هل التعليم أساس الثراء؟ بقلم : سهى الجندي

آراء حرة …
بقلم : سهى الجندي
كلما أمعنت بالتفكير، فقدت الايمان في أشياء كانت تبدو لك بديهية، ولم يتطلب الأمر سوى سؤال أثناء تدريب طالبة على امتحان عالمي. يقول السؤال “هل توافق على أن التعليم مفتاح الثراء؟” قلت للطالبة “أنا سأرد بعدم الموافقة، ثم أريدك أنت تردي بالموافقة وتقلبي الأفكار التي قدمتها.” وذلك لتدريبها على الجزء الخاص بالكتابة، ثم بدأت التفكير بأسباب عدم موافقتي على العبارة، واقتنعت بها. وهكذا كان تمرينا بسيطا هو الذي جعلني أخرج بقناعات جديدة.
تبين لي من التفكير أن التعليم وحده لا يمكن أن يصنع شيئا، لسبب بسيط وهو أن المدارس والكليات والجامعات حول العالم تعتمد معايير موحدة في التدريس وما على المهتم بالأمر سوى البحث في جوجل عن معايير المناهج الدراسية وهي باللغة الانجليزية criteria of curricula وسوف يجد أنها موحدة وتستخدمها جميع المؤسسات التعليمية حول العالم تقريبا.
إذن ما السر في تقدم بعض الدول وتخلف بعضها؟ إنها الثقافة التي تصنع الشخصية، فبعض الدول لديها منظومة ثقافية يعيش المجتمع وفقا لها، بعضها معلن وبعضها غير معلن، فيكون الناتج شخصية معينة هي نتاج هذه المنظومة الثقافية التي يعيش المجتمع حسب مقتضياتها، والتعليم بريء من المسؤولية عن التقدم والتخلف.
عند دراسة المجتمعات، يستخدم علماء الاجتماع استراتيجية الملاحظة ويراقبون جميع المتغيرات التي تلعب دورا في تكوين الشخصية الفردية وخلق الوعي الجمعي، والأفعال المقبولة لدى المجتمع والأفعال غير المقبولة، وبناء على ذلك، يمكن دراسة المجتمعات المتقدمة وتحديد العوامل التي جعلت من الأفراد أشخاصا مبدعين ومنتجين ومسيطرين على قياداتهم ويأمرونها ماذا ما تفعل وماذا لا تفعل ويكافئونها ويعاقبونها. ولا يقتصر هذا على الفئة المتعلمة فقط، بل يمكن لشخص متسرب من المدرسة أن يمارس حقه فيها بمباركة من المجتمع الذي يقر بحق جميع أفراد المجتمع بأن يكون لهم رأي يطالبون به، ولا ننسى عامل النظافة السوري الذي كان يعمل في مستشفى بريطاني والذي أجبر البرلمان البريطاني على تغيير قانون يمنح امتيازات معينة للطاقم الطبي في المستشفيات بحيث يشمله القرار كونه كان يعمل في مستشفى ووظيفته هامة جدا.
إذن فالتعليم ليس له دور أساسي في رقي المجتمع وتقدمه، فالاختراعات التي قلبت العالم لم تأت من متعلمين تعليما عاليا، بل من أشخاص عاديين، والمصانع التي تنتج إنتاجا ضخما وتجلب أموالا طائلة للمجتمع ليست نتاج أساتذة الجامعات، بل هي نتاج أشخاص لديهم رؤية ثاقبة، وشتان بين المتعلم وصاحب الرؤية الثاقبة والتفكير المنطقي القادر على رسم خريطة ذهنية يرى فيها الفعل ونتائجه، ويخرج باستنتاج معين منطقي ومرجح الحدوث، ثم يقوم بتطبيقه. ولكن هذا ليس كل شيء. فقد يتحمل الانسان المخاطرة ويقوم بتنفيذ مشروع ثم يخسر كل شيء ويغدو معسرا يتسول لقمة العيش، فهذا الإنسان يحتاج الى بيئة تشجع على الابتكار وحاضنة رفيقة به وتمد يد العون له من قبل الأسرة والمجتمع والقيادة، وقد يستغرب القارئ إذا علم أن جميع هؤلاء الناس يعرفون أنه سوف يفشل بسبب العوامل الاجتماعية والبيئية والسياسية المحيطة به، وينتظرونه حتى يسقط ثم يضحكون ملء أشداقهم.
