المعارك الفلسطينية الاولى في قصص وليدرباح – بقلم : احمد حسين حميدان – سوريا

اصدارات ونقد ….
بقلم : احمد حسين حميدان – سوريا …
ترى أكثر البحوث والدراسات إذا لم نقل كلها أن الخصوصية التي يتسم بها الأدب العربي الفلسطيني بصفة عامة نابعة من المعاناة اليومية داخل الأرض المحتلة من جهة، ومن المعاناة اليومية الأخرى خارج حدود هذه الأرض من جهة ثانية… وقد أكد بابلو بيكاسو ذات الرؤية قبل أن يغادر مرسمه ويرحل عن عالمنا عندما أشار إلى أن فنّه المضاد ليس من صنع يديه أو من إنتاج ألوان ريشته، بل جرائم النازية هي التي نقشت معظم لوحاته بعد اندغام آثارها بين أصبغته كشاهد يقظ ودائم في ضمير الإنسانية ووجدانها المعذب!…‏
هذه المقولة تحرقنا بوهجها كلما اقتربنا من الآداب الفلسطينية، لأنها تحوي في كل سطر من سطورها آثار التآمر على الجسد الفلسطيني… فضلاً عن مأساة العربي المقعد تحت المنشار الصهيوني الذي يأكله جيئة وهو في فلسطين المحتلة وذهاباً وهو في عموم وطنه العربي؟!…‏
وإذا قدر لهذا المنشار الحاد أن يستمر بفاعليته الثنائية دون نهاية محددة، فإن الآداب العربية الفلسطينية نفضت كلتا يديها من العربي المتخاذل الذي رسمته الآداب الصهيونية برؤية ذرائعية. وكنا قد وجدنا بقاياه في رواية “خربة خزعة للكاتب الصهيوني “يزهار سيملانسكي”(1).‏
وقدمت هذه الآداب الفلسطينية كبديل عنه شخصية أخرى لا تعرف سوى البندقية والمقاومة المستمرة(2)… وبات الكاتب الفلسطيني بشكل خاص لا يستطيع تقديم أية كلمة أو أي شيء آخر إلى هذا العالم إلا من بوابة الحرب ونارها الكاوية لأنه لا يستطيع أن يبصر أحداً ما في الكون كله إلا من خلال فلسطينية المحتلة!… فقدم لنا نتاجات مختلفة حرص فيها على رصد المجابهة عند بطله المقاتل في حرب متعددة الوجوه خاضها ضد أعدائها(3)، وقد استطاعت القصة الفلسطينية القصيرة نقل جانب كبير منها من خلال نموذجين اثنين… النموذج الأول مأخوذ من داخل الأرض المحتلة، أما النموذج الثاني فمستمد من حدود أرحب عبر ساحات الديسابورا الممتلئة بالتشرد والتشتت والضياع…‏
وما قدمه وليد رباح في قصص “نقوش على جدران الزنزانة”(4) جاء معبراً عن النموذج الأول وهو يخوض حرباً تشمل جوانب حياته المختلفة داخل الوطن المحتل وقد أظهر من خلاله الشخصية الفلسطينية الفاعلة ضمن إطارها التاريخي ممثلة بأجيالها المتتالية التي يؤرخ لها الكاتب منذ عام ـ 1936 _ أي منذ الانتداب الإنكليزي الذي تلاه الاغتصاب الصهيوني مشيراً إلى توحد صيغهما الجوهرية في نمطية التعامل القائمة على أساس الاستلال والقمع والخراب.‏
فالزنزانة التي استخدمها الإنكليز في كم الأفواه الفلسطينية أيام الثورات الأولى، يستخدمها الاحتلال الاستيطاني الجديد لذات الغرض في تعذيب المقاتل الفلسطيني الرافض، هذه الوحدة المكانية تتيح لبطل القصة قراءة النقوش المكتوبة على جدرانها وعندما يفع يجدها وصايا ثائر لم يعد يحتمل التعذيب فاعترف ببعض الأسرار لجلاديه من الإنكليز لقاء خلاصه الموعود، لكنه يكتشف اللعبة بعد فترة ويعرف أن هذه الوعود التي قطعوها لـه كانت خدعة ليس إلا، لذا يحذر غيره كي لا يقع في الورطة نفسها قائلاً: “زرتها في الأول من تموز عام 1936… عذبوني.. بحت في اليوم الأول باسم أمي وفي اليوم الثاني علموا اسم أبي وفي اليوم الثالث والرابع لم أكن أدري أحي أما أم ميت”(5).‏
إن هذه النقوش التي قابلها بطل أكرم شريم بالصمت حينما وردته على شكل سؤال ضاع في الفراغ في مجموعة “السجناء لا يحاربون”(6) اتخذ منها بطل الرباح موقفاً معكوساً يوضح أبعاده في قصة أخرى هي “لن يطول الليل” إذ يتجه بطل القصة إلى غرفة التعذيب ويتمدد على أرضها ملقياً بالحبل في وجه أحد جنود الاحتلال صارخاً به: “اربطني وعذبني كما تشاء”! بهذا الشكل يحدد الكاتب وجه استفادة أبطاله من التراث النضالي الفلسطيني مستخدماً المناظرة التي عقدها منذ القصة الأولى بين جيل الثلاثينات الفلسطيني والأجيال الفلسطينية الأخرى التالية لهذه الحقبة التاريخية لذلك نجد الحدث القصصي عند الرباح لا ينفصل عن الحدث التاريخي الذي يظهر شيئاً فشيئاً ويتنامى مع تداعيات البطل وحواره ليشمل المادة القصصية كلها كما في قصة ـ نقوش على جدران الزنزانة والحبل ـ مما جعل المجموعة القصية غنية بالمواقف البطولية التاريخية ـ الموضوعية ـ للمقاتل الفلسطيني على عكس المواقف التي قدمته بها الآداب الصهيونية…‏
وإذا كان الملك ميدياس قد مات جوعاً بعد أن تحوّل كل شيء لمسه إلى ذهب كما تحكي الأسطورة، فإن الإنسان الفلسطيني في قصة “قطعة سلا يا رب” لأكرم شريم يرغب بأن يتحول كل شيء يقترب منه إلى بندقية!…‏
وهذه الرغبة تتحقق بالفعل عند وليد رباح عندما يستغني “حسان” بطل قصة “زينب تباع ببندقية” عن خطبة حبيبته ـ زينب ـ ويقتني بمهرها الذي جمعه من الموسم بنقدية مؤكداً لنا في نهاية القصة أن البندقية تساوي ألف زينب(7)!…‏
بهذه الرؤية يتجاوز الكاتب كافة الطروحات الوجودية التي تقرر عجز الإنسان عن القيام بأي فعل دون حرية…‏
وبالرؤية ذاتها ومع تعمّق الحدث القصصي تتجاوز بطلاته أيضاً مقولات سيمون دوبوفوار في كتابها “الجنس الآخر” الذي تشير فيه أنها اكتسبت حركة بمقدار ما حققت من حرية.‏
فأم محمد العكرمية رغم الاحتلال كانت تقدم الزوادة إلى الثوار قائلة أن زوادة المدفع أولاً، والمرأة في قصة “الحبل” باعت ـ ذهب عرسها ـ كي تشتري لزوجها بندقية صواري وثالثة أدخلت أحد رجال المقاومة إلى بيتها كبديل عن زوجها الغائب حتى لا يقبض عليه(8).‏
إن بدايات المأساة الفلسطينية كما يراها الرباح ليست بالتشرد الفلسطيني وحسب بل من خلال تخاذل ملاك الأراضي أمام الشخصية اليهودية التي رسم مسارها بن غوريون وتيودور هرتزل وهذا الأمر لعب دوراً مهماً في تحقيق الآراء الصهيونية وأحلامها حسب قول هرتزل في مذكراته اليومية: “يجب أن ننتزع بلطف الملكية الخاصة من المقاطعات المخصصة لنا سنحاول أن ندفع بالسكان المعوزين عبر الحدود ويتم ذلك بتأمين الأعمال لهم في البلدان المجاورة ومنعها عليهم في بلادنا، أما الملاكون فإنهم سيقفون إلى جانبنا” ضمن هذه الرؤية يخرج الملاك من إطار المقاومة متحولين إلى سماسرة وعملاء سريين وأدوات تنزع الملكية بشكل طوعي على حد تعبير هرتزل ويوضح وليد رباح لنا ذلك في قصته “الطيف” فنجد أن التاجر هو اليهودي والسمسار هو مختار القرية!… وعندما يرفض عبد الجواد بيع أراضيه لليهودي يطاله الأذى من المختار فيتدخل بطل القصة “محارب” الذي كان في الجبل ومعه بندقيته ويصرخ بوجههم: “قفوا حيث أنتم… إلا أنه رفض أن يبيع أرضه لليهود تفوا عليك يا من بعت شرفك بالليرات”(9).‏
يقدم الرباح إدانته لسلوك هؤلاء الملاك لأن تخاذلهم نتج عنه كردة فعل مقاومة فردية غير متكافئة عبر أزمة الصراع وهذا ما يرد على لسان أبو عبد الجواد الذي يقول بعد حادثة بيع الأراضي على الفور: “ملعون أبو عبد الجواد الذي هو أنا، لِمَ لمْ تصعد الجبل مع محارب لو كنت هناك وآخرون من القرية غيرك لما تجرّأ أن يصبح سمساراً يبيع الأرض لليهود…”(10). من خلال ذلك يعيد القاص الفلسطيني وليد رباح إظهار الشخصية الصهيونية وهي تستخدم شتى الأساليب الميكافيلية لتحقيق أهدافها وغاياتها كما ه انتهازية يانكل في رواية غوغول “تاراس بولبا”(11) وجشع شايلوك في تاجر البندقية لشكسبير. نجد جشع اليهودي ووصوليته في قصص الرباح. التي تشي برفضه للمقاومة الفردية في المعركة التي تخاض ضد هذه الشخصية الصهيونية تلك نتيجة عدم جدواها بمسألة الصراع ذاتها.‏
وبذلك يرسم وليد رباح المسار الفلسطيني عبر المقاومة الجماعية الواعية لكافة رموز وصيغ الاحتلال، وقد ترك بعضاً من أبعادها في قصصه التي حملت في سياقها تطلعات الشخصية الفلسطينية في تحرير وطنها المحتل، وإنهاء أزمتها الديسابورية الخانقة…‏
—————-
هوامش ومراجع‏
(1) للاطلاع على الصورة غير الحقيقية التي رسمها الكاتب الصهيوني يزهار سيلانسكي للشخصية العربية عد إلى رواية خربة خزعة ـ ترجمة توفيق فياض وطباعة دار الكلمة ـ بيروت 1981.‏
(2) راجع لأحمد حسين حميدان دراسات حول القصة الفلسطينية والمنشورة ضمن الأعداد التالية لجريدة تشرين السورية /3335-2347-2420/ دمشق 1982-1983.‏
(3) للاطلاع على وجوه الحرب في القصة القصيرة عد إلى دراسة: أحمد حسين حميدان المنشورة بمجلة المعرفة ـ الصادرة عن وزارة الثقافة السورية ـ العددان (316-317) دمشق 1989.‏
(4) مجموعة قصص نقوش على جدران الزنزانة لوليد رباح ـ صادرة عن دار العودة ـ بيروت 1974.‏
(5) المرجع السابق ـ قصة نقوش على جدران الزنزانة، ص10.‏
(6) مجموعة قصص السجناء لا يحاربون لأكرم شريم ـ صادرة عن اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 1972.‏
(7) مجموعة قصص نقوش على جدران الزنزانة ـ قصة زينب تباع ببندقية ـ ص60.‏
(8) المرجع السابق ـ قصة إعلان على جدار المخيم ـ ص30 ـ وقصة الحبل ـ ص45، وقصة السرداب ـ ص66.‏
(9) المرجع السابق ـ قصة الطيف ـ ص93.‏
(10) المرجع السابق ـ قصة الطيف ـ ص94.‏
(11) رواية تاراس بوليا ـ لغوغول ـ ترجمها إلى العربية عوض شعبان ـ وصدرت بطبعة ثانية عن دار الفارابي ـ بيروت 1981.

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة