الشيطان يموت مرتين (5)

الرابط: فن وثقافة :
بقلم : وليد رباح – نيوجرسي
***
عولت على ان لا اتحدث لزميلي عما يختزنه عقلي من اخبار للموتى ممن عادوا للحياة .. وفكرت كثيرا بان ابتعد عن الخوض في هذا الموضوع الشائك لعدم عقلانيته .. فلم نسمع ان احدا عاد للحياة بعد موته .. لكني بعد ان بحثت في تلافيف عقلي عن احداث مشابهة يصدقها العقل احيانا ويخالفها احيانا اخرى .. تذكرت ما حدث في الهند لرجلين كان احدهما من عامة الناس وكان الاخر من اكابرها .. وهي قصة او رواية يمكن ان تحدث انقلابا في عقل الانسان اذا ما تمعن فيها .. ربما كانت صادقة .. وربما كانت من خيالات الناس تناقلوها جيلا بعد آخر ..لكنها مسجلة في ادبيات البعض في الهند ويتلقفونها على انها حقيقة واقعة ..
قال صديقي : ما الذي حدث هناك .. اخبرني
قلت : ساخبرك .. لكن عليك ان لا تكثر من الاسئلة .. فما تزال الاحداث التي قرأتها منذ سنوات طويلة غائمة في ذهني .. واحاول ان استجمعها فلا تستعجلني ..
قال : هات ما عندك ؟
قلت : عاش رجل من اكابر الناس في الهند ممن كانوا في مرتبة الامراء .. وقد تجبر وطغى حتى ضج الناس من ظلمه .. ولكنه في النهاية وقع في حب امرأة اراد اتخاذها خليلة فرق قلبه واصبح من اخف خلق الله وزنا روحيا .. لكنه لم يتخل عن ظلم من احبها .. فقد كانت امرأة لرجل فقير من عامة الناس في الهند .. اراد الامير استخلاصها لنفسه فقام باجبارها وزوجها على ان تعمل لديه في قصره ليكون قريبا منها .. وتنبه الزوج المسكين لما يخطط له فقام بالتمنع .. لكنه بعد لاي وجد نفسه في السجن بين جدران اربعة .. واقع تحت ظلم السجان الذي لا يرحم .. ومن هنا بدأت القصة .
ولم يستطع صديقي السكوت فاستعجلني .. قلت : هاجم فرسان الامير بيت المرأة وانتزعوها عنوة من طفلها الرضيع الذي لا يتجاوز الاشهر .. اقتادوها للامير الذي هش لها وبش وجهه عندما رآها قادمة نحوه .. رجته المرأة ان يرحم طفلها الذي تركته في المنزل فقال لها الامير : قد كلفت امرأة في القصر ان تتعهده فلا تقلقي .. ويمكنك رؤيته في الوقت الذي تشائين .. لكنك منذ اليوم ملكي ..
قالت المرأة .. انني امرأة متزوجة .. وقد قبض رجالك على زوجي ولا اعلم اين يحتفظون به .. قال الامير .. انه في امان فلا تقلقي .. ولكني ارجوك ان تنسي امره فانت اليوم ستكونين محظيتي .. لكن المرأة تمنعت .. وفي غمرة الحديث بينهما جاء من يخبره ان زوج المرأة قد حاول قتل الحارس في سجنه .. فغضب غضبا شديدا فقد على اثره وعيه.. لكن الامر الملفت ان الامير بعد استفاقته اخذ يشعر بوخزة في صدره مؤلمة جدا .. وعلم من الحراس ان زوج المرأة السجين اخذ يشعر بنفس الوخزة فيتألم الما شديدا .. ثم وصلته الاخبار ان الرجل كان يفرح احيانا فيصيب الفرح الامير .. وتوصل في النهاية الى ان روح الرجل قد ارتبطت به .. فلا يفرح السجين الا عندما يفرح الامير والعكس ايضا صحيح .. ولا يغضب السجين الا اذا غضب الامير .. واخيرا .. أمر الامير باستحضار السجين اليه ليكتشف الحقيقة بنفسه .
عندما رأت المرأة زوجها وقد قدم الى مقر الامير .. والقيود في يده .. شعرت بانها تريد القاء نفسها عليه ولكن الامير نظر اليها من طرف خفي فتوقفت .. وعندما وقف الامير على قدميه لكي يتحدث الى السجين شعر بان القيود قد انتقلت من السجين الى يديه .. واخذ يفرك يديه متألما .. وفي غضون ذلك حدثت اشياء مهمة لا يصدقها العقل .. فقد تألم السجين في صدره .. وفي نفس الوقت تألم الامير في صدره .. ثم وقعا سويا على الارض جثتين هامدتين ..
صرخت المرأة وهرعت الى زوجها الذي كان سجينا غير ان قلبه كان قد توقف .. وحدث لغط كبير وجاء طبيب القصر وفحص قلب الامير ولكنه كان قد توقف ايضا .. فاصاب الناس في القصر ذهول لم يعهدوه من قبل ..
قال صديقي : انها صدفة عجيبة ان يموت الاثنان معا وقد كان كلا منهما يشعر بما يشعر به الاخر ..
قلت : لا تستعجل الامور .. فقد حدثت اشياء غريبة يمكن ان تجعلك تفكر ان هذه الدنيا لا تساوي شيئا الى جانب غيبياتها ..
قال : اني بشوق لسماعك ..
قلت : بعد لآي جاءت والدة الامير ونصبت نفسها مكان ابنها لانه ابنها الوحيد .. فاطاع الحضور رغبتها .. ثم امرت بتكفين الرجلين ودفنهما في قبر واحد ..
اقيم احتفال ضخم لموت الامير وراجت اشاعات انهما صديقان لا ينفصلان .. فقد كان في الدنيا سويا وسيجمعهما القبر سويا بعد ان توفيا ..
انتقلت زوجة السجين السابق الى بيتها القديم وضمت ولدها الصغير الى حضنها واخذت تندب زوجها الذي توفي وتبكيه .. وحزن القصر على موت الامير .. وهكذا دفن الاثنان في قبر واحد واخذ الناس يزورون القبر صبحا ومساء وتنسج الروايات والغيبيات عما يجري في الليل للقبرين .
فقد حلف احد الهنود الثقات ان معركة تقوم كل ليلة بين الاثنين .. تستخدم فيها كل انواع الاسلحة التي كانت سائدة .. يقتل الامير تارة ويقتل الرجل تارة اخرى .. ثم يقومان من مرقدهما الابدي بعد الموت فيقتتلان ثانية .. ويظلان على حالهما حتى تبرزغ الشمس من مكمنها فيتوقفان ويترجلان الى القبر سويا .. ومن غرائب الامور ان الرجل الفقير يقدم الامير عليه في الدخول الى القبر .. ويتلطف له وكأنه حارس امين له .. ثم يتكرر الامر في الليلة التالية من عراك وخصام واصوات لقعقعة السيوف وصليلها .