فإذا كان الناس يدركون أن البيئة لا تشجع على الابتكار، لماذا لا يغيرونها؟ إن عوامل التغيير كثيرة وعلى مستويات متعددة، واذا كان لدى المهتم وقت، فليقم بعملية مقارنة بين النرويج والصومال على سبيل المثال من حيث: الجغرافيا والمناخ والثقافة والقيم المشتركة والتوافق الفكري بين أفراد الشعب والقيادة التي ترسم لهم خريطة الطريق، وسوف يدرك أن الاختلاف كبير جدا، ومن المحال أن يتغير الصومال ويصبح مثل النرويج. فالعوامل الطبيعية مختلفة والقيم الاجتماعية والثقافية تجعل الانسان خائفا من تجريب أي شيء وخانع ومنقاد ويسير مع القطيع ويطيع ولي الأمر ولو جلد ظهره. وهذا ينطبق على غالبية دول العالم الثالث.
بحسب التقارير العالمية، فإن الناتج المحلي لكافة الدول العربية مجتمعة يأتي في المرتبة الثامنة بعد فرنسا، وهذا يتضمن الدول النفطية مجتمعة، وغير صحيح القول أن الدول العربية هي دول نامية، بل هي متخلفة وليست نامية، هل يعقل أن ناتج الدول العربية مجتمعة بما لديها من نفط وثروات تأتي في المرتبة الثامنة؟ إذن ماذا عن الدول العربية منفردة؟
لا يمكن أن يعزا هذا الى التعليم، فالولايات المتحدة تحتل المرتبة 58 في امتحان البيسا PISA الذي تعقده منظمة الأمم المتحدة للتنمية والتعاون الاقتصادي OECD وهي أضخم اقتصاد في العالم، وتسبقها سنغافورة وهونغ كونغ واليابان وجميع الدول الاوروبية مما يدل على أن التفوق في التعليم وجودته الممتازة ليست هي الأساس، ولدينا أمثلة كثيرة مثل مصر ولبنان وتونس وغيرها من الدول العربية المتميزة في نظامها التعليمي، ولكنها تعيش في حالة فقر ونسبة الهجرة لديها من مرتفعة جدا، وقبل أيام فاز فتى أردني ببطولة القراءة في مسابقة على مستوى العالم العربي، وما الذي ينتظر هذا الفتى المتميز؟ وظيفة جيدة ودخل معقول ومستقبل مقبول، لكنه لن يغير شيئا على أرض الواقع، حتى لو هضم كل الكتب في الدنيا.
نحن نعيش في مجتمعات تقتل روح الابتكار والمبادرة وتجبر الشخص على عدم الخروج عن القطيع بالعصا وتشجع على اللصوصية والنفاق والقسوة والإذعان والكذب واذا شعر البعض بضرورة التغيير للنهوض بالمجتمع، فإنهم سيهزون عصا الاسلام ويأمرون الناس بعدم الخروج عن القطيع، ويهددونهم بالويل والثبور اذا ناقشوا أمورا لا تتفق مع روح العصر كطاعة ولي الأمر وخُمس موارد الدولة لله والحاكم والقتل للمرتد وقطع يد سارق البيضة والعبودية والسبي وملك اليمين والشورى غير الملزمة ناهيك عن سب عائشة والدفاع عنها والموت في سبيلها.
مخطئ من يظن أن التعليم يجلب الثراء، بل الوعي الجمعي والثقافة بمجملها التي يتفق عليها المتعلم وغير المتعلم والقيم المشتركة التي تطلق القدرات الفردية وتشعل الروح بحب الحياة وتصون الحريات الفردية وتلغي العقوبات المعلنة وغير المعلنة المتعلقة بالحرية الفردية وتفرض حكم القانون وتساوي بين الناس وتحترم إرادتهم وتستغل إبداعاتهم لجلب الخير الذي يعم المجتمع ككل وتقطع يد الفاسد وليس يد سارق البيضة والحبل وترد للإنسان اعتزازه بنفسه وليس بولي أمره ولا تعاقبه اذا انحرف بل تساعده ليقف على قدميه وترأف به، ولا تمارس القسوة إلا على من يعتدي على الناس وحقوقهم وكرامتهم وحقهم في العيش الكريم.