أسرة سلمى – العدد 28 بقلم : سعيد مقدم ابو شروق

فن وثقافة …..
بقلم : سعيد مقدم ابو شروق = الاهواز
– رحم الله أباك وأدخله الجنّة.
– آمين، شكرا لك.
– أبا سعد، أرجو أن لا تزعل إن أخبرتك أنّ إخوتك لم تعجبني تصرّفاتهم.
بعد دفن أبيك بساعات دخل أخوك الأكبر يبحث عن ملابس أبيه ويطالب بصوت يسمعه الجميع:
أين البشت؟ البشت لي، ملابس الأب يرثها الابن الأكبر!
وأتساءل، هل هذا الوقت مناسب للمطالبة بملابس أبيه؟!
ثمّ هل هناك حكم ديني، أم قانون عرفيّ ، أم حكم جاهلي، يقرّ بأنّ ملابس الأب للابن الأكبر؟!
– شقيقي الأكبر سامحه الله لم يزر أباه وأمّه إلّا مرّتين في السنة!
وجزعه هذا تمثيل أمام الناس ليس إلّا.
– كيف لم تستطع أن تقنعه بعدم إقامة مجلس تأبين؟!
– حاولت كثيرا، أقنعت الأصغر، وباءت محاولاتي مع الأكبر بالفشل!
أحببت أن نتصدّق بهذا المال الذي أنفقه في مجلس التأبين، على الفقراء والمساكين؛ لكنّه أبى إلّا أن يقيم مأتما!
حبيبتي، أمّي ستسكن معنا، هل لديك مانع؟
– لا طبعا، كيف أمانع وهي أمّك؟! سنخصّص لها الحجرة الكبيرة.
– هذه الحجرة بالكاد تتسع إلى أغراضها.
وشكرا لأنّك لم تمانعي حضور والدتي.
بعد ستّة أشهر…
بدور: أبي، جدّتي تمشي حافية في الفناء ثمّ تدخل الصالة دون أن تغسل رجليها فتوسّخ السجّادات.
وإن دخلت الحمّام لا تقفل الباب.
وبعد خروجها من المرحاض لا تغسل يديها بالصابون.
وتمسح أنفها بحجابها، وأمس رأيتها تبصق في المطبخ.
فؤاد: بنيّتي بدور، جدّتك قد تنسى أن تحتذي نعالها، مثلما أنت قد تنسين.
وإن دخلت الحمّام، ابتعدي قليلا عنه، وعند خروجها من المرحاض، ناوليها الصابون واطلبي منها برفق أن تغسل يديها؛ هكذا:
جدّتي العزيزة، تفضّلي اغسلي يديك.
ولا بأس أن تحضري لها بين الفينة والأخرى منديل ورق.
والآن أخبريني، من هي بنيّتي المدلّلة الحنونة التي تساعد جدّتها.
– أنا.
سعد: أمس علست جدّتي الخضرة ورمتها على السماط.
وخرطت البلح من النخلة ولم يزل أخضر فأكلته!
وتفتح الثلّاجة نصف ساعة تفتّش ما فيها من أعلاها إلى أسفلها.
فؤاد: ولدي سعد، ماذا سوف تفعل بي عندما أطعن في السنّ وتسيء تصرّفاتي، ترتعش يدي فيسقط الرزّ من ملعقتي على السماط، أريد أن أبلع اللقمة فلا أستسيغها فألفظها، أخرج طاقم أسناني فأضعه في إناء الماء والملح أمام أطفالك، أجلس على الأرض وأمدّ رجليّ أمام ضيوفك، أشخر في منامي بصوت مزعج…
هل سترميني خارج بيتك؟
– كلّا يا أبي.
– ستتحمّل تصرّفاتي لأنّني أبوك، صحيح؟
– نعم.
وهذه والدتي، كبرت وأمست تصرّفاتها غريبة، وعلينا أن نتحمّلها.
– حسنا، لن أشكو منها بعد الآن.
سلمى: حبيبي أبا سعد، أرجو أن لا تستاء إن أخبرتك عن والدتك وهي تستغل غيابي فتعبث بملابسي وأشيائي الخاصّة، ولا تترك ماعونا إلّا أكلت منه، حتّى لو كانت شبعى، أمس نهضت من مائدة الغداء ولم تكمل صحنها، فتوجّهت إلى قدر الرزّ فأكلت منه بيديها، وشربت من المرق قليلا، وفي اليوم أغسل المرحاض بعدها ثلاث مرّات أو أربعة، وقبل يومين ضربت بدور لأنّها كانت تلعب بالأرجوحة واصطدمت بها.
بالمناسبة هي أمّ إخوتك أيضا، فلماذا لا يشاركوننا في رعايتها؟!
فؤاد: الحقّ معك حبيبتي، أدري أنّك لست ملزمة برعاية والدتي والتي بلغت من الكبر عتيّا، سبعة وثمانين عاما، أمست في أرذل العمر، وفي هذا العمر قد تتصرّف على غير هدى، أو قد تظنّ تصرفاتها اعتياديّة حيث كان أفراد الأسرة في ذلك الزمان يأكلون بأيديهم وفي بادية واحدة، ويشربون من (مدانة) واحدة وبإناء واحد، وفي كلّ غرفة كانت أصابعهم تلامس المياه.
هي من جيل وأنت من جيل آخر، جيلها يبعد من جيل سعد وبدور أكثر من ثمانين حولا؛ ولهذا ترون تصرّفاتها غريبة.
فأرجو منك أن تتحمّليها لأجلي.
– حسنا، لا بأس، سأصطبر لأجلك.
– أشكرك كثيرا.
بالنسبة إلى أبنائها، هل أرميها عليهم رميا؟!
أمّ سعد، المرء وذاته.
– صحيح، أنت محقّ.
ربّما حجّتهم هي أنّ الوضع الاقتصادي صعب وإيواؤها مكلّف، خاصّة وأنّ المرحوم لم يترك لها راتبا تقاعديّا.
الحمد لله الذي رزقنا وجعلنا قادرين على إيوائها.
– الحمد لله، وأشكرك ثانية.
سعيد مقدم أبو شروق
الأهواز