االمترجم السوفيتي العجوز يكشف أسرار الزعماء بقلم د . احمد الخميسي

فن وثقافة ….
د. أحمد الخميسي – مصر …
في هذا الكتاب الصادر في أبريل 2022 يكشف فاسيلي كولوتوشا المترجم السوفيتي المخضرم أسرار قادة العالم التي عايشها بصفته مترجما شارك في اللقاءات السرية بين زعماء العالم، بعد أن أصبح مسموحا بنشر الحقيقة. إنه يصف زعيم الاتحاد السوفيتي السابق بريجنيف فيقول إنه لم يكن يدري بما حوله إلى درجة أنه كان يقرأ من ورقة أمامه كتبت عليها الكلمات بحروف ضخمة، فإذا لم يطو أحد الورقة يظل يقرأ نفس الورقة مرة واثنتين حتى يضطر المترجم إلى قول إن ذلك التكرار لأهمية ما جاء بالورقة من قضايا!. عنوان الكتاب ” حكايا المترجم العجوز. مرفوع عنها السرية”، صدر عن دار” ابعاد” وترجمه عن الروسية الدكتور ماهر سلامة الأستاذ القدير الذي نقل من الروسية إلى العربية قبل ذلك أكثر من خمسة عشر كتابا منها ” الدفتر الأفغاني” بقلم جنرال المخابرات السوفيتية ليونيد بجدانوف، وفيه يتحدث عن الأخطاء السوفيتية في أفغانستان. المترجم العجوز قضى نحو خمسة أعوام في مصر في الستينيات والتسعينيات، وزار وعمل في لبنان والعراق والأردن والمغرب حيث كان سفيرا. والكتاب في معظمه كما يقول المؤلف في المقدمة : ” شهادة عن سياسة الاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط”. وينوه كالوتوشا بأنه تعلم اللغة العربية على يدي أستاذين، اما الثالث فكان جمال عبد الناصر! هذا بعد أن بدأ ” كالوتوشا ” عمله في القنصلية بالاسكندرية عام 1965 واكتشف أنه لا يتقن سوى الفصحى، فراح يسجل خطابات عبد الناصر ويستمع اليها ليلا ويكرر وراءه كل كلمة وكل جملة مقلدا القاء عبد الناصر! وخلال ذلك يحاول التهوين على نفسه بقول إن اللغة العربية صعبة فقط في العشرين سنة الأولى ! ويحكي لنا عن زيارة خروتشوف لمصر في مايو 1964، حين قرر عبد الناصر منح خروتشوف قلادة النيل، ولم يكن برنامج الزيارة ينص على ذلك، مما أوقع الروس في حرج وجعل خروتشوف يقول لمن معه : ” لابد أن نرد على ذلك الوسام بالمثل، فما العمل؟”، فاقترح أحدهم منح ناصر وسام بطل الاتحاد السوفيتي، فقال خروتشوف: ” وعبد الحكيم عامر؟ علينا أن نقوم بتكريمه أيضا وإلا فإنه قد يزعل “! وبعث خروتشوف الى موسكو ليرسلون إليه وسامين وصلا في اليوم التالي. يحكي عن النقاش الحاد حول القومية العربية حين قال عبد الناصر لخرتشوف: ” ومن غير المستبعد أن بعض الشيوعيين يرتكبون الجرائم أيضا”، وتقبل خروتشوف الكلمات بغضب شديد. ويدلي كولوتوشا بشهادته عن المظاهرات التي خرجت بعد النكسة تطالب عبد الناصر بالاستمرار في الحكم فيقول:” رأيي الشخصي وقناعتي أن مظاهرات الجماهير العفوية لم تكن أمرا مدبرا من قبل السلطات التي كانت في حالة عجز وشلل تام”. وفي 1967 نقل كالوتوشا للعمل في السفارة بالقاهرة، وكان يترجم بين ناصر والوفود السوفيتية، ويذكر أنه في منتصف سبتمبر 1967 التقى بعبد الناصر ويقول: ” كان ناصر مختلفا تماما، وجهه شاحب وقاتم، وحول عينيه دوائر سوداء، وصوته كان مبحوحا وخافتا”. ويلاحظ أن ناصر على كثرة ما التقاه في ولائم رسمية لم يكن يشرب إلا الماء فقط بينما يتجرع الجميع فودكا وويسكي. ويلفت النظر ما سرده من أن ناصر عام 1968 فاتح السوفيت في أنه تلقى رسالة شفهية من موشى دايان بشأن الصلح حملتها إليه الشاعرة فدوى طوقان ! قضى كالوتوشا في مصر خمسة أعوام من أهم لحظات التاريخ المصري، لكنه لا يكتفي بأسرار تلك المرحلة بل يتطرق إلى أسرار وأحداث أخرى مهمة وقادة عرب آخرين مما لا يتسع له مقال واحد، في كل الأحوال إنه كتاب ممتع أهداه إلينا مترجم كبير بعد مرور نصف قرن على ذكريات دبلوماسي عجوز أصبح مسموحا له بالكلام صراحة.