إنثيالات الشعر في أعماق المتلقي – بقلم : بكر السباتين

آراء حرة ….
بقلم: بكر الباتين – فلسطين – الاردن …
الشعر بوح تلقائي يخرج من قلب المغني دون عناء.. كعبق الزعتر في البراري.. يتشكل من التفاعلات الوجدانية داخل الشاعر مع المواقف..ودور العقل في إنتاج القصيدة ينحصر في فتح صناديق الذاكرة الزمكانية على الموقف كي تتمازج الرؤية مع الصور الحاضرة إليه من الذاكرة التسجيلية المليئة بالمواقف والروائح والأصوات والكلمات ليتوقد النص في عقل الشاعر، ثم يدور الخيال في الموقف فتتراقص الصور بمكوناتها الجديدة..بينما ينزوي ذات العقل بقوالبه الصارمة بعيداً عن تفاعلات الصور يبعضها .. لأن الذاكرة حينها تصبح نهباً للقصيدة.. ويصاب الشاعر بالهذيان.. فلا يصحوا إلا على تصفيق المتلقي للقصيدة.
التلقائية في القصيدة تحاكي النهر المتسلل بين الصخور دون أن تراه الشمس ليفاجئنا شلال الشعر متدفقا ًمن بين الصخور. فالشكل الذي تلمسه مشاعر المتلقي من تكوينات النص الموسيقية تشبه شكل المياه المتدفقة من أعلى الجرف بخلفيته الطبيعية وهو يتحاور من الجماليات البيئية المنفتحة على السماء.. فتعترضه بعض الظروف البيئية كالرياح التي ستغير من خطوط الشكل حسب المواقف والظروف النفسية الزماكانية إزاء الشكل الكلي للقصيدة وهو ما يحرض الصور في ذاكرة المتلقي كي تقبل على النص بتفاعلات ومشاعر المتلقي الحسية والعاطفية والروحانية.. والتي بدورها ستنقب في آخر الشلال المتماهي مع حدود المكان عن شيء موجود فينا.. صورة مفقودة تلح على المتلقي للخروج فيجد ملامحها في النص المليء بمفردات القيم الجمالية المتمازجة مع الخيال فتتحرك الدهشة وتنعصف في رأسه الأسئلة الفطرية التلقائية كأنها صنارة صيد تنقب في الأعماق عن الدرر الكامنة بداخل النص.. ليجد صورته الروحية تعوم بانسيابية الماء النمير الجاري وملتقاها مع القصيدة. لتتخطف مشاعره إلى الحجارة المصقولة.. والمستحثات الحجرية الموجودة في القاع منذ ملايين السنين.. والصدفات المليئة بالأسرار.. والأسماك الملونة التي تداعب مشاعره المأسورة لملهمات الشاعر.. فتنهض الصور الخاصة ليركبها المتلقي بمشاعره وفق الموقف الخاص بينه وبين النص ليقدح المعنى؛ فينبهر ذات المتلقي ويصفق للشاعر صارخاً في وجه المدى الكوني” وجدت نفسي”. من هنا فالتلقائية في الشعر المتحرر من القيود أكثر تأثيراً على المتلقي من القصائد المقولبة بالأوزان الصارمة التي يتحكم فيها العقل ويضع في قلب النص موازين وقوالب مهندسة مسبقاً.. وكأن النص يسبق الموقف المفتعل.. فنجرد بذلك شلال الشعر من تكويناته الطبيعية فنحاصره في قنوات إسمنتية صارمة الشكل.. لذلك تحلو النزهات على شواطئ الأنهار فيما لا تجد مثل ذلك الإقبال عند قنوات المياه الاصطناعية والسدود. لذلك فالشاعر قد لا يكون دارساً لشروط الشعر وقواعده! ولكن لديه من النضوج الشعري ما يتجاوز بالقصيدة كل العقبات. في الوقت نفسه قد يحمل الأديب شهادات عليا في مجال اللغة لكنه لا يقرض الشعر.. فالشاعر يتذوق اللغة ربما دون دراسة؛ لأن خصائص القصيدة موجودة في الشاعر نفسه.. وهي علاقة بين شلال القصيدة ومنحدرات الروح