من جدارية محمود درويش – بقلم : شوقيه عروق منصور

فن وثقافة …..
بقلم : شوقيه عروق منصور – فلسطين المحتلة ..
هذا البحر لي
هذا البحر لي
هذا الهواء الرطب لي
وهذا الرصيف لي
عبارات من جدارية محمود درويش ، ما أجمل الشعر الذي يصلح لكل الأيام والسنوات ، لا يغرق في الحبر ويموت على ضفاف الصفحات ، ولا يصاب بتجعد الجلد كما الانسان الذي ينكمش ويتجعد حتى يتحول الى كتلة هرمة وبركلة يسقط في القبر ، ولا يقف في محطة العمر منتظراً النزول من قطار الحياة الى ساحة الهروب والاختباء في أزقة وحارات الخوف .
قدر الشعر أن يبقى شاهداً على الحياة وتفاصيلها الصغيرة الكبيرة .. ها هو شاعرنا محمود درويش يهدي شعبه بطاقة البقاء في وطن يجمع التاريخ انه لهم ، لكن تجمع جغرافيا المؤامرات والدسائس والتواطؤ على رفضهم واهداء الوطن الى الآخرين .
هؤلاء الذين دخلوا الأرض والبحر .. ارقام عريضة وطويلة .. أعداد كثيرة تدفقت الى شوارع ومطاعم ودكاكين وأرصفة … أما شاطىء البحر فهو الاندلس المفقود .. والبحر هو كذبة الطبيعية التي لم تمنحهم البحر وزرقته الطاغية التي تفتن النظر، بل اعطتهم الجبال والسهول دون أن تمنحهم مساحة بحر أو بحيرة .. أنهم يتامى الطبيعة التي خذلت مشاعرهم .
بين الأرقام والوجوه الضاحكة كانت الفجوات تتسع .. هؤلاء الذين نزلوا الى البحر بملابسهم بعيداً عن الاتيكيت والبرستيج ، بعيداً عن الحضارة .. وكان الذهول في الاعلام الاسرائيلي عنواناً للهمجية .. ( ياي .. شو هالناس ) والصور تتدفق لتثبت أن هؤلاء لا يعرفون الحضارة ومعنى السباحة .. انهم لا يمتون للعصر بصلة .
التعقيبات والعبارات في كل مكان حتى صور الاوساخ التي بقيت وشوهت منظر الشاطىء الجميل كانت مثار سخرية ، وحمدنا الله ان اسرائيل تملك نعمة النظافة وعلى تخوم النظام والنظافة اسرائيل تحاول تركيع القيم الانسانية ، وتتحول الى ملاك يرفرف في سماء الأضواء .. وتفوز اسرائيل بجميع الجولات .
اسرائيل سمحت للفلسطينيين الاستمتاع بالعيد … ارادت أن تمنحهم القليل من الحرية وتنفس هواء البحر ، والتجول في المدن .. العين التجارية اليهودية كانت تمسك بالأيدي الفلسطينية وتدلهم على كيفية صرف الأموال .. أما البحر فكان همس الاشتياق ، قد يكون البحر أعمى لا يعرف الاجساد العائمة ، لكن هم يعرفونه جيداً ، انه ابن الذاكرة الفلسطينية ، ابن الشتات واللجوء ، بحر يافا ، بحر حيفا ، عناوين مكتوبة داخل زجاجة ، والزجاجة يدق قلبها في بحار الروح .
من يحاول الترفع والنظر الى تلك الجموع التي هرعت الى البحر ، بملابسها ، بأحذيتها ، بالعباءات والسراويل لا يهم .. هذا بحرهم الذي يعرفونه ، وهذه البيوت بيوتهم وهذا الأرصفة لهكم مهما حاول رجال الديكور السياسي تغير المعالم والعناوين والأسماء والحجارة وتلوين البيوت القديمة وتحويلها الى متاحف ومقاهي ومراكز سياحة ، هناك العطر النفاذ القادم من عمق التاريخ .. هناك الحبال السرية المربوطة بالرحم الفلسطيني .
من يتهكم ؟ من يسخر؟، من يتكلم ؟ من يحاول لملمة الصور ويتعجب من هؤلاء المتوحشين ، البربر ، الذي اقاموا القيامة على الشواطيء ، ولوثوا الرمل الذهبي .. الفلسطيني الهمجي .. الاعلام الاسرائيلي وضع الصور وأخذ يرفع قامته متباهياً بنظافته ! من الذي لوث من ؟؟ اليس الاحتلال جريمة وتلويث وموت بطيء للشعب الواقع تحت الاحتلال ؟ اليس الاحتلال هو الذي يرسم نهارهم ونومهم وخبزهم وجوعهم وبناء بيوتهم .. !! هل نحاكم المحروم الذي وجد نفسه في حصار واحتلال يبتز حريته ، وتاريخ يؤكد له أنه ابن هذه الأرض وهي ملكه وما عليها .. !!
اعجبني احتضانهم لأمواج البحر .. شباب ، صبايا ، اطفال ، نساء ، لم أنظر اليهم بعيون الأزياء البحرية والوان الصيف ، لم أنظر اليهم بعيون الدهشة والسخرية !! لم تهمني الجلاليب المنفوخة ، والملابس الملتصقة بالأجسام .. اعجبتني الفرحة والشوق الى هواء الحرية ولو للحظات ..!!
لا تنظروا للأوساخ .. خلال ساعات ممكن أن تنظف ..!! لكن انظروا الى فرحهم ، تأملوا وجوههم وهي تمسح الجدران والبيوت القديمة في يافا وحيفا بحزن .. سترون في العيون ذلك الوطن المعلق بين البحر .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة