القصـــــة …..
يحيا العدل – قصة : سفيان الجنيدي …
بقلم : سفيان الجنيدي – امريكا
لا يهم المكان الذي ولدت فيه، و الذي لم ابرحه قط، و الذي ما زلت أعيش فيه، فالأماكن كلها على وجه البسيطة أضحت صورة طبق الأصل. المهم أنني الان قابع في السجن دون توجيه تهمة محددة لي.
منذ البارحة، وانا احاول تخمين، لماذا اقتادوني إلى هذا المكان الموحش! لم أجد جواباً شافياً. حاولت استعراض ما تحفل به ذاكرتي من مخالفات قانونية أو دستورية قد تكون المسوغ في اعتقالي، و لكن، للأسف، لم يهدني عقلي لمسوغ معقول!
يقيناً، أن هناك تهمةً ما، هكذا يحتم المنطق، لكن ماذا عساها أن تكون! أنا متأكد أنني لم أقترف أي ذنب. عذراً، ساحاول صياغة الجملة بطريقة أكثر حكمةً حتى لا أثير حنقهم علي، أنا متأكد أنني لا ادرك أنني اقترفت أي ذنب يستدعي سجني.
ماذا قد يكون المسوغ، اذا لم اتسبب بإلحاق الاضرار بالبيئة، إذ أنني لم امتلك يوماً سيارة حديثة كانت أو قديمة، و لم ارمي يوماً القاذورات في الشارع!
المحافظة على النظام! قطعاً، ذلك ليس المسوغ، إذ أنني عندما اضطر الذهاب لقضاء امر ما، استقل “التاكسي” و لا اقف في الطابور لكيلا يلحقني عار الدهر بسبب جريمة عدم الانتظام في الطابور.
مثلبة في علاقاتي الاجتماعية! هذا مستحيل أيضاً، لأنني ببساطة كائن ليلي و ليس لدي أي علاقات اجتماعية. صِلاتي العائلية! قطعاً لا، إذ أنها على امثل ما يكون، حتى أنني لم أتخلف يوماً عن زيارة افراد اسرتي في الأعياد المنصوص عليها بالقانون، و هم يعلمون ذلك جيداً.
أكاد افقد عقلي! ما هو المسوغ!
سبب سياسي! هذا من عاشر المستحيلات ، لانني لا أتكلم بالسياسة و لا احبذها، و لا اذكر انني شاركت البتة بأي فعالية سياسية مؤيدة كانت او معارضة للحكومة، كما أنني لم أشارك يوماً في احتجاجات أو مظاهرات من أي نوع، سوى مرة واحدة ،عن طريق الخطأ، عندما كنت ابلغ ست سنوات، اندآك كنت بصحبة والدي في طريقنا إلى زيارة عمتي، تجمع في الشارع قرابة خمسين رجلاً، ظن والدي في بادئ الامر ان ذاك عرس، همس في اذني، يا ابن المحظوظة، تستطيع اليوم تنشيط ذاكرتك، سترى اللحم و تُنْعِمْ اسنانك و امعاؤك بمذاقه ، سرنا معهم و اطلقنا خيالينا للعنان، و بعد وقت قصير طار حلم اللحم مثلما تفعل الطفولة عندما تتلقى صفعات الحياة تباعاً، اكتشفنا فيما بعد اننا في مسيرة معارضة للحكومة جراء رفع سعر الخبز” هكذا قالوا”، لوذنا بالفرار و اخفينا الامر حتى عن بعضنا البعض.
لا ابالغ عندما أقول ما زلت أجهل المسوغ، حتى أن المدعي العام لم يوجه لي تهمة محددة، سألني هل انت كاتب هذه القصة! رددت بالإيجاب.
هل تقر و توقع على أننا لم نعاملك معاملة وحشية أو أننا مارسنا عليك أي نوع من الإرهاب ؟ أجبت بالإيجاب.
لماذا استبعد أن تكون الرواية هي المسوغ؟!، لانها ببساطة تحاكي عالم افتراضي و تندرج تحت الخيال العلمي و ليس فيها اسقاطات على الواقع، لكن هل يُعقل أنني وتّرت علاقاتهم مع العوالم الافتراضية؟! أتمنى أنني لم أفعل!
لا يوجد أي سبب للإرتباك، اذ أنني لم ارتكب أي من هذه الجرائم و التي لا يتهاون القانون بحق مرتكبيها. كما أنني لست مرتبكاً بسبب القضاء، و لا يمكن مجرد التفكير في هذا الامر، فالقضاء لا تشوبه شائبة و هو آخر قلاعنا المنيعة.
مؤكداً انهم سيخلون سراحي صباحاً لانني، على حد علمي، لم أفعل شيء يستوجب التوقيف، أغلب الظن ان هنالك خطأ غير مقصود أو تشابه أسماء.
احس أني مرهق بعض الشئ، سأغفو قليلاً.
محكمة
تفضلوا بالجلوس.
فليتفضل، ممثل المدعي العام.
السيد الرئيس؛
السادة المستشارين؛
نحن بصدد جريمة مكتملة الأركان.
مواطن، ارتكب من الآثام و الجرائم ما لا يمكن الإحاطة به في جلسة واحدة، و نظراً لوقت عدالة المحكمة الثمين، سيقتصر الادعاء العام على الجريمة الرئيسية فقط لا غير. جريمة الشروع بالإبادة الجماعية بإستخدام إسلحة محرمة شرعياً. جميع القرائن المؤيدة للجريمة تم تزويدها لعدالة المحكمة. و امتثالا لطلب عدالة المحكمة، تم إحضار المجني عليه إلى قاعة المحكمة بالرغم من الحالة النفسية الحرجة التي تخيم على حياته منذ الواقعه، و نود بهذا الصدد، إفادة عدالة المحكمة، بأن المجني عليه قام بعدة محاولات إنتحار بسبب الحالة النفسية التي سببها له ذلك المجرم العتيد. بناء على ما تقدم تبيانه و المستندات التي بحوزة المحكمة الموقرة، يهيب الادعاء العام بعدالة المحكمة إنزال أشد العقوبات على الجاني المنصوص عليها في قانون العقوبات، و شكراً.
نظر رئيس المحكمة نظرة مبهمة على المُدعى عليه و هزّ رأسه.
أين المجني عليه.
نعم سيدي القاضي.
ضع يدك على دستورنا المقدس، و ردد خلفي.
أقسم أن أقول الحق، كل الحق، دون زيادة أو نقصان.
الآن تفضل، أخبرنا عن الحكاية من البداية.
البداية، أنني كنت في عالمي الجميل ، أعيش هانئاً سعيداً مع أسرتي. و في يوم ما، قام ذلك المختل، باستدعائي للعمل في رواية مهلهلةٍ من روايات الدرجة الثالثة على أحسن تقدير. قبلت إذ أنني كنت أمر بظروف عائلية صعبة للغاية.
أتود القول أنه أستغل ظروفك الاسرية القاهرة؟!
نعم سيدي القاضي، ذلك ما حدث بالفعل.
نظر القاضي إليه معاتباً، هزّ رأسه ، و بصوته الجهوري قال له: إنتهازي.
أكمل يا أبني.
توالت الأحداث غير المتناسقة في الرواية، و كنت أتحمّل رائحة فمه الكريهة، و دخانه المقيت. و بعد مضي ثلاث أسابيع، همس في أذني و أخبرني، انه يريد لقائي بمعزل عن الاخرين. لبيت طلبه على الفور. أخبرني انه انسان ديمقراطي و أنه يؤمن بالحوار. بادئ الامر إستبشرت خيراً، إلا أن الحديث بدأ يتخذ منعطفاً حرجاً. أخبرني أن حبكة الرواية تقتضي أن أموت في الفصل الأخير. أغلظ بالايمان أنه حاول بشتى الطرق ابقائي على قيد الحياة، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل. لن أطيل على عدالة المحكمة، المهم بعد صولات و جولات، و صراخ و مشاجرات و مناكفات، نزلت على رغبته.
أتود القول أنه أكرهك على الموت؟!
هو ذاك سيدي القاضي.
نظر القاضي إليه حانقاً، هزّ رأسه ، و بصوت أكثر حدة قال له: مجرم.
أكمل يا أبني.
توالت الأيام و أصبحت حياتي جحيماً، و تأثر جميع أفراد أسرتي سلباً، و أصبح زادنا اليومي القهر و الآلام و الحسرات، و الأشد إيلاماً أن أبنائي أهملوا دراستهم و أمتنعوا عن الذهاب إلى المدارس، بل أنهم إعتكفوا في البيت و لم يعودوا يبرحوه.
نظر القاضي إليه مؤنباً، هزّ رأسه ، إرتسمت على شفتيه: يا صانع الحسرات.
أكمل يا أبني
المهم سيدي القاضي، في ليلة مشوبة بالعواطف، كنت أحتفل بالفالنتين مع افراد عائلتي، أسوة بجميع المفعمين حباً و عشقاً في اركان هذا العالم الرومانسي.
طرقات هوجاء على الباب أفزعتني و صغاري. استدعاني و أجبرني ان اترك ما كنت فيه من أجواء عائلية ينتظرها المرء من الحول إلى الحول.
أكان هو؟!
و من غيره، سيدي القاضي
نظر القاضي إليه مندهشاً، هزّ رأسه ، و بصوت متحسر قال له: يا هادم الملذات.
أكمل يا بني.
أبشرك، لقد توصلت أخيراً لأداة القتل المثلى.
مندهشاً سألته: ماذا ألم بك؟! العالم كله يحتفل بالفالنتين و أنت تتكلم عن الاغتيالات و القتل؟!
الفالنتين؟!
رأيت الاندهاش قد احتل وجهه.
سألته: لماذا الاندهاش؟! هل تعني انك لا تحتفل به؟!
أجاب: انا لست متزوج و ليس عندي عشيقة، و مع ذلك لا أتخيل أنني ساحتفل يوماً بالفالنتين.
ارجوك، اسرع، فأنا في عجلة من أمري، ما هي الطريقة المثلى التي توصلت اليها!
أجاب: الموت بغاز الخردل.
أتت المفاجأة على هدوئي المشهود له بين كبار الكُتاب، إنفجرت في وجهه و قلت : مستحيل أن اوافقك على ذلك.
حاول اقناعي بأن الاحداث تدور في بلد افتراضي موسوم بامتلاكه الأسلحة الكيماوية و البيولوجية، ثم….
أطبقت على فيه، و فندت حججه الواهيه و قلت: جميع التحقيقات اثبتت زيف إدعاءاتهم.
مفهوم يا أبني … تفضل أكمل.
سيدي القاضي، أرجو من عدالة المحكمة أن يتسع صدرها لتساؤل لطالما شغلني.
تفضل يا أبني، هاتِ سؤالك.
سيدي القاضي الا تخامر عدالة المحكمة بعض الشكوك حول من يستطيع الحصول على غاز الخردل؟!
لا ضير من اطلاعنا عن ماهية هذه الشكوك.
تفضل يا أبني.
ما إحتمالية أن يكون هذا الشخص عميل لدول أجنبية؟!
ما إحتمالية أن يكون تاجر سلاح و إلا كيف استطاع الحصول على غاز الخردل؟!
ألا تشاطرني المحكمة الرأي أن من يريد استخدام غازل الخردل لا بد أن يكون مختلاً عقلياً؟!
الاحتمالات واردة و أقرب للمنطق.
نظر القاضي إليه متوعداً، هزّ رأسه، و بصوتٍ أكثر حدة قال له: عميل و تاجر موت و مختل عقلي و الأهم من ذلك غير رومانسي!
اكمل يا أبني…….تفضل
المهم سيدي القاضي، بعد إصراري على الرفض، و تعنتي و تمسكي بحقوقي المكفولة في جميع الشرائع السماوية و دستور الدولة، فاجئني بكلمات نابية متذرعاً بأن له كل الحق أن يفعل ما يشاء لانه….. لانه ……. لانه….
لانه ماذا يا أبني.
هو من أوجدني.
ماذا! إلى هذا الحد وصل بك زهوك و تمجيدك لذاتك ؟! أتدعي الالوهية، يا وغد.
هل لديك ما تود إضافته لعدالة المحكمة؟
سيدي القاضي، أكتفي بهذا القدر.
ترفع الجلسة للمشاورة
محكمة
تفضلوا بالجلوس.
بعد مراجعة المحكمة لحيثيات القضية، و سماع ممثل النيابة العامة، و الضحية، و امتناع الجاني الدفاع عن نفسه.
قررت المحكمة ما يلي:
حكمت المحكمة على المتهم، كاتب الدرجة الثالثة، الإعدام بغاز الخردل جراء رائحة دخانه المقيت و لعدم احتفاله بالفالنتين.
حكماً وجاهياً نافذاً غير قابل للنقض و التمييز.
إحتل التصفيق المحكمة، و تعالت الصيحات المؤيدة للحكم، يحيا العدل…… يحيا العدل……يحيا العدل.
استيقظ، سيدي المستشار، خشيت ان يفوتكم موعد المحكمة.
نظر القاضي إليه مبتسماً، هزّ رأسه ، و بصوت كله ثقة، قال له: لا يمكن أن تفوتني محاكمة كاتب الدرجة الثالثة ذي السجائر النتنة و الذي لا يجلّ عيد الفالنتين.
ركله بقدمه، إستيقظ، ما زلت نائماً يا كاتب الدرجة الثالثة! اجهز بسرعة، سيتم ترحيلك إلى المحكمة بعد ربع ساعة.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

