مفهوم الذكر وفهم الذاكرين – بقلم : د . عبد الوهاب القرش

دراسات …..
بقلم : د . عبد الوهاب القرش – مصر ….
سُأل عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود الهذلي عن سيد الأعمال فقال:” إن لكل رجل سيداً من عمله، وأن سيد عملي ذكر الله عز وجل”.
إذا فسرت السيادة في هذه الكلمة بأن أعمال كل رجل تتفاوت فيما بينهم بحسب كل منها من الفضل والإحسان، حتى ينتهي التفاوت والتفاضل إلى عمل رفيع منها..يبدو حينها الذاكر التقي النقي بين سائر إخوانه من الذاكرين كأنه القمة العليا بين ما حولها من القمم.
وإذا فسرت تلك السيادة بأن المرء قد يعتاد لوناً من ألوان أعمال البر، فيألفها..ويحبها ويعمل بوحيها..حتى تصير آمرة على وجدانه ، مهمينة على سلوكه..وقد تتفاوت تلك الألوان من حيث الهيمنة بحسب ما لكل منها من تجاوب في النفس وملائمة للطبع ، حتى ينتهي التفاوت إلى استئثار لون منها بأوفر حظ من السيادة والسلطان على هوى صاحبه وإرادته – كان معنى هذا أن ذكر الله سبحانه وتعالى قام من نفس الذاكر التقي النقي مقام الأمير أو مقام السيد الآمر الذي يهيمن على كل تصرفاته ومشيئته فلا يستطيع له خلافاً.
ومن الذكر ما يكون بتحريك اللسان والشفتين بأسماء الله الحسنى سبحانه وتعالى ، ومنه ما تنبعث إليه خوالج النفس كلما رأى الإنسان آية من صنع ربه ، أو شبه نفخة من فواضل كرمه ، فكل آية وكل نعمة لها مع نفسه المرهفة حديث يذكرها بالله جل في علاه ، كما يذكر الصانع بصنعه وكما يذكر صاحب الآثار الجميلة عند رؤية أثر من آثاره.
إما الذكر عند الذاكر التقي النقي فهو حضور نور الله في قلبه على الدوام ، كأنه من لوازم طبعه أو ضرورة أصيلة لا تستغنى عنها النفس..فهو يرى الأشياء بهذا النور الحاضر معه، ولا يرى النور بهذه الأشياء..وما أبعد الفرق بين المنزلتين..
ما أبعد الفرق بين قلب تنبهه الأشياء إلى الله، وقلب دائم التنبه إليه بدون حاجة إلى واسطة ، فهو لا يذكر الصانع بصنعه ، ولا الخالق بخلقه ، ولا يذكره سبحانه وتعالى بأي سبب طارئ ، لأنه حاضر في ضميره لا يغيب ، ماثل في سره لا يتحول.
وإذا قلنا أن الذاكر المؤمن يرى الأشياء بهذا النور، فليس مرادنا أنه يرى مادتها وأحجامها على النحو الذي نعهده حين يرى الإنسان أشياء كانت خافية عنه ، بل نريد لوناً آخر من الرؤية.
نريد أن كل شيء مما نراه حولنا مؤلف من مادة ظاهرة ملموسة ، وحقيقة روحية خافية لا سبيل للحس إليها..
وسبيل رؤية المادة الظاهرة هو نور العين العادية.
فإذا نظر هذا الذاكر التقي النقي إلى شيء ما ، أبصره بنور عينه وقلبه ، وأبصر مادته الظاهرة وحقيقته الباطنة..وبدت له المادة الظاهرة إلى جنب الحقيقة الباطنة كالعدم إلى جنب الوجود وكالموت إلى جنب الحياة..وكالعدم إلى جنب الوجود ، لأن الذي ينظر من الشيء إلى مادته الظاهرة يكون في الحقيقة قد رأى لا شيء..أليست الأشياء لا توجد إلا إذا وهب لها الله سراً من امره فهي بدون هذا السر عدم، وهي به حقيقة ذات وجود.
فلكل شيء صفحتان:صفحة العدم الذي لا وجود له ، وصفحة الأمر الذي يقوم بسره كل شيء..فإذا رأى المرء صفحة الحق في أي شيء ، فقد رأى منه كل شيء، وإذا لم ير إلا صفحته الظاهرة فقد رأى صفحة العدم الذي لا يهب له شيئا.
الحق نقول:تبدو هذه المادة الظاهرة إلى جانب الحقيقة الباطنة كما يبدو الموت إلى جنب الحياة فإذا اقتصر المرء على رؤية الجانب المادي فهو يعيش بين أطلال الموت الكالح الخرب..وإذا رأى جانب الحياة ، فكل شيء حوله سعيد.
وإذا عاش الإنسان في عالم الموت بين أطلاله الخربة ، فلسنا نعني أنه يعيش بين مقابر الموتى، أو بين أطلال مدينة خربة مهجورة ، بل نعني أنه يعيش مكتفياً برؤية الناحية الخرساء في الأشياء محجوباً عما وراء ذلك من أسرار الحياة..
