إلى الهاوية……. إلى أعلى – قصة : سفيان الجنيدي

القصة …..
قصة بقلم : سفيان الجنيري – كاتب عربي …
كان موت الحاج عبدالله المحمود ( أبو سامي) و زوجته وأبن عمه و صهره ناصر أبو علي في تلك الليلة المشؤومة من شتاء ١٩٤٨ قد ترك جرحا مؤلما وأثرا بالغا لم تفتر حدته كلما لاحت ذكريات الفقراء الثلاثة على مخيلات وأفئدة رجالات ونساء العائلة و القرية أجمع، اولئك الذين عاصروا تلك الفاجعة والتي وصفوها بالحدث الأشد إيلاما عليهم منذ أن نبتوا في القرية و أستقروا فيها.
في تلك الليلة المشؤومة من شتاء ١٩٤٨ وبعد يوم شاق في ممارسة الاعمال اليومية هرع أفراد العائلة إلى بيت شيخ العائلة مصطفى ابو علي لمؤانسة و زيارة أحد رجالات العائلة وأشدهم إباء و شكيمة ونخوة و فروسية، ناصر أبو علي والذي ظل طريح الفراش لبضعة أسابيع لآلام ألمت به وجعلته لا يقوى على الحراك بعد أن كان فارسا مهابا جسورا سمع بمآثره وعلو همته و شدة بأسه القاصي و الداني.
ناصر أبو علي ذلك الفتى الذي لما يبلغ بعد عامه الثالثة و الثلاثين، ذي العينين الحادتين، الغائرتين في جبينه، والوجه الطولي الرزين بالرغم من كثرة إبتسامه، وطوله الفارع وجسده المسكوب كقطعة فولاذ ، إلا أن إحدى اعظم سجاياه على الإطلاق بره بعائلته والتي من أجلها يقدم – بكل سعادة وثبور- روحه رخيصة دون مقابل أو تردد، فتيا جسورا مهابا محبوبا من كل ابناء القرية وجميع المناطق المجاورة، والأهم من ذلك كله أن القرية كانت آمنة لا يجرؤ كائن من كان الإقتراب من أفرادها وأراضيها و ممتلكاتها لوجود ناصر أبو علي وأبن عمه الحاج عبدالله المحمود ( أبو سامي).
تلك الليلة الأشد وطأة على أبناء القرية والتي غرست في وجدان أفراد العائلة صغيرهم وكبيرهم آحزانا وآلاما مات معاصروها ولم تمت ذكراها الشجية والتي تناقلتها الاجيال تلو الاجيال وأضحت ترنيمة ترتلها عقيلات و حرائر العائلة في الاتراح إلى يومنا هذا.
إغتصبت صيحات و صرخات قادمة من بيت مصطفى أبو علي سكون الليل و طمأنينته و وداعته ، ناصر مات، يا ويلي عليك يا ناصر، يا ذلنا بعدك يا ناصر، ناصر مات يا ناس …. ناصر مات .
أفزعت الصيحات ليل القرية الآمنة وأقضت مضاجع ساكني القرية، وكان الخبر أشد وطأة على الحاجة أم قحطان والتي كانت تمرض زوجها وأبن عمها الحاج عبدالله المحمود والذي بدوره كان عليلا قعيد الفراش منذ أسابيع خلت.
أسرعت الحاجة أم سامي إلى بيت أبيها لتقف على صدق ما ترامى إلى مسامعها و إغتصب سلامها الداخلي و طمأنينتها ، أخذت تهرول وهي مفزوعة، مصدومة ومصعوقة حيث أنها لم تحضر نفسها لألم الفراق والاشتياق، كان بخير و لم تبدو عليه أعراض الموت، يا ربي معقول انه ناصر مات! وكانت كلما هرولت أكثر أحست بتباعد المسافات وعدم إنقضائها بالرغم من أن بيت أبيها يقع في ناصية الطريق و لا يبعد عن بيتها سوى بضع مئات من الامتار، وكانت كلما إقتربت من مصدر الصوت خارت قواها وتملكها اليقين أكثر من صحت ما ترامى إلى مسامعها وأقض مضجعها وسلبها هدوئها وسكينتها.
بعد رحلة شاقة مليئة بالهواجس والتخمينات والأمل من عدم صدق الصيحات والصرخات ، وصلت بيت أبيها بعد أن إسترجعت شريط ذكرياتها مع شقيقها ناصر، تؤام روحها وأحب أشقائها إليها وأقربهم إلى فؤادها، ناصر تؤام الطفولة وأجمل ما في حياتها، وصلت مشدوهة، شاحبة اللون، مشوشة الأفكار و بالكاد تسطيع سيقانها أن يحملاها،.
بعد إنقضاء بضع سويعات من القهر والالم والأحزان وهي ترى جثة أخيها مسجاة أمامها لا حراك و لا حياة فيها، عادت إلى بيتها لتنبأ زوجها بالحدث الجلل، أجهزت عليها الفاجعة،حاولت جاهدة أن تتبين الطريق ولكن بلا جدوى.
بعد عدة محاولات من التيه ، وصلت – بعد عناء – بيتها وهي مكلومة بجرح إخترق فؤادها وأتى على روحها وترك فيها ألما ، حنقا و شرخا والذي سيؤدي إلى حتفها فيما تبق لها من أنفاس في الحياة.
تسللت إلى البيت وتهادت إلى سرير زوجها والافكار تحرمها طمأنينتها و تغتصب إتزانها، والله ماني عارفة كيف بدي أخبر الحج عبدالله، كيف سأخبره بهذا الخطب الجلل وهو الذي ما ينفك يقول أحب ناصر لانه يذكرني بشبابي.
إقتربت منه وشرعت تكلمه بصوت جهيش وظلت تكلمه بعض الوقت ولا يرتد إلى مسامعها إلا صدى صوتها الحسير، كانت تنظر إليه و لا يتراى لها إلا جثة ناصر ، حاولت مرارا و تكرارا إيقاظه إلا أن جميع محاولاتها باءت بالفشل، ما كان للتو هاجسا أصبح حقيقية، أيقنت أن زوجها قد فارق الحياة، لم تتحمل فكرة الإبتعاد عن أحبتها، ظلت تبكي إلى أن فاضت روحها كمدا وحزنا على أحب شخصين على قلبها، شقيقها و زوجها .
سلام عمي عايد ، هلا براشد ، وين يا مسهل؟! والله رايح على بيت الأجر .
الله ييسر أمرك ، عندي شغلة راح أقضيها وبلحقك إن شاء الله.
على بركة الله ، يلا السلام عليكم.
هلا براشد كيفك ؟ الحمدالله من الله بخير. مال وجهك مخطوف ، خير شو في؟ والله يا حج خالد أخبار ما بتسر، مات اكثر من خمسة رؤوس حلال في بيوت مختلفة وعلى مسافات متباعدة.
أسرع الحاج خالد إلى الماشية وأخذ يحدق و يتأمل فيها ، تفحص أجسادها و شرع يستقصي عن حالاتها، هل أصابها أي مكروه! هل تعرضت لأي حادث! هل كانت تشكو من أي عارض! أصابته الحيرة و الدهشة ، وأخذ يضرب اخماسا بأسداس، إذا لم تتعرض الماشية لاي حادث او مرض قد يكون السبب في موتها! إذا كيف نفقت! وهل يوجد أي علاقة بين موت ابناء العائلة و الماشية!
لم يرجع الحاج خالد من ليلته تلك إلى ديوان العزاء، و رجع إلى بيته مشغول البال والافكار والتخمينات تتجاذبه تارة يمينا و تارة تطبق على عقله ليزداد إندهاش و حيرة وتشتت، إستغرق بالتفكير إلى أن فتح الله عليه ، و رب العزة هذا وباء أصاب القرية وإن لم نتداركه باقصى سرعة ليفتك بكل من في القرية من إنسان و زرع وحيوان.
أسرع الحاج خالد إلى الديوان فزعا، مشدوها، مخطوف اللون : يا جماعة الخير إذكروا الله، أعلم أنكم ما زلتم مصدومين، مكلومين من فاجعة فقدان ثلاثة من خيرة أبناء العيلة، إلا أن الامر جلل، والمسألة حياة او موت، والله يا جماعة الخير ، اعيروني إنتباهكم و مسامعكم رحمكم الله، قد تنامى إلى مسامعكم خبر موت بعض من ماشيتنا تزامنا مع موت ابناؤنا الثلاثة، وبعد أن فكرت جليا بهذا الامر، ألقي في روعي أن موت ابنائنا و الماشية كان بسبب وباء أخاله إن صدق حدسي وباء الطاعون ، جاء كلام الحاج خالد عليهم كالصاعقة وازدادوا ذهولا وإندهاش على أحزانهم التي اطبقت عليهم ، إسترسل الحاج خالد ، يجب أن نتدارك الامر باقصى سرعة، إن الموت محدق بنا وأراه أقرب إلى أحدكم من أرنبة أنفه، يجب أن نخلي القرية على وجه السرعة وأن نفر إلى القرى والمغارات المتاخمة للقرية، وخلوا ببالكم يجب أن نتحاشى إستمرارية البقاء في جماعات.
رحمكم الله أخرجوا من ساعتكم هذه وأحملوا ما إستطعتم من مؤونة تكفيكم لبعض شهور ، عسى الله أن يرفع عنا هذا البلاء سريعا، أسرعوا ولا تباطؤا ، وأنا بدوري سوف اخرج أنادي في القرية لانبه كل غافل.
دب الرعب في القرية ولم يعد احد قادرا على إستنطاق عقله وإعماله ، هرع سكان القرية مذعورين، مشوشين التفكير، على غير هدى إلى القرى و الجبال و المغارات المتاخمة . حملوا اوعيتهم وماشيتهم و مؤونة تكفيهم لبعض شهور.
الحمدلله على كل إشي، لولا لطف الله كان راحت القرية واللي فيها، والله الطاعون أخذ حقه من القرية و زيادة، لا حول ولا قوة إلا بالله.
يا حاج خالد هذا عمي عايد جاي هيئته زعلان، وجهه ما بتفسر ولونه مخطوف، الله يستر والله جيته وراها اخبار ما بتسر.
هلا عمي كيفك ؟! من الله بخير، الحمدلله على كل شيء.
خير يا حج، والله مبين على وجهك الهم .
والله يا حاج خالد مصيبة لا كانت لا على البال و لا على الخاطر، أقلقتني ، خير شو صار؟! آه ، تنهد الحاج عايد ونفخ بعضا من غلوائه مع سحب دخانه الكريه، وأطرق : لا حول ولا قوة إلا بالله، مش عارف شو أحكي، يعني بعد كل هالمصايب اللي نزلت علينا مثل زخ المطر، الموسم انضرب، و الطاعون اللي حصد روح ابوي و أمي وخالي وأجى على الزرع والضرع و شهرين وإحنا مهجرين و مشردين عن بيوتنا وعن أحبابنا، يعني موت وخراب بيوت وبهدلة، ويا ريت لو وقفت الامور عند هذا الحد، قاطعه الحاج خالد، الله يصبرنا و يجعلها آخر المصايب، والله يا حاج خالد ما ظنيت إنها آخر المصايب، كله بهون عن عملة سامي.
