فن وثقافة ……
بقلم : ربا الابراهيم … الجمهورية التشيكية …
وأحيانا ترانا نقف أمام مساءلات عميقة بين الإنسان وذاته، بين الإنسان وقيمه، بين الإنسان ونواقصه، بين الإنسان واحتياجاته الداخليّة على مستوى الحضور الوجودي كذات فاعلة، كذات فاعلة أدركت حضورها كمنجز بلغ غاية وأدّى الفعل، بين الإنسان وتطلعاته، فيكون التلاقح نتيجة تقاطعات متجاوزة للزمان وللمكان، تجد ذاتها خصبة وثريّة وحيّة في أعمال تنشدها على المدى، لأنها احتياجات ذاتيّة ومثل عليا عندما نفقدها نفقد الوجود ذاته، ونذكر – هاهنا- الفنان الإنكليزي ” هربرت غوستافي ” في لوحته التي حملت عنوان “سبتيما زنوبيا …نظرة أخيرة على تدمر ” 1885 ،
هذه اللوحة التي حرص فيها المبدع” هربرت” في لوحته المتخيّلة على إبراز كلّ معاني الشموخ والكبرياء لأسيرة من نوع آخر ، لم تثنها القيود ولم تشلّ عزيمتها أو تفقدها أمل الخلاص بعد أن وقعت أسيرة القائد ” أورليان ” قائد إمبراطور الروم الذي أرسله هذا الأخير على رأس جيش؛ ليخُضع الملكة السورية التي قاومته بكل ماتملك من قوّة وعزّة وجبروت!
وكما قلنا أعلاه، التأثير أحيانا حاجة داخليّة لنكون، حاجة للوجود والانتصار والحلم بالموجود..هو أدب يخلق أدبا ،وفلسفة داخل فلسفة ؛ فدعني أسمعك أيها القارئ العزيز بعض ماكُتبَ في محاولة للتعريف بالأسباب التي دفعت كاتبا كالكاتب التشيكي : “يجي توميك” : ” Jiří Tomek” لكتابة روايته ”
Zanúbije – královna syrské pouště”” : تلك الشخصية التي قرأ عنها الكثير، فعشقها، فحاول خلق شخصيات مشابهة نفح فيها روح الأساطير والتاريخ وسحر الخلود ، من “حتشبسوت” إلى ” ملكة سبأ ” :
” حكمت الملكة السوريّة “زنوبيا” تدمر في القرن الثالث .. هزمت الجيش الفارسي وقاومت روما نفسها، ألهم مصير هذه المرأة غير العادية مخيلة العديد من الفنانين .. و في الرواية التاريخية الجديدة الراوية هي الملكة نفسها.. فيروي حياته كلها للضيوف في حفل عيد ميلاده ، الذي أقيم في فيلا بالقرب من روما.. ” ويصف المؤلف أيضًا شخصيات أخرى من الشرق القديم ” الملكة المصرية حتشبسوت ، ملكة سبأ ، الملك سليمان” ، بالإضافة إلى” الآلهة والأساطير المصرية أو التدمريّة ” ، وإحدى لوحات الغلاف كانت للفنانة التشيكيّة : Jaroslava Bičovská
وليس هذا فحسب، بل وجد الفنان الأوربي في بعض المفاهيم الإسلامية مادة ثرّة وخصبة لتجسيد الجمال الأنثوي، ففي عصر النهضة رسم الإيطالي ” تيشيانو ” Tiziano لوحات تصوّر سعادة من كانت الجنّة نصيبهم، فهم بين أحضان ” الحور العين ” واللوحة تفيض رقة ودلعا وغنجا …وفي الطرف الآخر
كان مرسم الهولندي الواقعي ” رمبرانت ” Rembrandt” البارع في استخدام الضوء واللون ولاسيّما في تصويره شقاء الذين انتهى بهم المطاف إلى النار .
وكان الفيلسوف الفرنسي “جوستاف لوبون ” يردد دائما أن الليالي ويقصد بذلك ( ألف ليلة وليلة ) الطريق إلى الاستشراق وانتشار حركته ، فقد كان الوطن العربي ومنذ بروز الحضارة الإسلامية ومازال محط اهتمام الفنانين التشكيلين العالميين الذين وجدوا فيه ملاذا آمناً لأرواحهم ومعيناً لا ينضب لاهتماماتهم وإبداعاتهم ، و من بينهم رواد وأعلام كبار مثل : ” ديلاكروا،و بول كلي، وكاند ينسكي، وبيكاسو، وماتيس ” وغيرهم الكثير، بعضهم من زار ومكث في بعض الدول العربية، وبعضهم الآخر تواصل معها عبر من زارها من الفنانين والرحالة والدبلوماسيين إما شفاهة أو من خلال الكتب والدراسات والأعمال الفنية التي وضعوها بتأثير من هذه الزيارات أو عبر الترجمات التي تمت لأمهات الكتب ومنها (ألف ليلة وليلة) إلى اللغات العالمية، ويرى الدكتور” ثروت عكاشة” أن مصدر إلهام الكثير من التشكيليين الأوروبيين كان إسلامياً كما أن عالمهم الخيالي مستمد من الليالي فقد رسموا بعيونهم وألوانهم لوحات عديدة من وحيها بعد أن وجدوا في المشرق مادة غنية لفنهم كما وجدوا في سحره المفعم بالحكايات والأساطير والغموض المثير نبعاً تموج به الحياة وتتجدد ، فتحول المشرق إلى وحي وملهم فتناولوا في إبداعاتهم المساجد والحارات والفروسية والصحاري والطبيعة والإنسان العربي والمدن كالقدس ودمشق والقاهرة وبغداد وبيروت إضافة إلى تصوير القيان والحريم ومشاهد الطرب، ورصدوا كل ذلك بلغة فنية كلاسيكية رصينة شديدة الإتقان تذكر بالمعلمين التشكيليين الكبار الذين وصلوا في فنهم إلى تقنية عالية في تصوير الواقع وصلت إلى حد الإعجاز على أن الفنان الفرنسي “فرديناند فيكتور أوجين ديلاكروا “( 1798م- 1863م) وهو زعيم الرومانسيين كان أكثر اهتماماً بتتبع أسرار الشرق العربي، وفتحت الليالي آفاق مخيلته الرحبة فسافر إلى” طنجة ومكناس ” في ” المغرب ” وإلى ” وهران” في “الجزائر ” وأقام فيها فترة يشحن ذاكرته ويزود خياله ويغذي وجدانه بما شاهده وعايشه عن كثب فبقي ينهل من كنوز ما ادخره في إقامته حتى نهاية حياته تاركاً أروع اللوحات الشرقية العربية.
ولقد حاول “ديلاكروا ” الارتقاء بصورة المرأة كنموذج إنساني يحتفظ بلهبه التاريخي، فالمرأة الشرقية المحجبة تجسد بعداً خفياً عسيراً على الإدراك لكنها تمثل جاذبية خاصة، وإذا كان عدد من الفنانين الغربيين قد حاولوا فك رموز الحريم الشرقي إلا أن “دولاكروا” كان الوحيد الذي وافته الفرصة التاريخية لرؤية الحريم بالجزائر فأدرك ماهية الشرق الحقيقي في أكثر عناصره غموضاً وسحراً فشرع في رسم لوحته المشهورة (نساء الجزائر) عام 1834م من وحي ألف ليلة وليلة معتمداً على ذاكرته والاستكشافات (الدراسات الأولية التمهيدية)، فشخصية المرأة الشرقية تنضح شاعرية ورهافة ورخاء يذكرنا بعالم ألف ليلة وليلة.
وهناك لوحة مرسومة بروح شرقية ولن نقول عربيّة لأن العمق الحضاري للشرق أبعد من الوجهة العربية للمنطقة، فالشرق سوري، والشرق مصري، والشرق عراقي والشرق قبائلي أو أمازيغي وهي لوحته : “مصرع ساردانابلوس” ؛ فيصوّر “ديلاكروا ” دراما شعرية مقتبسة عن مسرحية لنفس الشاعر تحكي قصّة ملك آشوري قديم يقع تحت حصار فرضه عليه أعداؤه ، وفي النهاية يفضّل الملك الانتحار على الاستسلام ، غير أنّه قبل موته يأمر حرّاسه بقتل جميع خدمه ومحظياته وحيواناته لكي يموتوا ويُدفنوا معه.
لقد كان للشرق جاذبيته الخاصة بوصفه عالم الأساطير ، وبلغت أسطورة شهرزاد وألف ليلة وليلة المشرق والمغرب، فالسمفونية الموسيقية باسم شهرزاد، والرقص لشهرزداد ، والترجمة حاضرة لكل اللغات ،كي تفي حق هذه الأنثى ، وريثة عشتار في القوّة والحكمة والسياسة والشهوة والسطوة والفتنة والبأس و اللّذة ، والرافد الجمالي المثير للإبداع، واحتفالا بكل هذا شهدت العاصمة السلوفاكية “برتسلافا ” في عام 2008 م احتفال الأوساط الثقافية بنشر الترجمة الكاملة لألف ليلة وليلة في طبعة مذهبة فاخرة بحضور وزير الثقافة ومديرة دار” إيكار” للنشر و مجموعة من أبرز السياسيين والمثقفين والإعلاميين وأيضاً مترجم الكتاب البروفسير “يان ياوليني ” ، وقد نشرت الترجمة في سبعة مجلدات فاخرة ومذهبة ولأول مرة يستخدم نوع خاص من الحرير المزخرف بأشكال شرقية كغلاف ، وكل مجلد يحتوي على العديد من اللوحات القيمة ، قام برسمها سبعة من أشهر الرسامين بعد أن قرأ كل منهم مجلداً كاملا، فجاءت الرسومات معبرة عن تفاعلهم الفني مع النص .
وأخيرا نقول : تعلمنا في علم الفيزياء أنّ للفعل ردّ فعل، وعندما يكون الفعل قويّا يكون رد الفعل أقوى، وقد كان الشرق قويّا ومازلنا نعيش بآثار قوته حتى اللحظة الراهنة… ودائما هي قوّة الخيال تأتي من قوّة الإمكانيّة وفي علم السيكولوجيا حقيقة تقول : مايستطيع المرء تخيله؛ يستطيع تحقيقه؛ فعنصر الخيال في الأثر الفنيّ للشرق خدم العقل الأوربي وفتح خياله على علم الحاسوب والتكنولوجيا والفضائيات و ربما على نظام عالمي جديد !
أ. ربا الابراهيم





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

