فلسطين ….
بقلم : سفيان الجنيدي – كاتب فلسطيني ..
قطعاً، و بدون مبالغة أو تجني على الحقائق، فإن جميع المدن والقرى في فلسطين التاريخية كانت على موعدٍ مع التاريخ و سطرت من التضحيات و البطولات ، و لفترة تزيد عن السبعة عقود، في صمودها و حروبها ضد الكيان الصهيوني الغاشم و الذي يعتبر القوة الأكثر إجراماً في التاريخ ،ما لا يمكن الإحاطة به في عدة مجلدات، ولكن من باب الإنصاف و إعطاء كل ذي حق حقه ، نجد أن غزة تختلف و تتميز بتضحياتها و بطولاتها و إنجازاتها عن شقيقاتها في كل فلسطين التاريخية ، بل وعن جميع مدن العالم بأسره، و هذا ما يقودنا إلى طرح السؤال التالي:
لماذا و كيف تتميز غزة عن غيرها من المدن التي صنعت التاريخ؟!
بدايةً، شهد التاريخ الإنساني عبر محطاته ، العديد من الملاحم الأسطورية للشعوب المقهورة و الرافضة لنير الاحتلال، فمجابهة الأعداء و رفض إستكبارهم و عنجهيتهم و غطرستهم و مقاومتهم و دحرهم صفة إنسانية تشترك فيها البشرية جمعاء، و لا تقتصر على أمةٍ دون سواها.
و مما لا شك فيه أن المجتمعات الإنسانية و عبر حقبات التاريخ الإنساني تحتفظ في ذاكرتها الجمعية العديد من القصص و الحكايات والتي تحولت، في بعض الأحيان بفعل عامل الوقت و أمور أخرى، إلى الاساطير، و لكل مجتمع الحق في إبراز و التعبير عن تضحياته و بطولاته بالصورة التي يراها مناسبة.
و لكن بالرجوع إلى سؤالنا الجوهري، لماذا غزة دون سواها؟!
بدايةً، غرة لا تحتاج من سكانها نسج الحكايات و أختلاق القصص من أجل تحويلها إلى اسطورة، حيث إنها حالة متفردة في الواقع و الذاكرة الإنسانية ، وهي بكينونتها التي هي عليها الآن، هي إسطورة بلا ادنى شك.
فهي غزة التي تعيش منذ قرابة الخمس عشرة عاماً تحت حصارٍ غاشمٍ ظالمٍ تنوء الجبال عن حمله، إضافةً إلى الفصل العنصري المفروض عليها و الذي يُحرّم عليها إنتقال الافراد و تبادل البضائع مع شقيقاتها في الضفة الغربية، ناهيك عن الإنقطاع المتواصل للكهرباء و الذي يصل في بعض الأيام إلى ٢٠ ساعة متواصلة، و تزداد معاناة غزة لتصل أوجها بفعل تلوث المياه والتي وصلت نسبته زهاء ٩٥٪ نتيجة للتراجع الحاد و السريع في منسوب المياه الجوفية، ناهيك عن نسبة البطالة التي تخطت ٥٥ ٪ بين الخريجين الشباب و نسبة الفقر المدقع والتي تخطت نسبة ٧٠ ٪.
و معاناة غزة لا تقف عند هذا الحد فحسب، فالكثافة السكانية العالية ، بحد ذاتها ، مأساة إنسانية و من المشاكل المستعصية على الحل ، حيث أن ما يزيد عن مليوني نسمة يعيشون في منطقة سكانية لا تتجاوز مساحتها ٣٦٠ الف كيلو متر مربع، مما يجعلها من اكثر المناطق السكانية كثافة في العالم.
و إذا أضفنا إلى ذلك أن غزة تعاني أصلاً من مشاكل حادة في البنية التحتية الأساسية كالكهرباء و الماء و الصرف الصحفي و نقص حادٍ في عدد المدارس و المستشفيات مما يجعلها بإمتياز قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة.
و لا تقتصر معاناة غزة عند هذا الحد، بل انها تتفاقم و تزداد سوءً بسبب إشكالية المعابر الحدودية البرية و البحرية و الجوية، حيث أن الإتفاقيات المبرمة بين الكيان الصهيوني و السلطة الفلسطينية أشارت الى ان إدارة المعابر و المنافذ الحدودية في غزة تتم من قبل اللجنة الثنائية المكونة من الكيان الصهيوني و السلطة الفلسطينية بوجود طرف ثالث محايد ، إلا أن الواقع يؤكد أن الكيان الصهيوني هو الوحيد المتنفذ و صاحب القرار و هو من يسيطر عليها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إذ أن الإتفاقيات الموقعه بين السلطة الفلسطينية و الكيان الصهيوني تجيز للكيان الصهيوني منع أي شخص لا يرغب في دخوله أو خروجه من جميع معابر غزة، كما أنها تجيز له مراقبة و منع البضائع المستوردة و المصدرة من و إلى غزة.
و رغم أن الاتفاقيات المبرمة بين الكيان الصهيوني و السلطة الفلسطينية لم تمنح طرفاً واحداً منفرداً حق إغلاق المعابر ، إلا أن الكيان الصهيوني يتحايل على ذلك و يستغل وجود نص في الإتفاقيات و الذي يشترط إشراك طرف ثالث في إدارة المعابر، إما الحكومة المصرية أو الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة الامريكية وفي بعض الأحيان جميع هذه الأطراف، لذلك إذا قرر الكيان الصهيوني إغلاق المعابر، يحقق مبتغاه من خلال منع دخول مراقبي الطرف الثالث إلى غزة متخذاً الأوضاع الأمنية ذريعة لذلك.
هذا غيض من فيض، والأوضاع في غزة أسوء مما يتصوره العقل البشري، و لا مجال في هذا المقام لذكر كل المنغصات و الظروف القاهرة التي تخيم على قطاع غزة وقاطنيه، و مع ذلك و وفقاً لما تم سرده ، فلا يمكن للعقل البشري تخيل أن ينجو” الغزيين” من الفشل و القهر و الموت المحدق فيهم من كل صوبٍ و حدب، بل إن المنطق الإنساني يحتم على غزة أن تندثر و تتلاشى ليس فقط من الخارطة بل و من الوجود بأكمله.
و لكن ما لا يمكن تصوره و فهمه أن تخرج غزة المرة تلو الأخرى من تحت الركام و الدمار و تُفْشل كل التوقعات و المنطق العقلي، تخرج عن المألوف و بأبهى صورها لتؤكد انها مدينة تشكلت من أجل الخلود.
إنها غزة التي لا تكتفي فقط بتجاوز المحن و الآلام و الحصار و الغارات، بل إنها تصنع المستحيل و لا مستحيل مع الإرادة ” الغزية “، تضمد جراحها و تتناسى الآمها و محنها، و تعمد إلى صنع التاريخ الذي يزدان بها، تقف شامخة في وجه الأمواج العاتية و تُدافع بإباءٍ عن شرف الامة و كرامتها و مقدساتها.
إنها غزة التي لا فرق فيها بين الشعب و المقاومة، فكلاهما صنوان، يتسابقان في التضحية و الفداء، حتى لا يعد المرء قادراً على التمييز ايهما أكثر بطولةً و تفانياً و تميّزا.
إنها غزة التي تصنع التاريخ المرة تلو الأخرى، تُشهد مقاومتها الباسلة العالم بأسره على إنجازٍ تاريخي غير مسبوق، تصنع من لا شيء، الطائرات المسيرة و الغواصات ذاتية القيادة، تُتطور الصواريخ، تُسقط إسطورة دبابة الميركافا، تُسقط إسطورة القبة الحديدية، تُغلق مطارات الكيان الصهيوني، تعزل الكيان الصهيوني عن العالم الخارجي، تحيل العمق الصهيوني كرة من لهب، تستهدف المنشآت الكيماوية، تقصف خط أنابيب ايلات- عسقلان النفطي و تشل حركته ، تفرض حظر التجوال في الداخل المحتل، تقصف القواعد العسكرية و الجوية، تكبد العدو الصهيوني الخسائر المعنوية و المادية و الاقتصادية، تدب الرعب و الهلع بين قطعان الصهاينة، تقهر أعتى قوة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط و تكسر إسطورة الجيش الذي لا يقهر، و قبل ذلك و بعده، إذا قالت فعلت، و إذا وعدت أوفت.
من أجل هذا و معجزات أخرى صنعتها غزة و ما زلنا لا ندركها ، نصدح عالياً و بكل إجلالٍ و تقدير: نعم هي غزة ، درة و سيدة المدن المقاومات و صانعات التاريخ.





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

