تونس : تعديل قانون المخدرات لا يفي بالغرض . – بقلم : محمد علي القايدي

آراء حرة …..
بقلم : محمد علي القايدي – تونس …
ابتليت البلاد بعيد إزاحة الترويكا من الحكم بانتخاب الباجي قائد السبسي في السنة 2014 رئيسا لها و دخوله قصر قرطاج رفقة مجموعة من العناصر التجمّعيّة المنشأ و العلمانية التوجه . وفي نطاق مهامه كرئيس للجمهورية بدأ باتخاذ جملة من القرارات من بينها تعديل بعض القوانين التي يراها لا تتلاءم مع وضعنا الجديد وانه آن الأوان لتغييرها أو إلغائها إذا لزم الأمر مثل إلغاء المنشور 73 بتاريخ 14 سبتمبر 2017 الذي يمنع ” زواج ” التونسية المسلمة بغير المسلم في إطار ملائمة التشريع التونسي للاتفاقيات الدولية المصادق عليها ولأحكام الدستور الجديد والتحولات الداخلية التي تمرّ بها البلاد . وفي نفس الفترة قرّر بالتعاون مع ثلة من المشرّعين المارقين إدخال تعديلات على القانون عدد 52 لسنة 1992 لمكافحة المخدرات الذي يراه البعض انه قانون ذو طابع ردعي وزجري صارم والذي سنّ في عهد المخلوع وعوّضه بالقانون الجديد عدد 39 لسنة 2017 الذي يلغي العقوبة ” السّجنيّة” أو” الحبس” نهائيا والتي استبدلت بخطايا مالية بدعوى أن سجوننا غير قادرة على استيعاب العدد الهائل الذي يعدّ بالآلاف من المتعاطين والمدمنين على استهلاك “الزطلة ” ، و بمجرّد الحديث عن هذه الإجراءات المتسرّعة ودون التفكير في انعكاساتها فتحت الأبواب على مصراعيها للمتردّدين فزاد عدد المستهلكين والمدمنين وارتفع منسوب العنف ممّا شجّع على انتشار الجريمة عوض تقليصها علما أن معظم التونسيين رافضة لمثل هذا التعديل لآثاره المدمّرة على سلوك الأفراد والجماعات سواء كانوا من المتعاطين المتعوّدين القدامى أو المجازفين المغامرين الجدد الذين يدخلون للمرّة الأولى عالم الإدمان ويقبلون على تناول هذه السموم القاتلة .
معلوم أن المخدرات سواء الخفيفة منها كالزطلة أو” القنب الهندي ” أو الثقيلة كالهيروين أو الكوكايين أو الأقراص وحبوب الهلوسة ، مذهبة للعقل ومتلفة لخلايا المخّ الذي ينتج عنه فقدان الذاكرة والهلوسة والإدمان خاصة ، ومهلكة للجسم عامة إذ يتضرر منها القلب والشرايين والكبد بتليفه والمعدة والبنكرياس ومتلفة للمال أيضا . والمدمن يتحوّل بعد مدّة إلى شخص عدوانيّ تحرّكه رغبة شديدة في الحصول على جرعته من المخدّر أو المال اللازم لشرائها مهما كلفه الأمر ، يسرق ينشل يهجم يضرب يقتل لأن بالنسبة إليه الغاية تبرّر الوسيلة … فالمخدرات آفة مدمّرة للمجتمعات ، إذا ما استفحلت وانتشرت ضررها يصبح أكبر وأخطر مهدد حاضر ومستقبل البلاد وخاصة الأجيال القادمة .
فجلّ بلدان العالم نذكر منها على سبيل المثال “أندونيسيا ” ، في حرب معلنة لا هوادة فيها لمكافحة انتشار هذا السمّ القاتل والمدمّر لمجتمعاتها ، سنّت قوانين رادعة زاجرة صارمة تصل إلى حدّ عقوبة الإعدام لكل من يضبط وبحوزته كميّة من المخدرات قليلة كانت أم كثيرة . لا تستثني أحدا من الأطراف الثلاثة سواء كان مستهلكا أو مروّجا أو مزارعا منتجا . في تونس التفتّح والانفتاح ، مع الأسف وعوض أن القانون الجديد يحدّ من خطر هذا الوباء القاتل لاحظنا وبمرارة الحصاد كان كارثيّا ، فظاهرة انتشار وترويج الزطلة شهدت ازدهارا واتساعا في السنوات الثلاثة المنقضية من حكم نداء التحيّل وأصبحت تهدّد فلذّات أكبادنا أي أجيال المستقبل فلا نستغرب من أن الزطلة دقّت حتّى أبواب قصر قرطاج الرئاسي . وإحقاقا للحق ، القانون عدد 52 لسنة 1992 الذي صدر في عهد زين العابدين والمتعلق بالمخدرات كان قانونا رادعا وزاجرا بامتياز لكل من تحدثه نفسه استهلاك أو ترويج أو بيع المخدّرات أو زراعتها ، وقد حدّ من ظاهرة تناول المخدرات بأنواعها وبقيت الأوساط التلميذية والطلابية في منأى و مأمن من هذه الآفة المدمرة . أمّا اليوم وبعد أن ضاق الناس ضرعا نرى انه من الواجب تقييم وتعديل القانون عدد 39 لسنة 2017 لأنه لم يفأ بالغرض ولم يعالج المرض علاجا جذريا بل أغرق البلاد وأوقعها في مشاكل أكثر تعقيدا ومأساوية وقد اتضح للجميع أن إسقاط العقوبة “السجنية” في هذا القانون على المستهلكين كان خطا فادحا لا مبرّر له وجرما في حق البلاد والعباد . فلو كانت الدولة وطنية وجادة حقّا في مكافحة المخدرات لسنّت قوانين تحرّم وتجرّم قطعيّا استهلاك وتجارة وزراعة المخدرات ولفكّرت في بعث أقسام في المستشفيات والسجون وبنت مصحّات عمومية جديدة تعنى بمقاومة الإدمان وتأهيل المدمنين فلو فعلت ذلك لكان الأمر أجدى وانفع، مع قيامها بحملات توعية كثيفة ومكثّفة في كل القنوت الفضائيّة والإذاعات الجهوية والصحف الالكترونيّة والجرائد والمجلاّت الورقيّة والمنتديات ومنابر الجمعة وفي المدارس لتعريف الناس بمخاطر تناول المخدرات والمسكّرات بأنواعها لأنها من الخبائث ، لك الله يا بلدي .

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة