على توكيل محام آخر مشهور بقبوله للقضايا الغريبة للدفاع عن ابنه ، لكنه عندما أطلع على ملف التحقيق علق قائلا : أنها أغرب قضية قاّبلتهُ ولولا صداقته لجاك ومعرفته الشخصية لفرانك لتردد في قبولها ، وعندما أومأ إليه القاضي أن يتقدم بدفاعه نهض وسار إلى أن أصبح قريبا من فرانك ونظر إليه بوجه عابس قائلاً :
_لا تظن أني جئت إلى هنا لأثبت براءتك ، لكن لكي أضم صوتي لممثل الاتهام في توجيه تهمة السطو على البنك إليك باشتراكك مع أشباح غير منظورة تمكنت بطريقة ما من الاتفاق معهم ، فهل يمكن أن توضح لنا جميعا كيف تم اللقاء بينك وبين هذه الأشباح . نهض ممثل الاتهام معترضاً بعد أن فطن أن المحامى يريد أن يزج بما جاء في أقوال البعض عن أشباح تسكن بمنزل فرانك ، وقبل القاضي اعتراضه فعاد المحامي ليواجه القاضي بعد أن نجح في لفت النظر بأنه شخصياً يؤمن بحدوث مثل هذه الظواهر ووجه حديثه إلى القاضي :
سيدي الرئيس .. إنني أعلم أن موكلي في موقف لا يحسد عليه بسبب المسروقات التي ضبطت مخبأة في منزله وبشهادة الشاهدة جيسكا ، لكن في المقابل وحتى يكون الاتهام صحيحا يجب أن نسأل أنفسنا الأسئلة التالية  :
أولا: هل يمكن لشخص واحد أن يقوم بالسطو على بنك كبير بمفرده ، وإذا كان هذا تم بوجود شركاء فأين هم هؤلاء الشركاء الذين لم يبدو لهم أي أثر بالرغم من جهود الشرطة للعثور عليهم ؟
ثانيا : إن موكلي كان يعمل بالشرطة لوقت قريب فهل هو من البلاهة بحيث يأتي بدليل إدانته إلى منزله وخاصة إذا كان هذا الدليل ملفتا للنظر لكبر حجمه ؟
ثالثا: كيف يتم تفسير عدم وجود أي عنف في أبواب ونوافذ البنك وكذلك في الطريقة التي تم بها فتح الخزائن ؟
رابعا : أنني أعلم أن الأدلة هي سيدة القانون لكن يجب أن نقف عند ما جاء بأقوال بعض الشهود على حدوث ظواهر غير عادية في الفترة الأخيرة وخاصة لوجود أكثر من مصدر لهذه الأقوال ، وأني أعتقد أنه لا يمكن أن يتواطأ الجميع مع موكلي ، وخاصة ما جاء على لسان صديقته التي ستصبح زوجته وهي تعمل بالشرطة ، فلست أظن  أنها تغامر بمستقبلها بأقوال لم تتأكد منها . توقف المحامي فجأة عن الكلام وكأنه تذكر شيئا ، اقترب من منصة القاضي وفجأة وضع أمام القاضي علبة من الثقاب وعاد إلى الخلف وهو يشير إلي العلبة موجها حديثه للقاضي:
لو افترضنا اختفاء هذه العلبة من أمام سيادتكم الآن ودون أن تمسسها يد بماذا يفسر سيدي القاضي اختفائها ، ضحك القاضي جورج ومساعدوه قائلا سأوجه لك الاتهام بأنك تقوم بأعمال السحر ، كانت هذه الإجابة كافية لأن يعود المحامي مقتربا من القاضي قائلاً :
شكراً سيدي القاضي على صراحتك فإجابتك تدل علي إيمانكم بأن هناك أعمال يمكن أن تتم بقوي غير منظورة ، وهذا ما ألتمسه منكم بإتاحة الفرصة لي  لأثبت للمحكمة كخطوة أولى بأن ما جاء على لسان أكثر من شاهد عن اختفاء البيض من داخل العلب ، والذي يقول موكلي بأن هناك أشباح بداخله حقيقة وليس محض خيال ، وأن هناك فعلاً أشباح تسربت داخل منزل موكلي وهي التي قامت بالسرقة . وجد القاضي جورج نفسه في موقف لا يحسد عليه وأمر بالراحة لبعض الوقت للتشاور مع مساعديه ، وعندما عاد أعلن موافقته على أن تكلف لجنة من الشرطة للمتابعة خطوة بخطوة  وبحضور ممثل الاتهام وحدد ميعاد للجلسة القادمة بعد أسبوعين .
كان قبول المحكمة للعرض الذي تقدم به محامي فرنك يعد سابقة ، فلم يحدث أبدا أن وافقت إحدى المحاكم  على طلب كهذا ، ويبدو أن القاضي أيضا كان يشك في التهمة الموجهة لفرانك وخاصة بعد أن اطلع على سير التحقيق . تم الاتفاق بين الشرطة ومحامي فرانك واخيه جاك على احضار علب البيض . من حسن حظ فرانك أن اليوم التالي كان يوافق يوم الخميس وهو اليوم الذي تحضر فيه السيارة البيض من المزرعة كما أخبرهم العامل تومي قبل اختفائه ، وفي الموعد المحدد تقابل الجميع تقودهم بات وتوجهوا لإحضار البيض ولم تكن السيارة قد وصلت بعد ، لم يطل انتظارهم وفور وقوف السيارة تمكنوا من الحصول على بعض العلب ووضعت داخل صندوق خاص بحوزة أحد رجال الشرطة ، تحرك الموكب وكأنه يحمل شيئا خطيراً متجهين للمبني الذي تقع به المحكمة ، وكان بانتظارهم ممثل الاتهام الذي قام بفحص العلب وتأكد من امتلائها بالبيض ، وتم إيداعها بإحدى الغرف القريبة من قاعة المحكمة لا يوجد بها نوافذ حيث كانت تستخدم لانتظار المتهمين ، وتم إغلاق باب الغرفة من الخارج وحُفظ المفتاح مع ممثل الاتهام ، كما عينت حراسة على باب الغرفة حتى إعادة فتحها في اليوم التالي وبحضور الجميع أيضا . قضت بات ليلتها ساهرة تتحرق شوقاً لقدوم الصباح لترى ما ستكشف عنه العلب ليكون خطوة أولي كما أوضح المحامي لإثبات أن هناك أشياء قد تكون غريبة عن المنطق ولكنها تحدث أحيانا ، لكن للأسف أصابت الدهشة بات وجاك والمحامي وكل من ينتظر براءة فرانك عندما فحصت العلب في اليوم التالي ووجدت أنها كاملة ولم ينقص منها شئ ، تم إثبات ذلك رسميا ، أما فرانك فأنه لم يتمالك نفسه من الثورة وهو يرى الأمل الوحيد يتهاوى صريعاً ، بعد أن كان متأكدا من أن النتيجة ستكون في صالحه ، سارعت بات لتهدئته وأقسمت بأنها لن تتخلى عنه حتى تظهر الحقيقة ، لم يكن سهلاً على محام فرانك وأخيه جاك إقناع القاضي بإعادة التجربة لكنه وافق أخيرا على أن تتخذ نفس الخطوات السابقة لكن بات اقترحت السفر وإحضار البيض من المزرعة مباشرة ، وافق المكلفون من رجال الشرطة بالمهمة من أجل زميلهم السابق فرانك والتقوا في الصباح ليتمكنوا من العودة مبكرا للتمكن من مقابلة ممثل الاتهام .
edwardgirges@yahoo.com
وإلى اللقاء مع الحلقة التالية ؛
حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف ؛