تعلم الفساد ” الثوري” في أقل من ساعة – بقلم : مهند ابراهيم ابو لطيفه

دراسات ساخرة ….
بقلم : مهند إبراهيم أبو لطيفة – الاردن …
من الظواهر المعروفة التي ترافق نشاط جميع الحركات الثورية في العالم، وتعتبر من أبشع صور إستغلال القضايا الإنسانية والتحررية والعادلة، ظاهرة تفشي الفساد في بعض الأطر والمنظمات والفصائل والجماعات التي تخوض غمار العمل الوطني وتحقق الكثير من الإنجازات ويقدم أفرادها تضحيات كبيرة قد تصل حد الشهادة.
وكما هو معروف أن الفساد يرتبط دائما بسيكولوجية الفرد ، إلا أنه قد يتحول إلى عمل جماعي منظم يمكن أن نطلق عليه صفات كثيره منها : الشللية ( شلة الحرامية) والتشكيل العصابي أو المافيا،وتختلف مستويات هذا العمل المنظم حسب إعتبارات المركز والوظيفة أو المنصب أو طبيعة العلاقات وتشعبها وكذلك الإمكانيات المالية المتوفره وفرص التكسب غير المشروع.
التجربة الإجتماعية التي يعيشها معظم الناس ، وسيل المفضوح من أعمال النهب والسرقة وعمليات الفساد التي تنشرها وسائل الإعلام، وحجم القضايا التي تنظرها المحاكم، تؤكد تفشي هذه الظاهرة في العديد من المؤسسات الرسمية وغير الرسمية للدول، أما على صعيد بعض الأحزاب فهي غالبا تبقى طي الكتمان ويتم التستر عليها، أو معالجتها داخليا لغياب الشفافية والحياة الديمقراطية والعقلية الفئوية وغيرها من الإعتبارات.
من الضروري الوعي الدائم من قبل من يحمل في قلبه وعقله المشاعر والمواقف السامية النبيلة إتجاه قضاياه الوطنية، ومن يناضل من أجل مجتمع الحرية والعدالة وديمومة وإستمرارية العطاء والمشاركة الشعبية، مع إدراك حقيقة أن هناك وبالفعل كم هائل من التشوية والتهم الباطلة وقدر كبير من التسرع أو عدم الفهم أو الشيطنة المقصودة ، والتي تأتي تعبيرا عن أحقاد وصراعات شخصية، وتكون مجرد أساليب رخصية لحرق الشخصية وتشويه السمعة، وكذلك ربما تقف ورائها دوائر وأجهزة “معادية” ، وهو ما يحتاج إلى اليقظة والإنتباه والتمييز.
تلخيصا لعنوان المقالة، أورد تاليا بعض الأمثلة مما قرأت وسمعت ولاحظت، مع أملي أن تقبل على أساس العلم بالشيء، لا أكثر ولا أقل.
أولا: يقنع الفاسد نفسه بأنه قدم لشعبه وقضيته الكثير، وضحى بما فيه الكفاية، فلا مانع لو حقق مكاسب شخصية بالتوازي مع عمله في الإطار الوطني، وبذلك يجد لنفسه تبريرا أخلاقيا ، ومن الممكن أن يكرر عبارة ” والعاملون عليها ” لإعطاء صبغة دينية لجريمته.
ثانيا: يتقرب لأقوى مراكز القوى أو المحاور أو الأقطاب أو الشخصيات التي تجمع بين المركز والإمكانيات المادية، يقدم لها الخدمات بكل إخلاص ويسعى لكسب ثقتها، وينتهز الفرصة المناسبة لتحقيق أهدافه.
ثالثا: يحاول نسج شبكة من العلاقات الشخصية تشكل له الغطاء المعنوي وتقدمه إلى الصفوف الأولى، لكي لا يظهر فساده.
رابعا: يهتم بترديد نفس شعارات وعبارات وأطروحات سيده وولي نعمته، ويبرر له كل أخطائه وربما حماقاته لكي لا يفقد مركزه، ويحاول أن يصور الأمر على أنه تعبير عن المحبة والولاء.
خامسا: يستفرد بالضعفاء والمساكين والمخلصين وغير المسنودين، ويحاول إستعمالهم أو إبتزازهم أو إعتبارهم ” أحجار شطرنج ” أو أدوات ، ويستغل حماسهم الثوري ، للوصول إلى أهدافه.
سادسا: يقوم غالبا بعمل مشاريع تجارية موازية لنشاطه السياسي ، ويدمج بين المجالين عن قصد لعمل صفقات مربحة.
سابعا: يسعى بجميع الوسائل لإيجاد ممول وداعم أو راعي ثري لأنشطة أو فعاليات يقوم بها، لا يتم التدقيق حسابيا بمواردها ومصروفاتها .
ثامنا : على إستعداد مقابل الحصول على المال، تقديم كشوفات غير حقيقية وأسماء وهمية عن عدد الأعضاء أو طاقم العمل معه، أو حتى إستخدام أسماء لم تعد على قيد الحياة.
تاسعا: يسعى بكل الوسائل وأساليب الخداع، لإبعاد أفراد عائلته أو المقربين منه عن خوض غمار العمل الوطني، ويحاول إبعادهم عن ساحات المواجهة المباشرة، وإشغالهم بأعمال أخرى، أو إرسالهم في بعثات هنا أو هناك للدراسة والتحصيل العلمي وغالبا عن طريق بعثات دراسية، بينما يتم إستثناء الفقراء والمعدمين – حتى من أبناء الشهداء والأسرى – ويطالب شعبه بتقديم التضحيات وممارسة العمل المقاوم.
عاشرا: لا مانع لديه من تنفيذ أي أجندة ” مضمونة ” لجهات داخلية أو خارجية ، مقابل تخقيق أعلى نسبة من الأرباح وأعلى درجات الحصانة والحماية.
حادي عشر: غالبا ما يلجأ للعنصر النسائي أكثر من العنصر الرجالي في تنفيذ بعض أعماله الخاصة ومن الأفضل أن تكون من بلد آخر أو دولة أخرى أو معتقد آخر، ويستفيد أحيانا من بعض الخدمات المدفوعة الأجر لو إتيحت له الفرصة.
ثاني عشر: يسعى للترويج لنفسه بمختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، ويعتبر أن الصور التي تجمعه مع كبار الشخصيات أو الرسميين أو رجال الدين، تأكيدا لمصاقيته التجارية وكفائته المالية ، وإستحقاقه لمناصب جديدة، وتشعره بالتميز والتفرد والأهمية، تشبع غروره أكثر، وتفتح شهيته على مزيد من السلطة وكسب المال، تغيظ منافسيه وربما تخيف الآخرين.
ثالث عشر: يحتفظ لنفسه بدائرة صغيرة جدا من المقربين والمحسوبين لجلساته الخاصة، وربما يترفع على زوجة أو أم أسير أو شهيد تأتي لمكتبه على أمل الحصول على حقها أو مخصصات زوجها أو إبنها.
رابع عشر: أفضل الصفقات هي التي تتم بينه وبين المحسوبين على الطرف الآخر وربما المعادي ، وعبر وسطاء أو وكلاء، دون أن يظهر هو بالصورة مباشرة.
خامس عشر: إذا كان الفاسد لا يملك المال أو المركز أو المنصب، وكان يعمل مثلا في مجال الإعلام أو له بعض الإنتاج الثقافي، فلا مانع لديه لأن يتحول إلى ” مرتزق ” أو مجرد بوق دعائي ، على حساب مبادئه أو معتقده ، ويستخدم كل طاقته وإمكاناته للتأكيد على فعاليته وأهمية دوره المدفوع الأجر بالطبع ، وغالبا يتطوع دون أمر مباشر من سيده.
سادس عشر: عندما يتطلب الأمر الحفاظ على مصالحه المالية ، لا مانع لديه من التكتل والتجنح والشللية ، والمساهمة في إتخاذ قرارات مصيرية أو إستراتيجية، وقد يتحمل تبعاتها ونتائجها الكارثية، ثم يحاول تبريرها ” وطنيا وثوريا”، وهي في الحقيقة صفقات تجارية قد تكون رابحة أو خاسره في حساباته.
سابع عشر: يستخدم كل قوته وأسلحته لشيطنة المعارضين والمخالفين والوطنيين والأحرار، ويسعى لتشويههم ودورهم وربما يصل لحد تصفيتهم معنويا وجسديا، أو حتى التسبب بتسليمهم للطرف الآخر المعادي.
ثامن عشر: له حسابات وأرصدة مالية وإستثمارات متشعبة ومتنوعة لكي يصعب رصدها وتتبعها.
تاسع عشر: بمجرد أن تتاح له الفرصة، يلهث وراء المشاريع الرابحة والصفقات الإستباقية والتوكيلات التجارية، ويروج أنها تأتي في إطار ” خدمة الإقتصاد الوطني “.
عشرون : يحلم عند وفاته أن يتم وداعه تحت عنوان الشهادة وأن لا يعرف أحد حقيقته، مع أنه في قرارة نفسه عاش بلا إنتماء حقيقي وبلا مباديء وربما بلا إحترام لإطاره التنظيمي أو حزبه أو شعبه.
هذا المشاهد المتكررة، ينبغي أن تدفع دائما نحو مزيد من الإصرار على ترسيخ مفاهيم الحرية والعدالة وسيادة القانون وإحترام آدمية الإنسان، وحق المحاسبة القانونية والإعلامية، وحق التعبير عن الرأي وتقدير أهمية محاربة الفساد والمحسوبية، والتأكيد على قيم النزاهة، وحماية المشروع الوطني لإرتباطه بمصالح مجموع الناس وتضحياتهم وكفاحهم، والتصدي لها هو ركن أساسي من اركان بناء الإستقلال والدولة، فكرامة الأرض هي من كرامة الإنسان، الفاسد وطنه ذاته المريضة ولا وطن له.