قراءة هادئة لخطاب حماس ما بعد سيف القدس – بقلم د . ابراهيم حمامي

فلسطين … دراسات ….
د. إبراهيم حمّامي..
•انقشع غبار معركة سيف القدس – ولو إلى حين – بعد أداء ميداني وإعلامي رائع، ثبّت حقيقة أن الاحتلال مُرغ أنفه في التراب وانكسر وانهزم
دور الإعلام العسكري إن جاز التعبير كان بارزاً ولافتاً تميز بظهور مُقل، مصداقية عالية جداً أقر بها الإسرائيليون قبل غيرهم، اعتمد على الايجاز المطلق الذي لم يتجاوز بعض المرات السطر الواحد ضمن تغريدة، والايفاء بكل وعد أو تهديد في الزمان والمكان المعلنين
•كان الالتفاف الجماهيري غير المسبوق فلسطينياً وتوحد الشعب في كل أماكن وجوده وعلى كل جغرافية فلسطين التاريخ وحول العالم مسنوداً بزخم جماهيري عالمي عاملا هاماً في دق نواقيس الخطر لدى مؤسسات الاحتلال، وبات الحديث عن “خطر وجودي” يتصدر عناوين صحفهم وإعلامهم وتصريحاتهم
•استشعر العالم المنحاز للاحتلال الخطر منذ الساعات الأولى لمعركة سيف القدس، وبدأت التدخلات المباشرة وغير المباشرة، ليس حباً ولا حزناً على الفلسطيني، لكن حفاظاً على ماء وجه نتنياهو والاحتلال، وكثرت التصريحات غير المسبوقة لتليين الموقف الفلسطيني، أو لنقل لتبرير تدخلهم
•إشارات عدة أرسلتها الولايات المتحدة عبر البيت الأبيض والخارجية، وكذلك الاتحاد الأوروبي كان منها:
المساواة لأول مرة بين الطرفين: حق الفلسطينيين والاسرائيليين العيش في أمان ورخاء وازدهار، التأسف على الضحايا من الطرفين، مطالبة الطرفين وقف التصعيد، وعلى ما في ذلك من ظلم يساوي بين الضحية والجلاد إلا أنه موقف غربي غير مسبوق
التأكيد على أن القدس الشرقية منطقة محتلة مع رفض الإجراءات الإسرائيلية في القدس وحي الشيخ جراح
الإعلان عن فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية رغم اعتراضات نتنياهو، وهو تراجع عما حاول ترامب فرضه
الحديث من جديد عن حل الدولتين والدولة الفلسطينية المستقلة وغيرها من أدبيات عملية السلام المفترضة التي سبق وأسقطها ترامب
التصريحات الأوروبية من أكثر من طرف عن استعدادهم فتح حوار مباشر أو غير مباشرة مع حركة حماس
•ما حذا بالغرب لهذه المواقف هو الأداء الفلسطيني “المقاوم” على جميع المستويات والخوف على الاحتلال والقناعة بأن هناك معادلة جديدة وممثل جديد وحي للشعب الفلسطيني عنوانه المقاومة يلتف حوله الشعب الفلسطيني بمجمله
•لا يساورنا الشك للحظة واحد أنه رغم كل هذا التغير الظاهري في الموقف الغربي، إلا أن هناك أغراض سياسية ليست لصالحنا إطلاقاً منها على سبيل المثال:
تذويب وتعويم النصر عبر الحديث عن حلول ماتت وانتهت كحل الدولتين
منع المقاومة ومعها الشعب الفلسطيني من تحقيق أي نتائج سياسية
إعادة تدوير سلطة رام الله التي وضعت على الرف لسنوات وتسليمها الملف السياسي ما بعد المعركة
حرمان الشعب الفلسطيني ممثلاً بالمقاومة من إدارة ملف إعادة الإعمار
المحاولات المستميتة للفصل بين الشعب ومقاومته، والحديث عن دعم للشعب لا يشمل فصائل المقاومة
الإبقاء على الصورة النمطية للفلسطيني إما إرهابي وإما ضحية يحتاج للمساعدة (العامل الإنساني) وغياب حقيقة أننا شعب في مرحلة تحرر ضد احتلال يرتكب الجرائم
•ولا ينسى الغرب المنحاز في خضم ذلك أن يبدأ وينتهي بعبارة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” وهو ما يخدم غرضين: تجريم المقاومة، وإعفاء “إسرائيل” من جريمة الاحتلال، وهذا يحتاج لموضوع قائم بذاته فالاحتلال لا يحق له الحديث عن الدفاع عن النفس
حماس!
كانت تلك قراءة الموقف السياسي لما بعد معركة سيف القدس، لكن ماذا عن موقف فصائل المقاومة وعلى راسهم حركة حماس؟
ميدانياً ورغم الأداء المبهر إلا أن هذا لا يمنع من تقييم ذلك الأداء لسد أي ثغرات أمنية، تعلم الدروس من عدوان الاحتلال وأساليبه، وتطوير الأداء نحو الأفضل…
لكن موضوع اليوم هو الأداء الإعلامي تحديداً…
الحقيقة أن الخوض في هذا الموضوع حساس للغاية، لأنه لا يمكن الحديث عنه دون التطرق لأمثلة تشمل شخصيات وقيادات لتوضيح المقصود والمطلوب، وهذا ليس من باب الفلسفة والتعالي و”المعلمية” لكن كما هو العنوان قراءة للمواقف ومحاولة لضبط الإيقاع
1.أي نقد أو حديث عن تجاوزات ليس طعنا في المقاومة، فالمقاومة أكبر من الأفراد مهما علا شأنهم
2.لا يوجد أي شخص فوق النقد فلا قديسين ولا معصومين هنا بل بشر يصيبون ويخطئون
3.أي أمثلة هي للتوضيح ولا يُقصد بها التجريح
4.من حقنا جميعاً كفلسطينيين أن نعترض أو نرفض تصريحات أو مواقف بعينها مهما كان مصدرها
ما هو المطلوب؟
•البناء على الإنجاز الميداني سياسياً
•التحشيد والاستمرار في الزخم الشعبي العالمي
•رفع مستوى الأداء الإعلامي
•الابتعاد عن الكلام الاستعراضي والذي قد ينسف أحياناً جهد سنوات من العمل
•ضبط التصريحات ضمن ما هو متفق عليه
قد يقول قائل هذا كلام عام وفيها من الهمز واللمز الكثير!
ولتوضيح ذلك أشير لثلاثة أمثلة تابعها الجميع ويعرفون تفاصيلها:
1.إسماعيل هنية مهرجان فلسطين تنتفض – الدوحة – 15/05/2021: كانت كلمة هنية وعلى أهميتها بأنها من الدوحة ومن قلب الخليج، وما فيها من حماسة ورفع للمعنويات خالية من أي رسائل أو مضامين سياسية، وكانت موجهة حصرياً للفلسطينيين، مع بعض الايماءات العسكرية التي ليست من اختصاص المكتب السياسي – باختصار كانت تشبه درساً أو خطبة دينية لمستمعين لمستمعين تجاوزوا مفرداتها هم في الأصل مع المقاومة ومن لم يكن فقد أصبح.
2. تصريحات أسامة حمدان لقناة الميادين 20/05/2021 حول نظام بشار: وهي تصريحات مؤسفة مستفزة ومدانة، لم يحاول أن يوضحها أو يفيد بها المشروع السياسي للشعب الفلسطيني وتطلعاته السامية في التحرر، ولم يصدر أي تعليق رسمي من حركة حماس، خاصة أن أسامة حمدان لا يشغل أي منصب قيادي في الصف الأول أو حتى الثاني حالياً وعضويته في قسم العلاقات العربية في مكتب العلاقات الدولية لا تؤهله لاتخاذ قرارات منفردة تتعلق بالنظام في سوريا او غيرها.
محاولة السكوت عما جرى لن يذهب بالتصريحات لأي مكان، والمراهنة عل عامل الوقت كي ينسى الناس لن ينجح كما لم ينجح سابقاً في فرض وتلميع رموز لا يتفق عليها غالبية الشعب الفلسطيني، حتى أصبحت تلك المواقف والتصريحات شبه لعنة تلاحق حماس
3.يحيى السنوار – لقاء مع الصحفيين – 26/05/2021: اللقاء كان استعراضياً من الطراز الأول، وتوقيته كان خاطئاً تماماً حيث جاء قبل ساعة من لقاء معلن لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية على قناة الجزيرة، وخلط فيه بين منصبه السياسي والحديث عن أمور عسكرية ليس من المناسب الحديث عنها أصلاً، ورفض فكرة أن السياسي يبني على العسكري، وأعاد المقاومة لمربع البعد الانساني– حصار غزة وحرق الأخضر واليابس لرفعه – بعد ان نجحت المقاومة في التحول للبعد الاستراتيجي عبر خوض معركة بوصلتها القدس والأقصى، بل إلى فلسطين من البحر للنهر وبكل لغات العالم.
4.تصريحات معاذ أبو شمالة ممثل حركة حماس لدى الحوثيين 07/06/2021 مؤكداً دعمه للحوثيين لتحقيق النصر والتحرير – وهذا التصريح ليس بحاجة لتفصيل فهو مأساوي كارثي بكل المقاييس
والحديث في ذلك الشأن يطول
أين الخلل؟
الملاحظات المختصرة في الأمثلة أعلاه تشير للتالي:
1.الحديث في أمور ليست من اختصاص المتحدث: حمدان عن العلاقة مع نظام بشار
2.تجاوز المؤسسات التنظيمية الداخلية والقرار الجماعي: السنوار وعرض هدنة 5 سنوات
3.توريط حماس في محاور ومواقف مرفوضة فلسطينياً قبل ان تكون مرفوضة عربيا: معاذ أبو شمالة والحوثيين
4.الخلط بين المناصب والاختصاصات: رئيس الحركة في غزة ليس ناطقاً عسكرياً باسم القسام
5.تقديم معلومات عسكرية – السنوار طول الانفاق وحجم الضرر الذي لحق بها وغيرها، حتى وإن كان الاحتلال يعرف تلك التفاصيل فتأكيدها لا داعي له
6.كثرة الكلام في غير مواضعه، بعكس أداء الاعلام العسكري الذي اعتمد على الرسائل القصية وعلى مبدأ خير الكلام ما قل ودل
7.الاختيارات الخاطئة للحديث: حمدان على الميادين كمنبر والسنوار قبل هنية بساعة
8.عدم الالمام بالصورة الأكبر وبالتالي عدم توجيه الرسائل في الاتجاه الصحيح خاصة أن التعاطف مع القضية حول العالم في أوجه
الحديث هنا عن تصريحات غير منضبطة أو غير موفقة سواء من ناحية المضمون أو التوقيت أو صلاحية المتحدث، ولا تقتصر على الأمثلة أعلاه…
لا نبالغ إن قلنا أن بعض هذه التصريحات كانت شديدة الضرر داخلياً وخارجياً، وبعضها لا يليق شكلا ومضمونا وإيقاعا بحركة مقاومة أبدعت في الميدان…
في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والتوك توك لم تعد هذه التصريحات النارية تفي بالمطلوب، بل أن الزمن تعداها واصبحت بنت العاشرة المتحدثة على سجيتها بطلاقة انجليزية وببراءة طفلة تهز مشاعر الملايين في جميع أنحاء العالم.
خطاب المسؤولين الذين ينظر لهم الجميع الان كقيادة جديدة للشعب الفلسطيني والتي فرضها الميدان يجب أن ترتقي وتتعامل مع الجميع وليس فقط جمهور محدد وبأدوات ومفاهيم الجيل الحالي.
نعم التصريحات النارية تدغدغ عواطف الملايين، ونبرات التحدي تطرب لها الآذان، والتلويح بالقبضات في الهواء ترفع معنويات الكثيرين، لكن خطاب المسؤولين الذين ينظر لهم الجميع كقيادة جديدة للشعب الفلسطيني فرضها الميدان يجب أن ترتقي وتتعامل مع الجميع وليس فقط جمهور محدد…
بعض هذه التصريحات السابقة وقبل أعوام سبق وأن نسف جهد سنوات أنتجت وثيقة حماس السياسية عام 2017…
وبعضها اليوم يقطع الطريق عن التواصل الدولي مع حركة حماس سواء بشكل مباشر أو غير مباشر باعتبارها تقود المقاومة وتفرض معادلة تمثيل وطني جديدة، وذلك بعدم الفصل بين السياسي والعسكري…
يُضاف لكل ذلك عدم التعامل مع المحاولات الدولية المتكررة لعزل حماس والمقاومة وإقصائها في ملف إعادة الإعمار والتمثيل السياسي، وكذلك الموقف من سلطة رام الله من العدوان وآثاره…
إن التهاون في هذه الأمور سيضيع الإنجاز العسكري ليحصد نتائجه من لا يستحق سواء كان فلسطينيا أو أطراف أخرى من خارج فلسطين…
المعركة لم تنته وسيف القدس كانت جولة تليها جولات، وضبط الأداء السياسي ليكون بمستوى الأداء الميداني أولوية قصوى…
لا يُعيب أي حركة أن تجمد الظهور الإعلامي لشخصيات أو قيادات لا تجيد التعاطي الإعلامي، كما لا يقلل ذلك من أي قيادي ولا يصغر من شأنه، فلكل مزايا وهبات وكذلك عيوب…
وبكل وضوح بعض من يظهرون على الاعلام يؤذون ولا يفيدون، يضرون ولا ينفعون!
ليس القصد من الظهور الإعلامي إن كانت – هي لله – تحقيق أمجاد فردية وشخصية، لكن خدمة الهدف الأكبر والأسمى…
آن الأوان لتجديد الخطاب وضبطه وضبط إيقاعه والتعامل مع المتغيرات والمستجدات دون تفريط ولا تراجع وضمن المحددات الدينية والوطنية والأخلاقية…
القوى الدولية تعمل بسرعة كبيرة لتجريد الفلسطينيين من نصرهم، ولتمرير صفقة القرن لكن من الباب الخلفي بعد أن فشلوا في تمريرها عبر القنوات التقليدية، ولا يمكن ومن غير المقبول أن نبقى أسري لأداء تقليدي إن كان صالحاً قبل عقود من الزمان فهو لا يصلح اليوم، وأن نعيد تجربة المجرب، خاصة بعد ما حققته المقاومة ميدانياً…
نحن اليوم في أحوج ما نكون لاستثمار إعلامي وسياسي واضح ودقيق، وخطاب متزن منضبط ضمن محددات واضحة، وعبر شخصيات وقيادات تجيد ذلك، تأسيساً لمرحلة ما بعد سيف القدس، فما كان قبلها ليس كما هو بعدها!
لا خير فينا إن لم نقلها!

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة