شويكه سيدة الحكايات – (9 )بقلم : د . سمير ايوب

فن وثقافة …..
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
مشهد المواصلات
ما أصعب الحديث عن شويكه والجسدُ عنها بعيد. مكانٌ له نبضٌ ووهج، لا يحتاج توضيحا أو تنويها.
صحيحٌ أن شويكه مكانٌ جغرافي بالغ الجمال، وأنها حكاية نجاح مُتميّزة في فرادتها بين باقي قرى فلسطين، إلا أنّ الفَقر منذ دهر، على ضفاف النكبة وطلائعها، قد عبرَها حتى كاد أن يستقر فيها، لولا كرَمُ إخوتنا في العراق العظيم، الذين أسعفونا بشحناتٍ كريمة من التمور العراقية تكاد تسدّ الرّمق، ولطف الله الذي يسَّرَ فتح طرق الاغتراب الى الكويت والسعودية، عن طريق رجلين رياديين من أبنائها. أولهما هو مصطفى عبده من الحارة الغربية، الذي اختراق عام 1947 الكويت في طريقه ألى الحجاز، والثاني هو رسمي عبد الغني الحج محمد من الفقهاء، الذي كان أول من بَسْمَلَ مُغترِبا باتجاه الكويت، وباتا دُرّتا شباب شويكه في تغريبة الصحراء. فقد سعيا مبكرا وبنشاط، الى جذب الكثيرين من أقربائهما وجيرانهما وأصدقائهما للعمل هناك ( كان ممن جذبهم رسمي عبد الغني مبكرا في نهاية العام 1951 ، ابن خالتي خليل حسين ابو يوسف خليل وحرب والدي)، وتلقائيا ابتدأت مصادر الدخل تتحسن تدريجيا في البلد.
كان لأبناء شويكه من جيلي، عادة حميدة واظبوا عليها بحماسة شديدة. من بعد شهادة المترك، وهم يغادرون مسافاتها في طريقهم لرحلة الشقاء والمعاناة، في تغريباتهم العلمية والعملية، كانوا يعلنون مباشرة موت الزمن، كي لا يفسحوا للألم الاكثار من غزوهم، فحنينهم كان يرحل الى قريتهم كل يوم. إرتطموا مطولا بأرض الغربة ونهضوا. رغم قسوة الحرارة والرطوبة وسكن العزوبية واختلاف العادات والتقاليد، ركضوا خلف أحلامهم في بلاد لم تكن قد تأهلت بعد، او تجهزت. تعثروا في الصحاري ونهضوا. كانت لقمة العيش متعبة. فوراءهم في الوطن فقر يتفاقم وتتضح معالمه. أذرعه الممتده تشن غاراتها ببطء شرس في كل اتجاه. كان جدي ابو حرب يعمل آنذاك دَلاَّلاً، يبيع الكثير مما يستغني عنه ناسه، كفِراشِ الصوف وطناجر النّحاس وحتى القفاطين ووو.
في ظل شطط حب الاستطلاع عما يجري وقادم الايام، نجده كلما سألناه يكتفي ببساطة القول: هذه مُمتلكات بيوتٍ مَستورة. فلم يعد ناسُنا في أزهى عصورهم. يكاد صنع الحياة ان يكون مستحيلا، وعلى الاقل شديد التعقيد، وخاضع لأسبابٍ لا يمكن التكهن بها.
أحاول الآن، بلا وجَلٍ فتح نوافذ عديدة أطلّ عبرها على ذاكرةِ صبي درَج وترعرع في كل مناحي شويكه، وعشقها من أقصاها إلى أقصاها، لالتقاط المشاهد التي تترجم وتلخص بعضا من ملامحها.
مع مغيب ذات يوم في توالي شهر ذو القعدة عام 1955، كنا ثلة من صبية الحارة الغربية ( عدنان عبد الغني ادريس، زهير بديع ادريس، عبد الكريم الحمد ابن الدرويشه، عمر الحج حسن، ابو سريع ابو الشحم، محي الدين الشيخ غانم وصالح الاطرش، واحمد المصلح وشمس التينه ورياض ايوب) قد فرغنا من المساعدة في تنزيل حمير وجِمال دار نايفه ومحمد حسن ابو الشحم، وبديع ادريس وأخوه عبد اللطيف، واحمد حسين ابو يوسف خليل من حمولتها من سنابل القمح والشعير المحصوده، على البيادر قبالة قهوة ابو خوله. وما هي الا لحظات حتى أقبل علينا قادما من غربي البلد، طُقْطاق ( العبد القاسم يوسف خليل ) ذاك الراعي المُمتلء حُبا لكل شيء في منظومة الحياة آنذاك، حب الشروق وحب الغروب، حب المكان الذي كان يقضي نهاره فيه، برفقة مئات الغنم ومرياعٍ وحمارٍ وكلبين وشِبّابة، كانت كلها وطنه، ما أن وصل ساحة بير الحجه مريم قبالة عنبرات دار الخواجه والمعصره، حتى توجهنا لمساعدته في سُقيا أغنامه.
ومن بعدها تحولنا لمساعدة الحج عبد الغني ادريس ابو عدنان، في تركيب كراسي خشبية في شاحنة لنقل البضائع كان يمتلكها، إستعدادا لنقل حجاج بيت الله الحرام بها، لأداء مناسك الحج.
مع اسطول الجمال في شويكه، وشاحنة الحج عبد الغني ادريس، وترك بشير رشيد يوسف خليل، كان هناك اسطول تكاسي للركاب أيضا ، منها:
تكسي سليمان العبيد وكان ابيضا، وتكسي عبد الرؤوف أبو نبيل وكان أسودا، وتكسي خضر العبيد ابو سميح وكان أبيضا، وتكسي عبد الكريم الشيخ يوسف ابو انور وكان أبيضا هو الآخر، وتكسي حسيبا من طولكرم وكان له زامور مميز.
وعلى سِيرة المواصلات ووسائطها في شويكه، كيف يمكن لذاكرة صبي، يمتلك ذاكرة كذاكرتي، أن تنسى أشهر حِمارين في شويكه؟! والله كنتُ والكثيرين غيري، نراهما احلى من سيارات الهَمَرْ أو مرسيدس هالأيام، وهما حماري المختار أحمد رشيد فريج وسيدي ابو صلاح.
صحيح حمير، بس كنا نقول عنها: إحمارتك العرجه ولا جميلة السيارات. ما كانت حميرنا تخاف رفع سعر البنزين. كنا نحط الحِلِسْ والخرُجْ أو المَشتيل عليهن ونمسك بالرسن، وِنْدَنْدِل إجرينا، وبالوَعَر ما نخاف لو أسرعنا، وبالنزول ما نخاف إتْهوِّر بينا. وين ما يِيجي عبالنا نربطهن، إن ضاعن لحالهن برجعن . قُوللها حَاهْ بِتمشي بيك مُطيعة، وإن قلتِ لها هِيشْ، بِتوقّف بدون بريكات.
آه يا دار، قولي لي يا دار، راحوا فين حبايب الدار، فين فين قولي يا دار.
الاردن – 6/10/2021