وما قيمة الحياة التي حجب عنها..؟
إنه ليست حياة النمو للأعضاء ولا حياة الحركات للأبدان..بل حياة من لون لا يخطر على البال ، ولا يستطيع الذهن أن يصل إلى كنه ما عليه..لأنها من أمر الله الذي استأثر سبحانه بعلمه..
إنها الحياة في الكائن لا يتحرك ولا ينمو ، بل ليحل فيه الخير والبركة والرحمة والطهر والجمال والنعيم ، فالجانب الحي فيه هو هذا الجانب الميمون، والجانب المادي المض ليس له بذاته شيء من سر هذه الصفات ، فإذا حجب الإنسان بهذا الجانب عما وراءه ، فقد حجب عن الخير، والبركة ، والرحمة ، والطهر، والجمال، والنعيم، ومشى بين شخوص المادة المظلمة في عالم لا خير فيه ولا رحمة ، ومااذا بعد الخير والرحمة إلا الشر والجحيم وما إلى ذلك من ألوان عذاب الله؟!!
فإذا كان للذاكر نور في بصيرته امحت ظلمات ذلك الشر من أمامه ، وأبصر الخير والجمال والرحمة تفيض من كل ما حوله ، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:”الدنيا ملعونة ملعون ما فيها ، إلا ذكر الله وما والاه ، ومعلم أو متعلم “.
هذا النوع الرفيع من الذكر هو الذي يضيء للذاكر التقي النقي، وهو الذي يبصر به الأشياء فيرى مادتها ويرى حقائقها معاً، وبضوء هذا الذكر فإذا على الناس ساعة لا يذكرون الله سبحانه وتعالى فيها لهلكوا جميعاً..والهلاك الذي نقصده ليس هلاك الأبدان ، وانقضاء حياتها على هذه المعمورة ، بل هو الهلاك الروحي الذي يحل بالمرء حين يحجب عن سر ما في الكون من رحمة وبركة ونعيم، وتنقطع به الشقوة إلى ظلام الأبالسية وجحيم الاكتفاء بلذائذ الحس المادي المحض.
وقرأنا في بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن ذاكر الله في الغافلين كالعود الأخضر في الهشيم ، ومتفسيره واضح على ما قدمنا..والذاكر فوق هذا قد يعود على من حوله من الغافلين بشيء من الخير الذي حجبوا عنه ، ويدفع عنهم بعض ما يزحف عليهم من البلاء والويل ..ويصفو طبعه ويرق حجابه ، وتشف الكائنات أمام بصيرته ، حتى يبدو الجماد له حقيقة حية تسمع وتبصر وتتكلم..تسمع ما حولنا من خير وشر وتبصر ما هنالك من حق وباطل، وتردد أثر ما ترى وما تسمع كلاماً يسري في ضمير الوجود دون أن تسمعه أذن من البشر..
والقرآن الكريم، وهو جامع الحقائق الدقيقة التي تحيط بنا، قد قرر للجماد هذا الذي نذكره فيقول جل في علاه:{ تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا}(مريم:90)..
فالسموات والأرض للخير تسمع في تكاد تخر من هول ما تسمع من إفك أهل الضلال حين يقولون: اتخذ الرحمن ولدا..!!
فالجبل جماد في رأي العين، ولكنه في رأي البصيرة الكاشفة حقيقة روحية حية، تحس من أسرار الوجود ما لا تحسه المدارك العادية ، وتتجاوب معه حقائقه الأصلية بما لا يدركه الغافلون..وحين يسمو المرء في منازل الذكر إلى هذا الأفق العالي يبدو له الكون كله حقائق حية سعيدة قائمة بنور الله ، شادية بذكره جل شأنه، مترنمة بقداسته ، خاشعة لجلاله، في وحدة نورانية متسقة، تنتظمها جميعاً في سر قوله جل في علاه:{ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا}(الإسراء:44)..
وهذا كله فضل حضور نور الله في القلب، وهو من تفسير ما ذكرنا فيما مضى بأن الذاكر التقي يرى الكون كله بنور الله،ولا يرى نور الله عن طريق الكون..وإن هذه الرؤية هي رؤية الحقيقة الحية والسر الخفي لا رؤية الصفحة الجامدة والمادة العجماء..
وحين يشرف الذاكر النقي من أفقه هذا الرفيع لا يرى الكائنات الحسية ، فحسب بل يرى الحسية والمعنوية جميعاً ، الروحية والمادية معاً ، فالخير من الله كثير ، ولكن لا يبصره من الناس إلا اليسير..وهو للناس من الله معروض، ولكن لا يبصره من الناس من لا ينظر إليه ..ولا يجده من لا يبتغيه ولا يستوجبه من لا يعلم له..إلم ننرى كثرة نجوم السماء فإنه لا يهتدي بها إلا العلماء؟!!
وليس هذا الكلام غلو أو مجاوزة للمعلوم من أسرار الكون ، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول:”إن لربكم في أيام دهركم نفحات..ألا فتعرضوا لها..”..فهذه الرؤية للذاكر التقي النقي هي تعبير عن مشاهدة قلبية يرى فيها بنور الله ذلك الر عين اليقين، وهو فضل الله جل في علاه يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة