زايد .. أيقونة الحكمة قراءة في مشاهد حكيم العرب الشيخ زايد آل نهيان – بقلم د . بليغ حمدي اسماعيل

آراء حرة …..
الدكتور بليغ حمدي إسماعيل – مصر …
أنت أمام شخصية هي بحق جديرة بالكتابة عنها ؛ ليس فقط للدور الذي قدمتها هذه الشخصية تجاه وطنه وشعبه ، بل لتجاوز هذا الدور الذي قد يبدو محدودا وفق التوصيف الجغرافي الضيق الذي يعني التباين الأرضي حسب تعريف الجغرافي المصري جمال حمدان ، إلى أدوار أخرى أكثر أهمية وأقوى تأثيرا في كافة إحداثيات الوطن العربي بأكمله ، تلك الشخصية الاستثنائي في تاريخ الأمة العربية المغفور ذنبه ـ بإذن الله ـ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، والذي يمكن إيجاز سيرته بأنه ليس مجرد حاكم لدولة الإمارات العربية المتحدة في فترة زمنية تقاس بالتواريخ والسنوات ، بل الإيجاز يكمن في بلاغة توصيفه الشعبي الذي منحها له الشعوب العربية ، إنه حكيم العرب ؛ الذي يمثل أنموذجاً رائعا للحاكم الواعي بشئون حكمه ، والراعي لأمور رعيته على أكمل وأتم وجه، والمخلص لأمته العربية الكبيرة التي تتعدى تخومها حدود دولته .
مدخل اضطراري :
لماذا نحن الآن بحاجة ماسة لاستحضار طاقة الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله ) الإيجابية ؟ هذا سؤال يفرض نفسه على حاضرنا ، واستفسار يستدعي وجوده بقوة في واقعنا العربي الراهن ، لأننا اليوم نعيش ظروفا استثنائية بحاجة إلى حكمة ووعي بها ، هذه الظروف التي بحاجة إلى عقول تستشرف المستقبل متسلحة بأدوات وطنية تتمثل في الهوية واللغة وروابط التاريخ المشترك ، ولاشك أن الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله ) رجل امتلك حكمة تجاوزت حد واقعها إلى استشراف المستقبل الذي يتطلب بالضرورة التماسك والتكاتف والتعاون العربي المشترك ، الأمر الذي تحقق بالفعل للشيخ زايد ومكَّنه بحق أن تمنحه الشعوب العربية قبل حكوماتها وأنظمتها السياسية لقب حكيم العرب .
فالشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ( رحمه الله ) يمثل محطة فارقة في تاريخ الأمة العربية المعاصرة لما قدمه من مواقف تدل على حكمة التصرف ، والوعي الشديد بأزمة الوطن العربي وصراعاته المزمنة ، والعطاء اللامحدود الذي لم يتوقف عند حدود شعبه ودولته فحسب ، بل إن عطاءه عبر هذه الحدود الجغرافية متجها إلى كافة عواصم ومدن الدول العربية ، ويكفيك أن تذهب في جولة عبر شبكة الإنترنت في أي دولة عربية لتكتشف بنفسك شارعا يحمل اسمه ، وبلدة بأكملها تحمل اسمه ، ومشروعا إنسانيا أو اقتصاديا باسمه ، هذا هو زايد الذي اقترن باسمه دوما الخير تارة ، والحكمة تارة أخرى .
ـ مِن مشاهد البدايات .. صَوبَ صناعة ِالحكمة :
المشهد الأول:
وبعيدا عن السرد التاريخي لحكاية الميلاد والنشأة وفقا للتراتب الزمني إلا أننا نجد أنفسنا مضطرين للوقوف طوعا إلى ثمة ملامح ومشاهد في البدايات من شأنها أن تصنع شخصية استثنائية في تاريخ الوطن العربي المعاصر ، هذه المشاهد تكمن في حفظه للقرآن الكريم في سن مبكرة ، الأمر الجدير بالاهتمام في أن يصبح هذا الكتاب المبين سياجا وحصنا لرجل شاء قدره أن يكون حكيما للعرب يتحدث فيُسمع ، ويُستشار فتلبى استشارته لقوة بيانه ومتانة حجته التي بالضرورة استقاها من سياق قرآني متين ونص قاطع محكم .
