ا لخوف – قصة : وليد رباح (نشرت هذه القصة في الاداب اللبنانية سنة 1973)

القصة …..
قلم : وليد رباح – امريكا
عبرثقب التنشين .. كنت ارى النمل يلج اخاديد الحصى متجها نحو الجرح .. يعب منه حتى حافة الارتواء ..أرتجف هلعا .. ثم يختلط الطين والهواء والبلل بكل شذرات الرمل المنسدلة على حبيبات عرقي .. اصرخ واصرخ .. استيقظ والضحك يملآ الخيمة الرازح تحت حلقات الدخان .
جاء – ابو العلاء- رجل اذا ما وضعت ذهب الارض في كفة ميزان وهو في الاخرى يصعب ان تميز من هو الاثقل .. قال بعد ان حك رأسه : رفقا به .. تجربته لم تزل فجة .
انطلق الضحك بعد خفوت .. دفنت رأسي ثانية .. حاولت ان اغفو .. اخترق دبيب النمل تجاويف رأسي ( منذ الغد ساطرد النمل من كل ثقب للتنشين لارى جنود العدو .,. افرغ المخزن بلمسة سبابة )
لامست رائحة ( الميرمية) شعيرات انفي .. وكزني ابو العلا برفق : ( ابو حديد دف معدتك بقليل من الشاي) ضحكوا جميعا.. خيل لي انه يستبدل اسمه بآخر .. قال آخر بلهجة اهل المدن : آل ابو حديد آل .. يا اخي سمي حالك ابو أشه .. أبو خشبه ..
رفعت رأسي مبتسما.. قال ابو العلا : عيب يا شباب
تناولت كوب الشاي .. لسع اصابعي بقسوة .. تحاملت على نفسي كي لا اثير عاصفة اخرى من الضحك والتعليق .
رشفت قليلا .. هرعت الى امعائي سخونة لذيذة .. احسست بخدر قال ابو العلا
1.الليلة عرس حامد يجلس الان الى عروسه في المخيم .. قررنا بعد رحيله ان نحتفل هنا
اختفت همساته بالنعاس والخدر .. طافت حول مسمعي كلمات رائقة كصفاء الماء
أوف .. اوف : يمين الله ما بانسى حبيبي .. ولا بانسى الليالي والهنا .. لو ابعدوك عني يا حبيبي .. لاجيبك والله من سابع سما .
ابتسم ابو العلا .. ابن فرحه ( قبل الثورة كان يغني في الاعراس عتابا وميجانا .. اما اليوم .. فتصاحب كلماته بعض الطلقات ..
التفوا حلقة في وسطها ابن فرحه .. سرحت كلماته الى الناي والمخيم وطاولة النرد .. وصف البرتقال والزعتر وكل ما قد يخطر ببال .
فجأة توقف كل شىء .. اشرأبت الاعناق .. لفحت مسامعهم اصوات قريبة .. حوار ثم ضحكات تسيل كخرير الماء في ليلة صيف ..
2.لا شىئ هنا .. اهل القرية يصرون على الاحتفال بعرس حامد .. جاءوا .. على رؤوسهم كوفيات تلمع تحت الضوء الباهت\
3.يا مرحب بالشباب ..
4. المختار .. كلما سمعت باسمه هرعت الى الملجأ. طويل كما النخلة .. عريض كمساحة ارض ( القاعدة) .. كعنقود عنب تنفلش حباله دون نظام .
جلسوا :: طاف ابو العلا يحمل علبة السجاير .. انتظروا .. قال المختار
5.ندخن ( تتنا) احمر من نبع الارض انهم يغشون اللفائف .. ضحكوا .. فهم المختار واردف
6.- علمنا حامد ان نسمي الدخان تتنا كما في لهجتكم .. نحن نمتص منه بشغل قبل ان ينقلوه الى ( الريجي) حيث يختلط هناك بالدخان الامريكي فيفقد طعمه ورائحته .
صاح احد الشباب .. شاي يا ابو حديد ,. شاي يا ابو حديد.. انسربت الى الخيمة ببطء ..لماذا يصرون دائما ان اصنع لهم الشاي .. بعضهم يدعي انني اتقن صنعه .. آخرون يقولون انني لا اتقن غير هذه المهنة
اوقدت بعض الحطب ركزت الابريق فوق احجار ثلاثة .. حدقت الى الماء الذي اخذ يطف كفحيح افعى .. لماذا تبرعت بي .. يوم جاؤها تقطر عيونهم قالت ( ولا يهمكم يا شباب .. مانت الاول فخذوا الثاني ) كنت اصغي .. ارتجفت هلعا .. وبدا وجهي كمصاب باليرقان فقالت (ترفقوا به) ضحكت وتابعت ( انه يخاف من خياله ) مضت الان شهور تسعه لم ارها ..
7.الشاي يا ( ابو حديد)
كان الدخان يتصاعد, تحرر الماء من سجنه وفاض على الحطب .. جاء ابو العلا مسرعا
8.فيم تفكر ؟ النار انطفأت
9.لن اعمل الشاي
بهت ابو العلا للحظة .,. لكنه قال
10.وضيوف الليلة
11.فلتصنعه انت
12.حسنا .. وماذا ستفعل
13.سأغني
14.ماذا ؟؟
اندفعت الى الحلقة .. صفقوا .. نظروا الي بدهشة .. تعالت الضحكات .. قال مخيمر ساخرا ( سفقوا .. الا تسمعون ) التهبت الاكف .. وقفت كمن به مس .. صرخت ( صفقوا اكثر ) ازدادوا حماسا .. كان المختار يصفق واسنانه الذهبية تعكس شعاع الضور الباهت
15.وماذا بعد
16.صفقوا
17.لقد التهبت اكفنا
امسكت البندقية من طرفيها .. رقصت .. ملا صراخ الاستحسان مختلطا بالتصفيق .. التقطت اذني كلمات كأنما أتت من واد سحيق
18.كان يخدمنا طيلة الوقت
19.انه يشبه الجنكية التي كانت تؤم الاعراس في قريتنا
20.انظروا .. ان له خصرا نحيلا كعود قصب
21.كان مختبئا في قشوره
وقفت فتوقفوا .. الماء – استطيع الان ان امرهم فيبدوا .. ما اجمل اصدار الاوامر .. انها متعة لذيذة . منذ شهور وهم يأمرونني فاطيع .. اليوم جاء دوري
تسمرت عيونهم نحوي .. سكنوا كأنما هم في مأتم .. ولكن ا انفراج الشفاه انبأ انهم ينتظرون اللحظة التالية
يا عريس مبارك حمامك
والكف يرقع قدامك
اعادوها بحماس غريب .. بدأوا يصفقون بجنون ..
واليوم عرسك واتهنا
واحنا والله ازلامك
22.الشاي يا ابو العلا .. لقد جف حلقي
23.هكذا صرخت .. بدا ابو العلا وقد تاه في خضم تأملات لذيذة .. كان ينظر الي عن بعد ويصفق وقد بدا عليه ذهول غريب
24.- الشاي
25.الشاي
26.حاضر يا ابو حديد .. تابع
ذهب وانحنى ينفخ النار قامتلآ جو الحلقة بالدخان . رقصت حتى شعرت ان ساقي انخلعا .. جلست قرب المختار .. بدأوا يعلقون .. لم المح شيئا .. انصرف ذهني الى العملية ( لقد خرقت حاجز الوهم هذه الليلة .. وغدا سوف اثبت لهم انني ابو حديد)
جاء ابو العلا .. اصر ان يقدم الشاي لي بعد المختار .. تصنعت الجد
27.عيب يا ابو العلا .. الضيوف اولا
28.قال بصوت هامس
29.- سبحان مغير الاحوال
شربوا.. قال مخيمر .. أعد الكرة يا ابو حديد .. قال لابو العلا .. دعه لقد تعب .. عليه ان يغسل الثياب غدا
30.لاول مرة اشعر ان ابو العلا يهينني
31.لن اغسل بعد اليوم
قال بسخرية
هذا رائع .. وماذا ستفعل
32.كل ما تفعلونه
صفقوا جميعا حتى المختار لمعت اسنانه الذهبية وقال
33. انت اليوم ابو حديد
34.( لا لست ابو حديد .. غدا سانتزع هذا الاسم )
35.سيغسل كل منا ثيابه
36.تمرد والله ابو حديد
37.دعوه في نشوته
قال ابو العلا : في الثالثة صباحا سوف ننهض جميعا .. اقترح ان تناموا
قام المختار والضيوف .. ابتعدوا وهم يتبسمون .. تهيأوا للتحرك الى مراقدهم
38.اسمعوا .. اري ان اتكلم اليكم
عادوا وهم يعلقون
39.سأكون احد عناصر عملية الليلة
ماذا ..اتتني القبلات من كل جهة .. دغدغوا خاصرتي بعنف ..
ترك ابو العلا بندقيته واخذ يرقص .. صفقوا له طويلا .. قفز مخيمر في الهواء .. قال سحنون ( مقاتل قلما يتكلم) يا
يا فرحتك يا امه ,, حزن احد الشباب
ذهب ايام الشاي المعطر بالميرمية .
سحبت بطانيتي من الخيمة .. افترشت الارض والحصى .. بدا انهم استسلموا لنوم هانىء .. كانت انفاس مخيمر تلفح وجهي وتخرج صريرا كأنه صوت باب صدىء .. ثم علا شخيره
الليل .. آه من الليل . اخشى عند بزوغ الفجر ان تستيقظ كل احلامي فاصبح مضغة الافواه ثانية .. عندما احلم بزحف النمل عبر ثقب التنشين فاصحوا واطرده يبتعد عني بسرعة الضوء المتموج ..أيتسنى لي ان ارى جنديا عبر الثقب ولا ترتجف يدي .. ساقطعها اذا ارتجفت .. مخيمر هذا الذي تقتلني انفاسه .. لماذا يطلق النار وكأنه يرسم لوحة سيريالية .. ربما خاف في اول مرة لكنه اليوم كما اسمع يستطيع اصابة الابرة .. ليتني كنت مخيمر وكان مخيمر انا .. ساتحمل رائحة انفاسه العفنة .. يقولون ان الانسان لا يشم الا رائحة غيره .. ما يهم ان اصبح مخيمر وان لم استطع ان اكونه فلاكن مثله .
تقلبت فانغرس حجر في خاصرتي سرحت بنظري عبر النجوم .. امتلآ الفضاء بالاف الكلمات مرسومة على ورق ملون تمجد العملية .. واذا مت سموني بطلا .. ما اتفه ذلك .. ساصعد الى النجمة اللامعة في اقصى الشرق لانظر الى مخيمر واسمع شخيره الذي ينثني كراقصة لعوب .. ما اشد كرهي للموت
سمعت خطوات قريبة .. وقفت كل شعرة في رأسي .. الفيت حارس القاعدة يغطي الشباب الذين انحسر عنهم الغطاء .. تنفست بارتياح غير ان الارتياع لم يزل يلف انفاسي .. حدقت الى الحارس جيدا .. ما اروع هؤلاء الشباب .. تأكله لسعة البرد ثم يأتي ليغطي الاخرين
نظرت الى ساعتي .. كانت تقارب الثالثة صباحا .. سعلت بتؤدة كي اجلب انتباه الحارس
-ابو حديد .. تعبت الليلة كثيرا
-لا بأس .. سانهض لاستكمال رحلتي
عندما نهضوا – كنت اطعم سلاحي نقط الزيت فيشربه بشراهة .. اتجوا الي .. ربتوا على كتفي .. لمعت في عيني ابو العلا بواكير دمعة وليدة وسرنا عبر الاشجار المغروسة في لحم الارض .. ,وعندما عدت .. سمعت زغردة امي ومن بعدها تقول : ولك يا مقصوف العمر .. رفعت راسي ..