ماهيّة الوطنية والمواطنة . بقلم : أنور ساطع اصفري

دراسات …..
بقلم : أنور ساطع اصفري … امريكا ….
من خلال الحسّ النبيل تُولدُ الوطنية ، ويتوفرُ الولاءُ للوطن ،
والتضحية من أجله ، وتتوفرُ النخوة والشجاعة والكرم في سبيله .
كثيرون هم اللذين يقولون عن أنفسهم بأنهم وطنيون ، لكن ممارساتهم هي عكس هذا المنحى وأمام الجميع وعلى مرأى الجميع ، لذلك نقول بأن الوطني هو الذي يملك حسّاً وطنياً نبيلاً وهو الذي يملكُ كل أبجدية الولاء والإنتماء للوطن ولسيادته . فقد يوجد شخص ما ، أو جماعة ما ينعتون أنفسهم بالوطنية ويُتاجرون ويتحدثون بإسمها ولكن حال كونهم يستقوون بالأجنبي على الوطن فلقد سقطت عنهم كل صفةٍ من صفات الوطنية . فمن يستقوون ويستنجدون ويتلقون تعليماتهم من دوائر خارجية وأجنبية هم قولاً واحداً لا يمتّون ولا بأية صلة للمفهوم وللمنطق الوطني ، ولا لحضن الوطن ، ولا لترابه ولا لنسيجه الوطني والاجتماعي .
طبعاً نحن نتناول هذا الجانب الذي هو طرفٌ من معادلة ذات طرفين ، ” الوطن ” – ” المواطن ” . فلكي يمارس المواطن وطنيته الحقة على الأرض ، لا بدّ من أن يكون هناك مناخاً سياسياً سليماً في الداخل ، كي يستطيع الإنسان أن يُمارس دوره فاعلاً مع الوطني الآخر ، بعيداً كل البعد عن سياسة القمع أو الإقصاء ، والعمل بسياسة قبول الرأي الآخر بغض النظر إن كان يوافقني الرأي أم لا .
هذا الوطني وذاك الوطني يجب أن يشعر كل منهما بالمواطنة الحقيقية داخل الوطن ، وأن تكون أمور كل مواطن مؤمنة من رعاية صحية وغذائية وتربوية ونزاهةٍ قضائية ومستوى معيشي يؤمن الحد الأدنى على الأقل من كرامة المواطن وراحته ، وتوفير التعايش الإيجابي المشترك بين كل مكونات مجتمع الدولة ككتلة واحدة .
فالإحساس بالشعور الوطني يتم بأعلى صوره من خلال تآلف التعددية السياسية في البلاد ، وليس من خلال سياسة الحزب الواحد وقمع الآخر ، والإستهتار بمطالب الشعب ، والإستبداد في المواقف ، فشتان بين الحالتين . الوضع المعاش الآن في العديد من دول المنطقة هو وضع إستثنائي متدهور ، ويجب في هكذا وضع أن تتكاتف الأصوات الوطنية وتتوحد بهدف المساهمة الفاعلة في إنقاذ الوضع والأخذ بيد الوطن والأمة نحو بر الأمان .
فالبرامج الوطنية تحتاج إلى جهدٍ ونتائج إيجابية على عكس ما يُطبخ في
الدوائر الأجنبية و وفق أجنداتٍ يعمل من خلالها الآخرون ، عبر التأجيج
وإستلاب وإستحلاب عواطف الناس دون عقلهم ، أو مصالحهم ومصالح الوطن .
فمنذ 11 عاماً بعض دول المنطقة تعاني من العدوان الذي فُرض عليها من خلال الربيع العبري المدعوم من خونة الوطن اللذين أججوا وطالبوا الغرب بالتدخل العسكري وقصف بلدانهم بالطائرات ، فهل هؤلاء وطنيون
فهم في حقيقة الأمر لا يمثّلون إلاّ أنفسهم ومن يموّلهم ويدعمهم . فهلالوطنية هي أن تدعو الغرب وجيوشه لإحتلال بلادنا ؟ ، بكل تأكيد إنها خيانة عظمى ليس إلاّ .
وبنفس الوقت يجب أن يكون الوطن والمقصود هنا الحكومة أو القيادة مساهمة فاعلة في خلق مناخٍ سياسي إيجابي على الأرض ، كي نستطيع أن نقول أن هناك في قمة الهرم حسّاً وطنياً صادقاً في الشارع السياسي ، حيث يجب الدفاع عن حقوق الإنسان والقيام بإصلاحٍ سياسي شامل ، وإطلاق الحريات والتعددية ، وبتر الفساد وحيتانه في كل مؤسسات الدولة ، و سيادة القانون ، ونزاهة ونقاء القضاء ، وتحرير سياسة وإقتصاد البلاد من التبعية للخارج ، وبناء دولة المؤسسات ، وتعزيز المسار الديمقراطي وإحترام الرأي الآخر ، والفصل بين السلطات ، وإطلاق يد السلطة الرابعة ” الإعلام ” ، وإطلاق مؤسسات المجتمع المدني وفق الثوابت الوطنية ، والتداول السلمي للسلطة ، وإعطاء كل مكونات المجتمع الحقوق فيما بينهم
بشكلٍ متساوٍ بعيداً عن سياسة المزايا والمحسوبيات .
ففي هكذا أجواء تخيّم عليها قيم العدل والسلام والحرية ، يتوالد الحسّ
الوطني بشكلٍ سليم ، ويملك الوطن حرية قراره السياسي والاقتصادي في
البلاد .
فحالة إحتكار السلطة ومن خلال سياسة الحزب الواحد تُقصي الصفة الوطنية ، فلا أستطيع أن أكون وطنياً وأنا أُمارسُ عملية الإقصاء ولا أعترفُ بالآخر
. ففي الأجواء السياسية الإيجابية فقط يثمر الحوار ، بينما إذا كانت
سياسة الإقصاء قائمة ، فبكل تأكيد لا حوار يثمر ، ولا أبجديةً وطنية تنمو
.
فالوطن ليس حكراً على فئةٍ ما دون سواها ، بل هو وطنٌ لكل الشعب وبكل
مكوناته ، وفي هكذا حالة يجب أن تكون كل مؤسسات الدولة ممثَّلةً بالشعب ، وممثِّلةً للشعب ، وتؤدي كل وظائفها السياسية والإجتماعية والإقتصادية بكفاءةٍ وطنية عالية تحترم من خلالها الوطن وكل مكونات المجتمع بكل طوائفه ومذاهبهِ وأعراقه .
فالحسّ الوطني ينمو بشكله الأمثل مع زوال ثقافة الحقد والصراع ، وثقافة
الكراهية والإقصاء من المجتمع . كي تسود مكانها ثقافة التعايش المشترك ،
والحرية والعدالة والديمقراطية على المستويات الثقافية والفكرية
والتربوية داخل المجتمع . وأن يكون الوطن متمتّعاً بالتعددية السياسية ،
فمن خلال ذلك تعلو وتطفو الهوية الوطنية الجامعة لكل مكونات المجتمع ،
وبالتالي إشراك كل هذه المكونات بشكلٍ فاعل في صناعة القرار السياسي
والإقتصادي في البلاد . لأن الوطنية تعني الولاء والإنتماء لهذا الوطن
الذي نحيا عليه من خلال التفاعل بين طرفي المعادلة ، أي بين الوطن
والمواطن . حيث تتوفر للمواطن حقوقه القانونية والدستورية كاملةً والتي
يجب على الوطن إحترامها . فالوطنية هي حسّ إيجابي جوهره الأساسي هو حب الخير والتضامن مع الآخر ، وهي أيضاً فكرٌ إنساني جوهره الحوار مع الآخر والتفاهم مع الآخر . فلقد علّمنا التاريخ بأن من خان وطنه وإستقوى عليه بالأجنبي لا بُدَّ إلآّ سيدفع الثمن غالياً ، إمّا على يد شعبه الذي يلفظ كل من تنازل عن إنتمائه وعزته وكرامته ووفائه لوطنه ، أو على يدِ الأجنبي نفسه الذي سرعان ما يُضحي بعملائه ويتخلّى عنهم ويرميهم في حاويات قمامة التاريخ .
ومن جانبٍ آخر نقول إن الوطن ” الحكومة ” إذا سلك سلوك الأحادي بعيداً عن مجتمعه ، سيعيش محصوراً في عللٍ شخصيةٍ وإجتماعية وفكريةٍ متناقضة ، بحيثًُ تفقد هنا الوطنية معناها الحقيقي ليصبح الحب للوطن عبارة عن صفقة تجارية ، وهناك رابح وهناك خاسر ، وهناك مشاعر تنافسية نحو الأسوأ .
هكذا تكون هي الأحوال في هكذا حالة . فالوطن ليس هو أنت ، وليس هو أنا ، وليس هو نحن كمجموعة ، بل هو بيتنا ولأولادنا ولأحفادنا جميعاً ، فهذا البيت إذا هُدّمَ بكل تأكيد سوف لن نجد لنا بيتاً يأوينا حتّى ولو فتح لنا كل العالم بيوتاته . فالوطن هو أكبر من الجميع ، ويتسع للجميع ، وهو أغلى وأكبر من كل الأشخاص ، ومن كل الأفكار والإتجاهات ، ومن كل المصالح والمكاسب والمحسوبيات . فالوطن هو لوننا الذي نتميّز به ونفتخر به ونعتز ، والوطنية هي الثوب الذي لا يمكننا الإستغناء عنه ولا في أي فصلٍ من الفصول .