ومن أبرز أقوال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عن القرآن الكريم قوله ـ رحمه الله ـ : لن تكون هناك ثروة بشرية حقيقية ومؤهلة وقادرة على بناء الوطن، إن لم تتمسك بمبادئ ديننا الحنيف وشريعتنا السمحاء لأن القرآن الكريم هو أساس الإيمان وجوهر الحياة والتقدم عبر الأجيال” .
المشهد الثاني :
والمشهد الثاني الذي يرتبط بالضرورة بمنحة حفظ كتاب الله تعالى والذي كان مرحلة مهمة في صناعة حكيم العرب هو السمات الشخصية المكتسبة من حفظ القرآن الكريم ، فلقد ساعده حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة في أن يكتسب طبائع شتى إيجابية كالصبر ، والأناة ، والحلم ، والتواضع ، والحكمة ، تلك السمة التي لا تتوافر للمرء إلا من أتى الله بقلب سليم ، ولا شك أن البيئة الصحراوية التي نشأ فيها حكيم العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد أكسبته شدة الوعي والإدراك ونقاء السريرة ، وتحدثنا كتب السيرة النبوية أن أهل مكة كانوا يرسلون أبناءهم حديثي الولادة إلى البادية والصحراء ليس فقط من أجل اكتساب الصحة والعافية فحسب ، بل لأن بيئة الصحراء كفيلة بأن تُكسب الطفل مناقب تستمر في حياته وتسبح في تفاصيله اليومية في الصبا والشباب والكهولة أيضا . وهذه الصحراء كفيلة أيضا بأن تكسب المرء التقاليد العربية الأصيلة والتعاون المشترك الإيجابي ، والصلابة والحزم في اتخاذ القرار ، وكلها أمور اجتمعت في شخص المغفور له الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله).
وعن أهمية الأخلاق الحسنة وضرورة اكتسابها ، يقول الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله) : بدون الأخلاق وبدون حسن السلوك وبدون العلم لا تستطيع الأمم أن تبني أجيالها والقيام بواجبها وإنما حضارات الأمم بالعلم وحسن الخلق والشهامة ومعرفة الماضي والتطلع للحاضر والمستقبل” .
المشهد الثالث :
والمشهد الثالث ، والذي لا يمكننا الإغفال عنه لأننا اليوم بأمس الحاجة إلى إحيائه من أجل مواجهة التحديات والروافد الأجنبية المتسارعة ، هو تعلمه اللغة العربية بصورة مباشرة إلزامية ، ولاشك أن تعلمه العربية التي لا تعد لغة فحسب ، بل هي في واقع الأمر تمثل هوية وطن وملمحا يختصر تاريخ الشعوب ، وهذا الاهتمام بتعلم اللغة العربية وأصولها جنى ثماره شعب الإمارات وانعكس الجني وزاد على بقية الشعوب العربية في الأعوام المنصرمة ؛ فوجدنا دولة الإمارات العربية المتحدة تحتضن للعام السابع على التوالي المؤتمر الدولي للغة العربية الذي يقام في إمارة دبي ويحضره المئات من الأكاديميين والمتخصصين في اللغة العربية في فقهها وأصول تعليمها وأساليب تدريسها ، ولم لا والشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ( رحمه الله) هو أول من أنشأ مدرسة حينما حكم إمارة العين
ورأينا أكبر مبادرة عربية ، بل عالمية أيضا في الاهتمام باللغة العربية وهي مشروع تحدي القراءة العربي ، وأخيرا قانون القراءة ؛ الذي بموجبه تضع دولة الإمارات العربية المتحدة قدما راسخة على أعتاب مرحلة جديدة وهي الاستثمار البشري والاعتراف بدور القراءة في تنمية التفكير والانطلاق بقوة نحو التنوير الذي ظل حلما بعيد المنال لكثير من مفكري النهضة العربية منذ مطلع القرن العشرين من أمثال طه حسين والعقاد وأحمد لطفي السيد، وهو ما صرح به صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بأن هذا القانون يستهدف الاستثمار في الإنسان بالدرجة الأولى، ويرسخ صورة الإمارات كنموذج ملهم في المنطقة، لافتاً سموه إلى أن هدفه جعل التعلم لكل أفراد المجتمع مدى الحياة، وتعزيز الأصول الفكرية والثقافية لمواطنينا. إنها البدايات لحكيم العرب وصناعة العتبات التي شكلت بدايات رجل امتد تأثيره حتى وقتنا الراهن .
وجدير بالقارئ العربي ونحن بصدد الإشارة إلى وعي الشيخ زايد آل نهيان بأهمية اللغة والقراءة والتعليم أن نشير في لمحة عابرة إلى بعض من أقواله السديدة عن التعليم وأهميته ، فنراه يقول : ” إن رصيد أي أمة متقدمة هو أبناؤها المتعلمون وأن تقدم الشعوب والأمم إنما يقاس بمستوى التعليم وانتشاره. إن نشر التعليم هو واجب قومي والدولة وفرت كل الإمكانيات من أجل بناء جيل الغد وتعويض ما فاتنا وهذا الأمر يضع العلم في أعز مكانة وأرفع قدر” . ويقول في موقف آخر : ” إن تعليم الناس وتثقيفهم في حد ذاته ثروة كبيرة نعتز بها فالعلم ثروة ونحن نبني المستقبل على أساس علمي” .فهذا الوعي بالتعليم وأهمية العلم جعل الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله ) حريصا عن تعليم أمته ، ونقل التجارب التعليمية الناجحة من الغرب المتقدم إلى أرض الوطن ، الأمر الذي نتلمسه اليوم في مدارس وجامعات الإمارات العربية المتحدة من جودة تعليم وكفاءة منتج بشري .
2 ـ زايد .. حكيم العرب :
كيف استطاع الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله) أن ينال لقب حكيم العرب ؟ باختصار شديد لأن الحديث عن المناقب لهذا الرجل العظيم تطول ، هذا الاستحقاق نجم عن مواقفه العربية الأصيلة التي اكتسبها من بيئة صالحة ، نذكر منها الموقف الخالد الذي لا ولن ينساه الشعب المصري وقت حرب أكتوبر المجيدة وكيف استطاع أن يستخدم سلاح البترول بكفاءة وحكمة ، وقام بقطع إمدادات النفط بصفته سلاحاً فعالاً، كما ألقى ببيانه الشهير الذي قال فيه: “إن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي” . هذا ما جعله في مصر حتى اليوم أيقونة للشرف العربي . ولقد أدرك حكيم العرب أهمية التلاحم العربي من أجل تحقيق تماسك قوي في وجه الحملات والموجات العدائية ضد دول الوطن العربي ، ولا يمكن لكتاب التاريخ العربي المعاصر أن يتجاهل أو يغفل ثمة مواقف خالدة في حياة الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله ) لعل أبرزها موقفه التاريخي في تحرير الكويت من احتلال الرئيس العراقي صدام حسين ، وما صنعه من جولات ومناقشات وربما أحيانا مساجلات حادة أدت في نهايتها إلى استرداد الكويت لحريتها من الاحتلال العراقي وإعادة الحق إلى الشعب الكويتي .
ولعل من جمل ما نختم به هذه الجولة السريعة في قراءة مشاهد من حكمة الشيخ زايد آل نهيان ( رحمه الله ) حكيم العرب تاريخه المشرف نحو القضية الفلسطينية وما بذله من مجهود طوال حياته في عودة الحق الفلسطيني لشعبه ، حيث اعتبر أن القضية الأولى بالاهتمام هي القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب المركزية . رحم الله الشيخ زايد الذي قال : ” على شعبنا ألا ينسى ماضيه وأسلافه، كيف عاشوا وعلى ماذا اعتمدوا في حياتهم وكلما أحس الناس بماضيهم أكثر، وعرفوا تراثهم، أصبحوا أكثر اهتماماً ببلادهم وأكثر استعداداً للدفاع عنها ” .
قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية ـ جامعة المنيا
[email protected]

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة