شويكه سيدة الحكايات – (8 ) بقلم :د . سمير محمد ايوب

 

فلسطين ….
بقلم د . سمير محمد ايوب – الاردن …
تضاريس التربية والتعليم
التعليم مهنة صعبة نبيلة، مُفارِقة لدهاليز التجارة. التعامُل بتربية الشخصية وبناء عقلها، يستلزم أساتذةٌ أكفّاء مُكتفون أخلاقيا، سَدَنةٌ للحرف وأربابٌ للصفوف، اصابعهم مغمسة بالطباشير واقلام التلوين، وحبر دفاتر التحضير، ومع الحصة الأخيرة تكون اصواتهم قد بُحَّت تماما.
لم يكن لدينا في شويكه، إلا مدرستين ابتدائيتين، واحدة للذكورعلى الضفة الشرقية للشارع المتجه الى دير الغصون وباقي قرى الشعراوية، واخرى للإناث على الضفة الغربية للشارع.
كنا، على طرق ترابية ممهدة غير معبدة، نيمم وجوهنا شطرها كل صباح مشيا على الاقدام، من العَوَرَه جنوب البلد: من دار ابو حلوه، وخشان، العبد ابو نصره، عبد الكريم الحج جابر وعبد الله العوده. ومن الشارع الشرقي: من دار ابو عرجه، والشيخ مرعي. ومن حارة الفقهاء في اقصى جنوب شرق البلد:من دار محمد ابو عايشه، سعيد العريض، الزيناتي، هجرس، مسعود الحج حسن، عيسى ابو عيسى، محمد العبد الله ، ام ياسر. ومن حارة المساهيل: من دار حموظه، الزبده، آل سرحان، ابو سلمان، عبد الرحمن ابو محمد. وفي اقصى الشمال من الراس: دار نايف البرهم. ومن غربي البلد: دار سعيد العبد الله، عبد الجابر، سيدي ابو صلاح، محمد مصطفى عبده. منطقة راس عيسى: فارس البلبيسي، ابو رشيد العمشه واخوه يوسف، ومن بعدهم باتجاه الجنوب: دارعلي ابوصالح، ابو يعقوب السكر، ثم ظهرة نايفه الحج عبد المسعود النايفه واخوانه. ناهيكم عن حارة النعالوة ودار تايه والعجوز وحارة البهتي.
صغارا حشرنا اجسادنا الغضة والكثير من أرجلنا العارية، في مقاعد درس خشبية متهالكة، وعلى وقع جرس المدرسة النحاسي، وصفير الشبابك في الشتاء، والممحاة ورفيقتها السبورة السوداء التي حضنت كل درس وما ضجرت براس ولا ضاقت بروس، كنا شاكرين وبهمم عالية، نستقبل توجيهات المدرسين باعتبارها علامات على طريق الاخلاق والعلم، تربطنا بهم علاقات وُدٍّ واحترام شديدين، فالمعلم كان رسولا لا يضاهيه إلا والدان. وفي وقت الاستراحة كنا نمتع انفسنا بتعريفه بليلة يبيعها لنا احمد مسامح، الذي امتلك فيما بعد في الكويت وفي الاردن، واحدة من اشهر مطاحن البن والمكسرات، المطحنة الدولية، وكنا بتعريفه نشتري هريسة او نمورة يبيعها لنا ابو ربيحة من طولكرم.
بفضل باقات من الاهل، آمنوا بأن العلم يبني بيوتا لا عماد لها، وأن الجهل هادم لبيوت العز والشرف، ادرك أبناء جيلي من بداياتهم، ان الجد والاجتهاد كما رسمهما لنا أهلنا وتصوروهما، شرط لازم للنجاح كما تخيلوه وكما تمنوه، ويتمسكون به طريقا للخروج مما كانوا فيه من رقة حال.
في ذاك الزمن الجميل، كان النجاح لا يحتار اين يقف وكيف يقف. أنه كان يتحقق منتشيا بفرديته لا مترنحا، ولكنه كان يصل متداخلا بمعاناة جميع أفراد الاسرة، بعضها قاتم وبعضها باهت. كان النجاح الفردي في المحصلة عملا جمعيا، ينثر عطره المراهق وهو يمشي في محاريب الاسرة والحارة والحمولة .
فالثلاثي العظيم، علي – منير وعدنان نايفه، ليسوا استثناءً في شويكه، فرحم نساء شويكه، رحم عربي فلسطيني ولاد خصب. لذا شهد الثلاثي نايفه المتميز ، اخوة علماء واكاديميين تربويين وباحثين متخصصين، وادباء وفنانين تشكيليين ومثقفين، ورجال اعمال ناجحين واصحاب مهن متميزين كثر، وفي احصائية اولية قديمة، هناك في شويكه اكثر من ستين عالمة وعالما مبدعين كل في مجاله، من حملة شهادات الدكتوراة ومرتبة الشرف الاولى، واكثر من 270 من حملة وحاملات شهادة الماجستير والبكالوريوس.
وفاء وعرفانا، سأحكي وأنا أجزم بان لدى ابناء جيلي، ما يحكونه عن باقة من معلمينا الاجلاء في تلك الايام، ممن عبر ابتدائية شويكه تركوا بصماتهم واضحة على مسارات حياتنا. ليس فقط في نقل العلم وتذوق الادب الذي علموه لنا بضمير متفان، بل وفي توعيتنا بقضايانا الوطنية العادله،التي تشغلنا ونعيشها ونتنفس منها.
سلام على أساتذة كانوا يرون فينا الامل والمستقبل، فما كفوا يوما عن التعلم لتعليمنا مهارات التفكير والتدبير والتغيير، أذكر منهم: المدير أبو نزار فارس حسين، والاساتذة: فتحي الشيخ عبد، عبد الرحمن الشيخ مرعي، ابراهيم الصالح التايه، سعيد الكرمول، عمر الزبده، عبد الحميد الحج احمد، فتحي ابو اصبع، وجيه ابو العون، جميل النجار، فايز الشايب، خليل الحنبلي، ودرتُهُم سيدي ابو محمد ( عبد القادر حامد من ذنابه ).وأذنة المدرسة السادة: عبد الرحيم ابو عايشه، راشد ابو عايشه، رشيد ابو عايشه، ومحمد السليم؟!
اهناك احد من أبناء جيلي، بالاضافة لمن ذكرتهم في النص السابق، اضيف: خطاب، سامي نايفه، رشدي التينه، عمر ابراهيم فريج، عطية فريج، فتحي ابو عرجه، محمد مصطفى الشيخ غانم، سليم رشيد جرار، شوكت ابو عايشه، تيسير النجار، راسم زهراوي، كرومه، نزار فارس، محمد ابو حلوه، جميل أبو توما، جميل اسماعيل فريج، رياض عبد الرؤوف، جمال ابو شمط، وأبو علاها محمود عبد الله ايوب، ينسى توجيهات سيدي ابو محمد: الرؤوس مرفوعة والصدور المدفوعه؟ او ابو فراس ابراهيم الصالح الذي بشجاعته واخلاصه وإيمانه باننا من جيل التغيير، ارضعنا الوطنية عبر بوابات وعتبات التعرف على الكيفية التي بِيْعت بها فلسطين؟ ومن هو البائع؟ كيف تمّت الصّفقة؟ ومن هم الوسطاء؟؟؟
لقد جرت العادةُ أنّ التلاميذ كلّما يكبرون ويتقدّم بهم العمر، فإن احتياجهم إلى معلّميهم وأساتذتهم يقلّ. لكننّي أجدُ نفسي اليوم على خلاف ذلك؛ أشعر أنّ حاجتي لهم أشدُّ، علني أفهم لِمَ دمّروا كل ما هو جميل في التربية والتعليم، ومن المسؤول؟ وعلّني أفهم شيئا مِما يجري من وقائع تفريط وتخاذلٍ، وليأخذني صوتهُ الحرُّ الثائر الحارُّ، إلى أحلام التحرير والحرية والطموح والأمل بالانتصار.
هيّا نُردّد الآن ومَعا، شيئا مما علمونا أن نُردّده كلّ يوم، وأحلامنا تسبقُنا وهي تتألق، وسنبقى نردّد: مَوطِني موطني، هل أراك، في عُلاك، تبلغُ السّماك؟؟؟!!!