خير، شو عمل عمي سامي؟! بعد ما رجعنا على القرية بتفاجئ إنه سامي بايع البيت ومهاجر على حيفا، وحد الله يا عمي، شو بتحكي! بايع البيت! لمين بايعه! ومتى باعه ؟ يا أبن الحلال، حاولت افتح الباب ما قدرت، المغلاق مبدل، وانا بحاول أني افتح الباب ، مر علي ابو موسى المهاجر.
خير يا حجي بشوفك بتفتح بالباب، الظاهر ما عندك خبر؟ خبر شو ! والله يا حجي اخوك الحاج سامي باعني البيت قبل شهر ونص! يا رجل شو بتحكي، كيف باعك البيت؟و وين باعك البيت؟! والله هذا اللي صار، قابلته قبل شهر ونص بحيفا، وكان محتاج فلوس، عرض علي البيت إشتريته و دفعت له السعر اللي طلبه و فوقهم حبة مسك ، يا سيدي مبارك عليك البيت، بس ليش ما خبرتني بوقتها، والله انا بفكر انك بتعرف وخصوصا انه الحاج سامي أكد اكثر من مرة أنه هاي رغبتك، وبعدين يا حجي بعد ما تقطعنا و تشردنا من الطاعون ، وين كنت بدي الاقيك ، هو الواحد كان براسه عقل يفكر فيه، و ما تزعل مني يا حجي يعني هاي قصة عائلية بتحلها مع اخوك الحاج سامي.
شايف يا حاج خالد المصيبة اللي نزلت علي! يعني ياما كابدنا و عانينا بسبب التصرفات الصبيانية من سامي، بس عمرنا ما تخيلنا إنه يبيع البيت، يا رجل إذا ما فكر في و بولادي ، كان لازم يأخذ خاطر لاخوانه اليتامى ! والله يا حاج خالد ماني زعلان على البيت مثل مانا زعلان على سامي اللي للأسف خسر كل إشي، دينه و دنياه وقيمته بين الناس، والأهم من ذلك أنه خسر نفسه.
سرح الحاج خالد بخياله وبدأ يفكر في كلام عمه، فعلا إذا كان الرجل بلا مروءة و نخوة، فماذا يتبق من كبريائه و إعتداده بنفسه ؟! والإنسان أول على آخر عبارة عن كلمات تجهر بها الحناجر بعد غيابه الأبدي المحتوم، فإما كلمات تعطر ذكرى زيارته الخاطفة للحياة، وإما تجهم و إمتعاظ من كائن مجرد ذكر إسمه يلوث اجواء الاخرين و يعكر صفوهم.
ما زلت لا استطيع إدراك كيف يجرؤ امرؤ أن يبيع ذكرياته و عوالمه وحياته ؟! من أجل ماذا ؟! قليل من النقود والتي ستفنى في نهاية المطاف، أم من أجل إشباع رغبات تفقده أهليته و إنسانيته! أم من أجل تحقيق طموح زائف و زائل و مشين ! أم من أجل …..؟! ما زلت غير مدرك كيف لا تمنع المروءة الرجل إغتيال ذاته و ماضيه و حاضره ! هل نسي الحاج سامي أصلنا و عاداتنا وتقاليدنا واخلاقنا ! لا أعرف ماذا ألم به ليفعل فعلته تلك النكراء، يا خسارة يا حج سامي كيف طاوعتك نفسك أن تبيع رائحة ابائك وذكريات أجدادك! كيف طاوعتك نفسك أن تقتلع جذورك بيديك!
الله يرحمنا برحمته، والله يا عم عايد إني عاجز عن الكلام و مصعوق إلا أن الأيام حبلى بالمفاجات وفعلا ما بعبي عين بني آدم إلا التراب.
بعين الله يا حج خالد شدة و بتزول ، و إن شاء الله ربنا بيقدرني إني استرجع البيت ، الله كريم.
و بالنسبة لسامي الله يسعده و يبعده و يكافيني شره و صدق اللي قال: رب عدو لك ولدته أمك.

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة