الأوثان الحجرية وتزوير العملية الانتخابية- بقلم : د . عبد الوهاب القرش

دراسات …..
بقلم : د . عبد الوهاب القرش – مصر …
لقد جمع الله سبحانه وتعالى بين اجتناب الرجس من الأوثان ، واجتناب قول الزور في قوله تعالى{فاجْتَنِبُوا الرّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}(الحج:30)..كذلك جمع بينهما الحديث الشريف فلقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح فلما انصرف قام قائماً فقال:” عدلت شهات الزور الإشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ{فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}”(رواه أبو داود).فما السبب في ذلك الجمع؟!!
إن الأوثان في الظاهر هي ما يتوجه إليها الجاهلي بالعبادة ، ومن بينها وأهمها، تقديم القرابين، والطواف بها ، واستمداد العون والقوة منها مع ضعفها ، وقلة حيلتها ، وأشد ما فيها ، إخفاء الحقيقة الكبرى ، وهي الله سبحانه وتعالى فالجاهلي قدم إلهاً مزعوماً على الله ، أظهر الضعيف ، وأخفى القوي ، أظهر الباطل ، وأخفى الحق.. لكن وظيفة الأوثان في الباطن غير وظيفتها في الظاهر! وظيفة الأوثان غير الظاهرة وظيفة تشريعية، تتمثل في قلب الأمور رأساً على عقب، بحيث يضيع الحق ، و يصبح الباطل هو المكتسبات التي تدافع عنها القبيلة؛ بمعنى أن القبيلة تقتل باسم أوثانها ، وتموت من أجلها.. أبوسفيان قتل سبعين من الصحابة، ليصيح عند جبل أحد “أعلُ هبل”، ثم يعود إلى مكة!.. وقُتل من العرب مائة رجل دفاعاً عن وثن أسمه “الخُلص” عندما جاء أوآن تحطيم الأوثان، بعد فتح مكة!.
العرب و على رأسها قريش؛ وقريش وعلى رأسها أبو سفيان، كانت تقاتل دفاعاً عن هواها (أو مصالحها بلغة هذه الأيام)! وهبل كرمز لنظام تعدد الآلهة هو ما يجعل التشريع مطابقاً لأهواء قريش، فهي من يحدد في هذه البيئة ما هو “المشروع” وما هو “غير المشروع”! وبذا كان الاسلام عملاً غير مشروع من وجهة نظر قريش (أو طبقاً لهواها) أما قتل سبعين من الصحابة فكان عملاً مشروعاً لأن قريش رأته كذلك! القصة وما فيها أن النظام الجاهلي يدافع عن نفسه باسم الأوثان: فـ”هبل” لم يعط لأبي سفيان أمراً بحرب المسلمين، و “الخلص” لم يعط العرب أمراً بالدفاع عنه!
وبذا يصبح الوثن، وهو في مقام الألوهية، مصدر لمشروعية مزورة تتطابق مع أهواء أصحاب الوثن (الذين يحددون باسمه المشروع من غير المشروع) ويتطابق معه قائل الزور ومزور الانتخابات ، فقد أخفى الحقيقة ، وأبعد أصحابها ، وأظهر الظالم ، ورجحه على المظلوم ، فانظر كيف جمع الله بينهما ، فالعلة واحدة ، والداء واحد ، المشرك انحنى للباطل ، وسجد وركع له ، وقائل الزور انحنى للباطل ، وذل له ، وخشع ، فكلاهما ذليل ، خالف الحقيقة ، ونسبها إلى غير صاحبها ، فلهذا جمع الله بينهما..
الوثن هو رمز الباطل الذي يتظاهر بأنه الحق، أو هو الباطل الذي ينصبه أهل الأهواء في موقع الحق! فالحجر الأصم يقع في هوى الجاهلية موقع الإله: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} (النجم:23)! وعن هذا الباطل تتفرع كل الأباطيل الأخرى، التي تسمى حقوقاً أو مصالحاً! فالهوى هو مصدر كل آلهة الباطل، التي تتجسد في الوثن كرمز لنظام أسمه “الجاهلية”!.. فالجاهلية نظام سياسي مثل بقية الأنظمة المعاصرة: (الملكية أو الجمهورية، والديمقراطية أو الديكتاتورية.. إلخ) إلا أن الجوهري في هذا النظام هو قيامه على تعدد الآلهة (الأوثان)!
ماذا كان هوى قريش الذي كان هبل رمزاً له؟ وما هي المصلحة في تزوير الانتخابات ؟
يتمثل هوى قريش في أن يظل أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف سادة مكة، يتقاسمون بينهم السقاية والرفادة و الوفادة، باسم قريش، التي يقر لها العرب بأنها فوق الجميع. هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الاجتماعي-الاقتصادي فيتمثل هوى قريش في أن يظل محمد مجرد رجل أمين من رجالها، وأبي بكر مجرد تاجر من تجارها، وعبد الله بن مسعود مجرد راعي من رعاة أغنامها، و بلال مجرد عبد من عبيدها! هذا هو هوى أبي سفيان وهو يهتف “اعلُ هبل” عند جبل أحد، وهذه هي مصالح قريش في النظام الجاهلي الذي كان “هبل” رمزاً له.
ويتمثل هوى الأنظمة التي تدرس وتؤسس وتقنن وتسوس وتدستر لتزوير الانتخابات أن تقيم حياة تشريعية هشة قائمة على مصالح أشخاص معينين ، وخدمة لفئة محدودة ، لا تدافع عن فضيلة ، لأنهم جاءوا بواسطة رذيلة تزوير الانتخابات!!..التي تخلق مجتمعاً لا تحقق فيه عملية تكافؤ الفرص بين الناس فيصبح ابن الدبلوماسي دبلوماسياً ، وابن القاضي قاضياً ، وابن الضابط ضابطاً ، وابن استاذ الجامعة استاذاً جامعياً، وابن الفلاح فلاحاً ، وابن العامل عاملاً..وأن يزداد الغني غناً ، وايزداد الفقير فقراً.
وأسوأ ما في عمليات تزوير الانتخابات أنه تنحت الآلهة البشرية (آلهة العصر) الزعماء والنواب ، ولأن الزعيم أو النائب ليس ألهاً إلا بالباطل، فهو شبيه “هبل” في “الجاهلية الأولى”، أي مجرد وثن يتكيء عليه أصحاب السلطة في تبرير سلطتهم، أو بتعبير أكثر دقة، يعتمد عليه أهل الأهواء في تبرير أهوائهم!!
الزعيم من أشد الأوثان فتكاً وأخطرها على المجتمعات العربية، فهو ما يحول جماهير الغافلين إلى مغفلين يشتغلون بعبادته كما اشتغل بنو اسرائيل بعبادة العجل الذي صنعه السامري في غياب موسى، وما كان لوجود هارون وموعظته أن يجديا فتيلاً مع بريق الذهب. عبادة العجل وعبادة الوثن تعبير عن عبادة الهوى، وهو الذهب متحولاً عجلاً عند اليهود ومتحولاً زعيماً على مسرح المجتمع العربي وقابليته للاستعمار!
ليس للأوثان ، على اختلاف أنواعها، من وظيفة إلا تحويل دار الإسلام إلى معتقلات يتم الانتقال بينها بتأشيرات..وهذا حال الأمة العربية لا يخف علينا..
الحق أقول: اليوم لا نخاف على سلامة ديننا من التماثيل الحجرية التي نزين بها بيوتنا، بل نخاف الأوثان البشرية التي نحتناها وجئنا بالتزوير لتتحكم في رقابنا وتحتل رؤوسنا و تسجد لنا عقولنا..
فهل عدنا إلى عصر المماليك عندما كان أسلافنا يشترون المماليك (العبيد) بأموال الأمة ليأتوا ليحكموهم وفيهم الفقهاء والعلماء والحكماء؟!!ياليت قومي يعلمون..

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة