خناس المخيم – قصة وليد رباح نشرت في مجلة الاداب اللبنانية سنة 1979

القصة …..
قلم : وليد رباح – امريكا …
يتسرب الهوام الى سيقاننا بخفة كضباب صيفي , ليمعن في امتصاص الدم والتنقل ما بين الفخذين . نهرش حتى تتهرأ جلودنا ..
تعاف خيمتنا الاجساد المتلاصقة فنهرب الى العراء .. لكن كل نجوم السماء تتحول الى دقائق غير منظورة تمشي تحت جلودنا لندق الارض بدمائنا وكأننا في طوابير عسكرية نعمل على تنظيف الخطوات . نعود ثانية حيث تلفح الانفاس وجوهنا .. فيتسرب الينا صوت ( الخناس ) بعيدا كأنما هو في جحر ردمت فوهته .. ينادي بصوته المنغوم على مسحوقه القاتل لكل انواع الحشرات .. نوزع انفسنا في المخيم بحثا عن ( الخناس) كي لا يننفذ منه المسحوق قبل وصوله الى خيمتنا .
هوذا جاء .. تتمايل خطواته منسلا من خيمة ( ام فهيمه) يلفه الظلام فلا ترى غير كيسه الورقي الابيض في يمناه ورزمة من الاوراق في يده الاخرى .. يلف بها المسحوق الذي يشبه طحين وكالة الغوث لقاء قرش واحد
– ما قصتك الليلة يا خناس ؟
لن احدثكم بشىء هذه الليلة . فزوجتي يغالبها النعاس وقد طلبت الي ان اعود اليها قبل ان يغزوها النوم
يضحك ثم يتابع :
عندما تكبرون سوف تعرفون قيمة ليلة الجمعة
نعود ادراجنا نحمل احزاننا الى الخيمة ونعلن في براءة الاطفال امام ابي ان الخناس يرفض ان يقص علينا شيئا ليلة الجمعية .. يضحك ثم يعبث بغرة امي فتضرب يده بتاقف –
يا رجل عيب .. اولادك ( اباليس)
“” نعفر رؤوسنا بالمسحوق ويضحك كل منا على الاخر ..تقول امي
انتم كالقرود التي تعفر نفسها بالرماد
.. في البدء كان المفعول اكيدا .. نعد البراغثيث المنطرحة فوق الارض عند الصبح وندعو للخناس بطول العمر وربح التجاره .. لكننا بعد اشهر صرنا نشتمه علانية . ذلك ان البراغيث اخذت تكبر وتزداد لسعتها وجعا كلما اكلت من مسحوقه .. وازداد الطالبون امام خيمة الخناس كي يعيد اليهم قروشهم .. ومع مرور الايام .. كسدت تجارته ولم نعد نسمع صوته بمجد المسحوق ويتغنى بمفعوله . .
****
انتشر العساكر في المخيم .. سالت ابي فقال هم الفرسان الذين يطعمون خيولهم لوزا وسكرا .. رأيت الناس يدخلون الى خيامهم مسرعين .. نفذ صهيل الخيل الى رأسي فتبعت العساكر .
( في الصف الاول قال لنا المدرس ان حاتما الطائي ضحى بفرسه عند قدوم ضيوفه وكانت كل الشياء في المرعى …. كيف يضحي مجنون بفرس تكتنز اليتها بالشحم وترفع ذيلها الى مستوى رأسها وتسير مجانبة كلما وكزها الفارس …
توقفوا عند خيمة الخناس .. خرجت زوجته فوشى وجهها برعب حقيقي . وتحول الى لون شمعي دون دم او حياة .. تخاذلت ركبتاها فاستندت الى عامود الخيمة .. ترجل قائدهم ووخزها بعصاه على صدرها فابتعدت مذعوره .. ولج مسرعا فسمعت صراخا حادا مخترقا يخرجه الخناس من انفه .
بعد دقائق خرج الخناس والدماء تعفر وجهه .. ربط وسطه بحبل شدوه الى فرس وسار خلفهم ينوح ويبتهل .. لحقته زوجته واولاده فنزل آخر العساكر واوسعهم ضربا بسوطه .. حتى ادخلهما الخيمة .
.. في المخيم . قيل قد يسجن الخناس لانه يبيع الدي ؟؟ دي ؟؟ تي ؟؟ مخلوطا بالطحين . وقيل بانه يجتمع الى شباب المخيم في المقهى ويحدثهم كل ليلة عن قرييته وبيارته والارض الحمراء التي تخلو من البراغيث والحشرات .. وتعطي بالقدر الذي ينغرس فيها المعول الى الاعماق . وقيل ايضا ان الخناس يدعي ان (الفرسان) سرقوا بارودته وستة امشاط من الفشك عند الحدود ووعدوه بان تعاد له عندما يرجع الى قريته .. قيل الكثير .. لكني استرقت السمع يوما قرب خيمة مختار المخيم فعلمت ان الخناس متهم باختراع الاقاصيص التي تخرب عقول الاطفال وتدعوهم للتمثل بعبد القادر الحسيني وعز الدين القسام وغيرهما
(2)
أرقت كثيرا في تلك الليله . وتساءلت لماذا يجلدون الخناس وكل كتبنا المدرسبة تحكي قصص خالد بن الوليد وصلاح الدين الايوبي .. لماذا لا يحبسون كل الذين يكتبون قصص البطولة ويحشون بها عقولنا .. وتوصلت اخيرا الى ان اولئك ربما كانوا رفاقا للخناس في سجنه .. من يدري
عند الصبح حدثت ابي عما سمعته في خيمة المختار فوبخني وصفعني وحلف اغلظ الايمان ان يطلق امي اذا ما فتحت فمي بكلمة مما سمع .
عولت على ان لا افوه بكلمة .. ورغم افتقاد الخناس واقاصيصه وسريان امر حبسه بين الاولاد . وتضارب الروايا ت . فقد عقدت العزم ان لا ارى امي مطلقة مثل ( فرحة ) التي كانت ترسل اولادها الى الجنود العراقيين الذين يعسكرون غير بعيد عن المخيم يحملون الاوعية كي يعبئوها بقليل من ( التمن ) وشىء من المرق وبعض فتات الخبز .
وكثيرا ما حاول لساني ان ينزلق فاتصور نفسي اقف في برد الشتاء وتحت المطر امام خيام الجنود انتظر فراغهم من الطعام كي اعبىء وعائي بفضلاتهم .. لكني في بعض الاحيان كنت احن الى قطعة خبز من (الفينو) الابيض الذي يحضره اولاد فرحه من عند العساكر ويجودون عليهم بشىء منه .. اتذوقه فتتسرب فتاته الى معدتي بيسر ونعومه فاحلف ان ابوح بالسر الكبير كي يطلقها وينتنهي امر حشو خبز الشعير في معدتي قسرا .
ذات يوم رأيت زوجة الخناس تقود عربة صغيرة وضعت فوقها ظفليها . وتمد يدها للمارة طالبة ان تطعم الاولاد . وتكررت رؤيتي لها فبت اسير وراءها كلما رأيتها تتمتع بما تحويه العربة من الوان الاطعمة قرب الطفلين فيتحلب ريقي واشتم امي في سري لانها لا تعمل مثل زوجة الخناس .. كانت العربة لا تخلو من بعض ارغفة الخبز وحبات من الطماطم وصحن مملوء بالوان من الطبخ وبعض قطع الحلوى ..
مرة عولت ان امد يدي لاسرق بعض ما تحويه العربة . لكني بعد لاي فكرت ان ابوح لها بالسر فأنال بعض الطعام دون عناء .
عندما ولجت عربتها الخيمة كنت كظلها واسرعت في رش الكلمات متلاحقة عن سر حبس الخناس وعيناي مركزتان حول قطعة حلوى تقطر عسلا .. ربتت على كتفي بحنان واطعمتني لانها تعرف ذلك فخذلت .. قالت انها زارته بالامس في سجنه فاخبرها عن التهمة .. جمعت شجاعتي واعلنت لها انني بحت لها بالسر كي آكل من بعض ما تجمعه . فضحكت حتى كادت تستلقي على ظهرها وطلبت الي ان اختار ما اريده .. ومنذ ذلك اليوم ولاشهر طويلة .. كان طعامي كعشاء الملوك اصنافا والوانا لا يحصيها أحد .
****
دامعة ابدا .. ليس بفعل الحزن لكن ذرات التراب اتخذت من عينيها عشا تتكىء اليه ايام الحصاد فتورمتا وغدت تقطرهما بالشاي الخالي من السكر عملا بوسفة جارتنا ( ام فهيمه )
تخب في وحل المخيم تحلم بحذاء يقيها شر صقيع الفجر اذ تحمل جرتها وتتجه نحو عين الماء كي تملآها
وادريس الذي يؤم الناس في الجامع ويغسل الموتى ويتلو آيات من القرآن على قبورهم يحلم ان يموت الناس جميعا كي يطعم اولاده .. يقطع عليها طريق العودة حاملا هراوته يمازحها ويضحك عن فم ادرد و يصيح بها ان تفرغ الجرة في برميل الجامع كي يتوضأ الناس فتحلف ان اروا عطش الاولاد خير من كل صلاة .. لكنه يدنو قريبا من اذنها في السر يتحدث عن الجنة والنار والثواب فتلعنه وتتجه نحو البرميل وتفرغ جرتها ثم تعود ثانية الى (العين لتملاها) .
وادريس الذي يؤم الناس في الجامع يغسل الموتى ويتلو آيات من القرآن على قبورهم طلب اليها يوما ان تصلي فافرغت جرتها فوق الوحل وضمتها الى صدرها ولحقته راكضة امام تندر الناس فلم يعد ثانية لمثلها .
أمي :
عندما كانت نذر المطر تطل تهدأ مثل قطعة قرب مدفأة .. كلما تحدث اليها ابي هزت رأسها موافقة دون اعتراض .. لكنها ايام الحصادر تقف امامه بهامتها التي تشبه نخلة عتيقة وتضع كفيها على خصرها تلعنه وتلعن اليوم الذي عقد فيه قرانهما .. وكان يدرك ذلك فيهدأ في الصيف هدوئها في الشتاء ، لان غضبها تعني ان تقول له في كل يوم ( فتش عن عمل ) كما تعني ان لا تذهب الى الحقول فتلتقط السنابل خلف الحصادين فيحرم نفسه من قروش يحولها الى تبغ ينفثه في الهواء ويحلم .
*****
(3)
يا خيبتي يا بنات .. زوجة الخناس تشحذ .
انطلقت صيحتها في ( العين) فاحدثت دويا بين النساء .. وتزعمت خمسا منهن تقودهن الى الجامع كي يطلب ادريس من المصلين في يوم الجمعة ان يكفوا المرأة ذل السؤال .. لكنه نظر من فوق لحيته الكثة غاضبا وقال انهن يسعين لوضعه مكان الخناس حتى يتعفن اولاده .
حاولت افهامه وتذكيره بانه يدعو الناس كي يكونوا اسرة واحدة اذا ما اصاب احد افرادها وصب تداعى الجميع لنصرته فقال لها . انه يقرأ ذلك في الكتب القديمة .. ولكن تلك الكتب لم تأت على ذكر السجون والفرسان .. وعدن الى جرارهن لكن ادريس علم انهن يخفين امرا فعول ان يخبر المختار لينال الحظوة عنده .
عند المساء تجمعن في خيمتنا .. ثرثن كثيرا وابدت كل منهن اقتراحها لكن الساعات مضت والزعيق والصراخ يطغى على الكلمات ..
عاد ابي من المقهى فوجد النقاش على اشده فحلف ييما ان يطلقها عند الصبح ليستريح من ( زعرنتها ) لكنها وقفت امامه بتحد وقالت ( حتى الكلاب في هذات الزمن تعيش .. ولسنا احسن حالا من الكلاب )
سمع صوت المختار قرب الخيمة فارتعد .. خرج اليه باشا يخفي عن وجهه ظل الكآبة .. قال المختار
-أنت تعرف ان الحكومة لا ترضى عما يجري .. اذا ما علموا فسيطوفون المخيم غدا ويعلنون منع التجول فتخمج في الخيام
– اقسم انني لا اعلم عن هذا شيئا .. وقد جئت الان من المقهى فوجدتهن يثرثرن على ما تسمع
-انت تعرف انني بذلت كل جهودي للعفو عن الخناس .. لكنهم في النهاية قالوا لي نريد بديلا له .. وانا لا اظلم احدا
خرجت ا لنسوة فرأين المختار وأبي فوقفن واجمات للحظات .لكن امي شقت طريقها رافعة رأسها فتبعتها النساء .. وعند المقهى نظمن صفوفهن وكأنهن في معركة .. المذياع يصدح باغنية على النجده هيا يا رجال
رفعت امي عصا نسلتها من تحت ثوبها وهجمن على المقهى .. تطايرت بعض فردات الاحدية في الهواء صرخ بعض الشباب .. رأت احداهن زوجها في المقهى فوجدتها فرصة لا تعوض فهوت على ام رأسه ( بالقبقاب) فانفجر دمه يغطي وجهه . وفي خلال دقائق كان رواد المقهى يركنون مذعورين الى الزاوية .- قالت امي : زوجة الخناس تشحذ وانتم تجلسون هنا .. تفو عليكم
قالت حاملة القبقاب وهي تجفف دم زوجها بحنان .
-غدا اذا ما حبست سوف اشحذ يا خايب .. هل فكرت في هذا
-تجرأ احد الشباب وسأل .. ولكن ماذا تردن منا ان نفعل
-ضحكت امي واتجهت اليه فانكمش على نفسه
-ماذا تفعل يا ( مدلع) لو ارسل كل واحد منكم رغيفا في كل يوم الى زوجة الخناس ما شحذت .. تفو عليكم جميعا
قالت بعد ان خرجت من المقهى بصوت عال كي يسمعها الرواد .. غدا اذا ما رأيت زوجة الخناس تشحذ سوف نجعل ليالي ( القهوة ) سوداء
تفرقن كل الى جهة .. كانت الساعة تقارب منتصف الليل .. وعدت متعلقا باذيالها نخب في وحل الطريق .. عندما وصلت الى الخيمة سمعت صوت المختار يضاحك ابي ويمازحه .. دخلت واشاحت بوجهها فقال المختار
-الا تسلمين .. ذكرتني ( بالختيارة) يوم كانت تخبىء الثوار في بيتنا وياتي الانجليز للبحث عنهم فتبصق في وجوههم وتمنعهم من الدخول ..
-قالت منفعلة ..
(4)
-امك لا يمكن للزهرة ان تخلف شوكة .. ثم ان هنالك مثلا اومن به مثلما اؤمن بسنابل القمح ( انك تكتشف الكذبة من ضخامتها . )
ضحك المختار ثم استأذن بالرحيل .. وفي تلك الليلة .. صنع ابي لها جرحا في وجهها ينزف كلما قالت آه
****
سلامه ابو الريش :
رجل يهمه ان ترضى الحكومة عنه .. يعيش امام عربة الخضار وخلفه الخيمة تئن من الجوع والوجع لا خطر منه يا شاويش
-كم يدفع
— خمسة قروش عند كل مساء
— حسن .. غيره
– -ايليا عبد الاحد
-اعرفه .. يعمل في جمع القمامة .. يتقاضى ستة دنانير شهريا من وكالة الغوث .. قلت له زد خشية ان تتهم بما اتهم به الخناس
— كم يدفع
-خمسون قرشا في الشهر
— هذا حسن .. اتركنا من البقية لوقت آخر واجمع النقود واعطني حصتي .. لكن مهلا .. لم تأت على ذكر سعده
ضحك المختار طويلا
-ليلة الامس افرغت جيوب زوجها
-قد خدمتنا فيما صنعت .. سيقل عدد رواد المقهى ويخفت الهمس ., ولكن كم وجدت في جيبه .
-حلف لي انه لا يملك سوى عشرين قرشا . لكني فتشت جيوبه فعثرت على دينار آخر فظفرت به
ابتسم الشاويش ومد يده الى المختار فانسابت القروش الى راحته .. كنت اقف الى جواز خيمة المخفر .. دسست رأسي من زاويتها وسمعت كل ما دار بين المختار والشاويش .. لكن السعال انتابني فجأة فذعرت وخرجا من الخيمة مسرعين بينما اطلقت ساقي للريح .. آخر كلمة قذفها المختار ( انه احد اولادها .. ابن سعده والله )
… عند الصبح قال لي ان الحبل يقترب من عنقه .. وانه سيشتري لي صندوقا لطلاء الاحذية كي اغوص في شوارع المدينة اقبل احذية الناس قبل مسحها كي لا اعود ( لشيطنتي) والتجسس لحساب امي .. فرحت في سري لان صندوق الطلاء سوف يخلصني من صفعات المدرس . ثم اعلنت له ذلك فركلني وفرك اذني وحلف بالسموات اني ابن حرام .. وتحسست جلدي الذي صنعت منه العصا اخاديد ترتع فيها البراغيث فلا اشعر بلسعاتها .
******
-الخناس اقبل يا اولاد
كنا نلعب (كرة الشرايط) وبصوت واحد صرخنا ..
افرجوا عن الخناس .. عادت ايام الحكايات والقصص ..
غاننطلقنا كخراف مذعورة نخترق الازقة نتحاشي التعثر بحبال الخيام كي نرى وجده الخناس .. لكننا بعد لاي نظمنا مظاهرة صغيرة اطلقت شعارات ترحيبية .. وتعمدنا الوقوف امام خيمة المختار وصراخنا يمتد حتى المقهى .. خرج المختار من خيمته :
-اين هو الخناس
-قرب المقهى .
لملم المختار عباءته من على كتفه وانطلق يركض نحو المقهى .. وعلى بعد رأيناه يحتضن الخناس ويقبله ويشده من يده حالفا بالطلاق ان يزوره قبل ان يذهب الى خيمته .. لكن الخناس كان يتمنع .
(5)
سار الخناس الى خيمته تتقدمه مظاهرة الصبية . تبرع احدنا باخبار زوجته قبل ان يصل كي تعطيه ( البشارة ) جاءت على عجل حاسرة الرأس حافية والقت نفسها بين ذراعيه.. وخلفها وقفت انظر الى وجه الخناس الذي رخى برأسه على كتفها وقطرات الدمع تنساب من عينيه .. لم يكن الخناس الذي عرفته .. عظام وجهه ناتئة كأنما قد بعث من القبر لتوه .. وقرب عينه اليمنى هالة سوداء كقطعة من اللحم المحترق .. اتكأ على كتف زوجته وسار متمهلا .. لاحظت انه يسير مجانبة فتذكرت الخيول الاصيلة وحاتما الطائي والفرسان والعسكر والشهور الخمسة التي أكل القبو فيها من جلده .. وولجت الخيمة معهما فقبل اطفاله واحتضنهم .. اخذ يبكي ورمى بجسده المنهك فوق حشية من الخيش .. وفي الخارج كانت اصوات الصبية تطلق كلمات الترحيب بالخناس .
-سسمعت انك تشحذين .. قالها لي الشاويش عندما فك قيودي
-ففشر .. الفضل لسعدة وشباب المخيم
حانت منه التفاتة الى زاوية الخيمة .. رأى علب السردين مكدسة والخبز يرسل بخاره الحار الى اجواء الخيمة .. بكى وفح بكلمات متقطعة .
***
وزع المختار بعض الاوراق مهروها ببصمات اصابعهم .. كان المساء قد نشر ظلاله فوق المخيم .. ومع هبوب نسمات المساء الطرية تعالت الاصوات من جوف الخيام كمجموعة اعراس في وقتع واحد في مكان واحد .. حاولت استراق السمع لكني لم افهم شيئا .. بعضهم كمن مسه الجنون فغدا يصرخ في وجه زوجته واطفاله .. ابي فتح قرب عينيها بعض الشروخ الدائرية كثقوب الشبابه .
ساقوهم الى المخفر .. ميزت من خلال الجمع ابي والخناس ( وخماسية نسوة المقهى ) وعندما خرجوا بعد ساعات جمعهم المختار في ساحة المخفر والقى فيهم خطبة عصماء عن الحكومة والمخيم والامن ومنع التجول .. ختمها بالطلب الى المجتمعين ان لا يغادروا خيامهم من مغيب الشمس حتى مطلعها .. وان يثبتوا وجودهم في المخفر يوميا ثلاث مرات ..
عندما تفرقوا تبعث الخناس الى بيته .. كانت زوجته تقف غير بعيد .. وعندما رآها قال لها . اني احمل في جعبتي لاطفال المخيم قصصا تغنيهم عن جداتهم سنوات طويلة .. وضعت يدها على صدرها وقالت (يا خيبتي ) لكنه ربت على كتفها بحنان واشار الي .. خلل شعر رأسي باصابعه واتسعت ابتسامته حتى انفردت على كل الخيام .