في ذكرى ميلاد غسان كنفاني حينما يخرج الفينيق حياً من بين الرماد..- بقلم :بكر السباتين

فضاءات عربية ….
بقلم : بكر السباتين – فلسطين \ الاردن …
في ذكرى ميلاد الشهيد المبدع غسان كنفاني الذي صادف يوم الأربعاء الماضي الثامن من أبريل. نقول بأن الكبار وإن طواهم الغياب، تظل أعمالهم شاهدة على أن الفينيق الفلسطيني سيخرج من بين الرماد أشد عنفواناً.. هكذا تعملق إرث الشهيد الفلسطيني، المبدع غسان كنفاني فيينا، وكان حصاد تجربته تلك الأجيال الفلسطينية التي تربت على حب فلسطين، والمطالبة بحقوقها المشروعة، والتمسك بالبندقية كخيار استراتيجي، حيث علم كنفاني ذات الأجيال كيف أن المخيم رمز لنكبة فلسطين، واللاجئ واقع متغير مآله العودة إلى الديار السليبة، وفلسطين هوية راسخة في العقل والوجدان ببعديها المعنوي والقانوني، والميثاق الوطني الفلسطيني الذي اغتالته اتفاقية العار “أوسلو” دستور، وخارطة طريق للتحرير بموجب خيار الكفاح المسلح الذي دافع عنه كنفاني حتى الموت.
كانت مسيرة غسان كنفاني واحدة من التجارب الإبداعية الكفاحية النضالية في تاريخ شعبنا الفلسطيني، التي نهلت وما زالت تنهل منها الأجيال الفلسطينية، كونها اعتمدت على كراهية الظلم والقهر، والانحياز طبقيًا للإنسان المغبون، الباحث عن مستقبل مشرق، والتواق للحرية في عالم التردي والأفول، بدون استعباد واستغلال وظلم وقهر طبقي وقد أبدع في رصد تفاصيل حياة المخيم، ذلك المكان الذي حافظ على ركائز الشخصية الفلسطينية في المنافي.
الشهيد غسان كنفاني هو قاص وروائي فلسطيني وأحد أشهر الأدباء العرب في العصر الحديث، ولد في مدينة عكا في فلسطين بتاريخ ٨ أبريل 1936م، المدينة التي قهرت الغزاة، وبناها ملك الجليل ظاهر العمر. وعاش كنفاني أولى سنوات حياته في مدينة يافا في فلسطين، قبل أن يُضطر إلى اللجوء إلى لبنان ثمَّ الانتقال إلى سوريا بعد النكبة الفلسطينيَّة عام 1948م، ليستقر غسان كنفاني في دمشق مدة من الزمن، درس في أثناء إقامته في دمشق الأدب العربي في جامعة دمشق عام 1952م، ولكنَّه ترك دراسته وهو في السنة الثانية لينضم إلى حركة القوميين العرب عام 1953م، بعد ذلك غادر إلى الكويت وعمل مدرسًّا فيها، ثمَّ إلى بيروت ليعمل في مجلة الحرية عام 1961م، وأصبح رئيس تحرير جريدة النور اللبنانية، وفي عام 1967م أنشأ مجلة الهدف التي كانت تنطق باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكان غسان رئيس تحرير هذه المجلة.
تزوَّج غسان كنفاني من سيدة دنماركية اسمها آن، وأنجب منها ولدين، وهما: فايز وليلى.
كان غسان كنفاني مشحونًا بالقضية الفلسطينية حتى النخاع، ممتلئًا بالعنفوان والكبرياء؛ فكتب بكلِّ ما كان لديه من أسى وجراح، وعلى الرغم من الفترة القصيرة التي قضاها في هذه الحياة، إلَّا أنَّه أصدر ثمانية عشر كتابًا، وكتب عددًا كبيرًا من المقالات والدراسات، أغلب هذه الكتابات تناولت قضيته الأم وقضيَّة العرب الأولى، قضة فلسطين والاحتلال الصهيوني الغاشم، قبل أن توافيه المنية في بيروت حيث اغتيلَ على يد الموساد الإسرائيلي بانفجار سيارة مفخخة في الثامن من يوليو عام 1972م.
كان غسان كنفاني مبدعاً عظيماً استحق تقدير العالم.. وكان إنتاجه متنوعاً وزاخراً بالوعي لتفاصيل الوجع الفلسطيني. ومن أشهر روايات غسان كنفاني: عائد إلى حيفا. رجال في الشمس. أرض البرتقال الحزين. أم سعد. عن الرجال والبنادق. القميص المسروق. العاشق. ما تبقى لكم. عالم ليس لنا. الشيء الأخر. ومسرحية القبعة والنبي.
أما في مجال البحوث الأدبية التي أعدها كنفاني، فصدر له: الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968.
ثم مجموعة مقالاته التي نشرها تحت اسم مستعار (فارس فارس) في “ملحق الأنوار” الأسبوعي (1968) ومجلة “الصياد” من شباط إلى تموز 1972 ومقالات قصيرة في جريدة “المحرر” تحت عنوان “بإيجاز” [5]1965
ولفت كنفاني القارئ العربي إلى الأدب الإسرائيلي من خلال كتابه “في الأدب الصهيوني” تحت شعار اعرف عدوك..
ومن أهم الجوائز التي حصل عليها كنفاني، في عام 1966م جائزة بعنوان “أصدقاء الكتاب في لبنان”، وكان ذلك عن روايته (ما تبقى لكم) والتي اعتبرت وقتها أفضل رواياته صدرت على نطاق عربي، كما حصل على جائزة منظمة الصحافيين العالمية، وفي عام 1974م حصل على جائزة اللوتس، والتي منحه إياها اتحاد كتاب أفريقيا وآسيا في عام 1975م.
وكان غسان كنفاني الناطق الإعلامي لعملية اللد الشهيرة التي شارك فيها عناصر من الجيش الأحمر الياباني بالتنسيق مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
وعاش كنفاني قصة حب صامتة مع الأديبة السورية غادة السمان وجرى بينهما تبادل للرسائل كتبت بلغة أدبية راقية، تم نشرها بعد وفاته.
كتب كنفاني مرة: “كنت أريد أرضًا ثابتة أقف فوقها ونحن نستطيع أن نخدع كلَّ شيءٍ ما عدا أقدامنا، إننا لا نستطيع أن نقنعها بالوقوف على رقائق جليد هشَّة معلقة بالهواء”.
وقال أيضاً:
“سأظل أناضلُ لاسترجاعِ الوطنِ؛ لأنَّه حقي وماضي ومستقبلي الوحيد، لأنَّ لي فيه شجرة وغيمة وظلًا وشمسًا تتوقد، وغيومًا تمطر الخصب وجذورًا تستعصي على القلع”.
هذه شعلة غسان كنفاني الخالدة تضيء قلوبنا التي أتعبتها الانتكاسات وأغرقتها الهزائم في الظلام..
١١ أبريل ٢٠٢٠