المفكراللبناني حسن عجمي : صياغة مصطلحات جديدة ضرورة معرفية – حاوره خالد بيومي

فن وثقافة ….
حوار- خالد بيومي (كاتب وصحفي مصري):
حسن عجمي مفكّر لبناني و باحث في الفلسفة و شاعر يقيم في الولايات المتحدة الأمريكية. تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت و جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية. و هو مُتخصِّص في الفلسفة و يُدرِّسها في جامعات أمريكية. أصدر عشرين كتاباً باللغة العربية و أربعة كتب باللغة الإنكليزية تُعنَى بالفلسفة و الأدب و الشِعر. يطرح المفكّر حسن عجمي فلسفاته الخاصة منها السوبر حداثة القائلة بأنَّ الكون غير مُحدَّد و رغم ذلك من الممكن معرفته و منها أيضاً السوبر مستقبلية التي تؤكِّد على أنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل. أما فلسفته الإنسانوية فتتمحور حول التأكيد على وحدة الثقافات و الأديان و المعارف و البشر بهدف إحلال السلام الأهلي كما تحلِّل المفاهيم و الظواهر على أنها قرارات إنسانوية مستقبلية. من مؤلفاته باللغة العربية : “السوبر حداثة”, و “السوبر مستقبلية”, و “السوبر تخلّف”, و “الميزياء”, و “الضيمياء”, و “الفلسفة الإنسانوية: العلمنالوجيا و العقلنالوجيا”. و لقد صاغ في مؤلفاته مصطلحات جديدة بهدف تقديم أفكار فلسفية مبتكرة كمصطلح العلمنالوجيا أي علم العلمنة و مصطلح العقلنالوجيا أي علم العقلنة.
هنا حوار معه:

– أنت أستاذ للفلسفة بالجامعات الأمريكية .. كيف ترى راهن الفلسفة اليوم؟
ما زالت الفلسفة لديها موقعها القيّم ضمن سائر العلوم و الحقول المعرفية. فما تزال الجامعات تزدهر بأقسام الفلسفة و في الغرب خصوصاً. و هذا متوقع لأنَّ كل الحقول الإبداعية و المعرفية متداخلة و متواصلة فيما بينها فازدهار العِلم ازدهار للفلسفة أيضاً و العكس صحيح. لذلك نجد أنَّ العلماء الكبار هم أيضاً فلاسفة و العكس صحيح. مثل ذلك العالِم ستيفن هوكنغ الذي بنى نظرية جديدة حيال الثقوب السوداء بقوله إنها تُصدِر إشعاعات معينة فهو أيضاً فيلسوف بطرحه موقفاً فلسفياً مضمونه أنَّ النظريات العلمية ليست صادقة و لا كاذبة بل هي فقط مقبولة كأدوات ناجحة في تفسير الكون و وصفه.

– هل هناك فرق بين الفلسفة العربية والفلسفة الأمريكية؟
الفلسفة الأمريكية تتميّز بأبعادها البراغماتية النفعية و بأبعادها التحليلية كتحليل المفاهيم و الظواهر موضوعياً و منطقياً. مثل ذلك تحليل الفيلسوف و عالِم اللغات نعوم تشومسكي للغة على أنها قدرة بيولوجية كالنظر و السمع فهي بذلك فطرية تولد معنا حين نولد و عالمية مشتركة بين جميع البشر. لكن من جهة أخرى الفلسفة العربية اليوم إن وُجِدَت ففي معظمها لا تراعي مبادىء المنطق كأن تقع في الدور المرفوض منطقياً و هو تعريف المفهوم من خلال المفهوم نفسه كتعريف الماء بالماء الخالي من أي مضمون. مثل ذلك تعريف الحداثة على أنها تحديث المؤسسات و في هذا دور مرفوض لأنَّ التحديث ليس سوى الحداثة. أما الفلسفة العربية الإسلامية الكلاسيكية مع إبن سينا و الغزالي و إبن رشد و غيرهم، فما تزال قيّمة كسائر الفلسفات العالمية، لكونها تراعي مبادىء التفكير المنطقي في معظمها.

– الشرق عالم الأهواء والعواطف، والغرب عالم العقل، والمقاربة الفكرية العربية موجودة، والمقاربة الفكرية الغربية موجودة .. كيف يمكن تفادي التصادم بين المقاربتين ، ومن ثم كيف يمكن إعداد التربة التي نستنبط منها إشكالية القيم؟
تفادي التصادم بين الغرب و العالَم العربي هو مضمون أساسي من مضامين كتابي الأخير “الفلسفة الإنسانوية”. فالإنسانوية هي الحل الوحيد لتفادي التصادم و بناء القيم الحقة؛لأنها تؤكِّد على أنَّ كل الثقافات و الأديان و المعارف و البشر كينونة وجودية و معرفية واحدة لا تتجزأ ،وبذلك نضمن السلام بين الجميع. إنسان بلا سلام شبه إنسان. فحين نؤمن بوحدة الثقافات و المعارف يزول الخلاف و الصراع فيما بيننا فتتحقق إنسانيتنا الكبرى. و من أدوات الفلسفة الإنسانوية طرح نماذج فكرية جديدة كفلسفة العلمنالوجيا (أي علم العلمنة) التي تهدف إلى علمنة الظواهر والحقائق كافة من خلال فصلها عن ماهياتها المُحدَّدة مُسبَقاً ما يُحرِّرنا من سجون الماضي ومعتقداته وسلوكياته بفضل اعتبار أنَّ كل الحقائق والظواهر قرارات إنسانوية مستقبلية تُتخَذ على ضوء القِيَم الإنسانوية (كقِيم التفكير العلمي والحرية والمساواة) ما يجعل كل الحقائق ظواهر مستقبلية معتمدة في تكوّنها علينا نحن بالذات.

– لديك مفاهيم جديدة تستغلق على فهم غير المتخصص منها: الميزياء، الضيمياء، العقلنالوجيا.. ما المفهوم المبسّط لهذه المصطلحات؟
الميزياء فلسفة الميزة التي تعتبر أنَّ لكل ظاهرة ميزة تميّزها عن الظواهر الأخرى و بفضلها تتشكّل و تكون بينما الضيمياء فلسفة الضيم التي تقول بأننا نظلم الكون باعتبار ظواهره كافة مجرّد أدوات لخدمتنا. أما العقلنالوجيا فهي علم العقلنة، و مفادها عدم التحيّز إلى نموذج فكري دون آخر بهدف التوحيد بين المذاهب الفكرية و الفلسفية جمعاء ،ما يضمن نشوء الإنسانوية الداعية إلى وحدة الثقافات و المعارف و البشر. صياغة مصطلحات جديدة في اللغة العربية (كالميزياء و الضيمياء و العقلنالوجيا) ضرورة معرفية و وجودية أيضاً لأنَّه- فقط- من خلال هذه الصياغات اللغوية الجديدة نتمكّن من طرح أفكار فلسفية جديدة ذات استقلالية، كما يمكن من خلالها أن تتجدد لغتنا و تتطوّر. فقط من خلال لغات جديدة نتجدد.

– ” السوبر حداثة” من أبرز مؤلفاتك.. برأيك هل الحداثة تتعلق بفهم النص أم فهم أنفسنا؟
تقول فلسفة السوبر حداثة إنَّ الكون غير مُحدَّد،ولكن رغم ذلك من الممكن معرفته، فمن خلال لامُحدَّدية الكون من الممكن تفسيره و وصفه. وبما أنَّ السوبر حداثة تؤكِّد على أنَّ الكون بظواهره كافة غير مُحدَّد ما هو إذن من الممكن بحق وصفه و تفسيره علمياً على أنه مادي (يتكوّن من ذرات و جُسيمات مادية) ،و على أنه أيضاً معلومات مجرّدة ،و عمليات تبادل للمعلومات (كما يقول مثلاً الفيزيائي بول ديفيز) أو أنه بناءات و معادلات رياضية مجرّدة بدلاً من أن يكون مادياً (كما يقول الفيزيائي ماكس تغمارك). فلو كان الكون مُحدَّداً لنجحت نظرية علمية واحدة من هذه النظريات العلمية المختلفة و المتنافسة في وصف الكون و تفسيره. لكنها كلها نظريات علمية ناجحة. لذلك من غير المُحدَّد ما هو الكون. و رغم ذلك من الممكن بحق معرفة الكون كمعرفته على أنه مادي أو معلوماتي أو رياضي، من جراء لامُحدَّديته بالذات. أما فهم النص فهو فهم لأنفسنا و العكس صحيح. فنحن نصوص حيّة و نصوصنا مرايا وجودنا الحيّ. لا حياة بلا نص كما لا نص بلا حياة.

– فلسفتك تعتمد على دراسة الظواهر وكيفية ظهورها.. فهل تعتمد على التأويل في أطروحاتك؟
طبعاً. فالفلسفة تأويل تماماً كما أنَّ العِلم تأويل. فالتأويل الحق هو استنتاج معانٍ صادقة ناجحة في تفسير الظواهر و تحليل المفاهيم. فمثلاً عندما حَلَّلَ أينشتاين الجاذبية على أنها مجرّد انحناء الزمكان (جمع الزمان و المكان) فهو حينها قد قَدَّمَ تحليلاً علمياً للجاذبية لكنه في الوقت عينه قَدَّمَ تأويلاً للجاذبية على أنها انحناء الزمان و المكان. هذا لأنَّه بفضل تحليله استخرج المعنى الباطن للجاذبية، و فسَّر من خلال هذا المعنى لماذا تجذب الأشياء بعضها البعض. و التأويل ليس سوى استخراج المعاني الباطنية من معانٍ ظاهرية. أما تفسير ظواهر الكون على أنها غير مُحدَّدة كما جاء في فلسفة السوبر حداثة ،فهو أيضاً تأويل للظواهر؛ لأنه استخراج لمعانيها المُبطَّنة.

– العلاقة بين الفلسفة والأدب قديمة .. برأيك هل الفلسفة بحاجة للأدب حتى تحظى بالقبول والانتشار؟ ولماذا طرد أفلاطون الشعراء من المدينة الفاضلة؟
الفلسفة تحتاج إلى الأدب و العِلم و الفنون جمعاء تماماً كما أنَّ الأدب يحتاج إلى الفلسفة و العلوم و الحقول الإبداعية الأخرى. هذا لأنَّ الحقول الإبداعية و المعرفية المختلفة كالأدب و الفلسفة و الفن و العلوم تشكِّل حقلاً معرفياً و إبداعياً واحداً لا يتجزأ؛ لكونها تتأسس على ضوء بعضها البعض. فمثلاً , لا يوجد أجمل من شعرية قول أينشتاين “إنَّ الله لا يلعب بالنرد”. و هذا القول علمي و شِعري في آن. ومضمونه العلمي هو أنَّ القوانين الطبيعية حتمية وليست احتمالية. أما أفلاطون فاعتبر أنَّ الشعراء يقلِّدون عالَمنا المادي بصورهم الشِعرية، بينما عالَمنا المادي هو تقليد كاذب للعالَم الحقيقي المجرّد المُتكوِّن من المُثل، أي الماهيات الحقيقية اللامادية و اللامتغيّرة. لذلك رفض أفلاطون الشعراء و طردهم من مدينته الفاضلة مدينة العِلم بالنسبة إليه. لكنه أخطأ بذلك لأنَّ كل الحقول المعرفية و الإبداعية، ومن ضمنها الشِعر تشكِّل حقلاً وجودياً و معرفياً واحداً لا يقبل الفصل. فالعلماء الكبار هم أيضاً شعراء كبار.

– كيف تفسِّر صعود اليمين المتطرف والنزعات القومية الشعبوية في أوروبا وأمريكا وتراجع النموذج الثقافي الغربي الذي يقوم على التنوير والحداثة ؟
أمسى السوبر تخلّف سيد العالَم. فكما اجتاح السوبر تخلّف عالَمنا المشرقي يجتاح اليوم الغرب بقوة. يكمن السوبر تخلّف في تطوير التخلّف من خلال تقديم الجهل على أنه علم و تقديم العلم على أنه جهل. و بات السوبر تخلّف سيداً من أسياد الغرب لأسباب عديدة منها تَحكّم رأس المال في طرح ما هو معرفي و مفيد بدلاً من تَحكّم مبادىء المنطق و التفكير الموضوعي و العلمي الحق. لذلك من المتوقع تماماً ما يحدث من تخبط للغرب و طغيان للعنصرية فيه فالسوبر تخلّف يؤسِّس للتعصب و العنصرية و الطائفية و الإرهاب لأنه يعزل الأفراد و الجماعات في سجون عقائد كاذبة كعقيدة أنَّ الآخر عدو لنا رغم أنه مجرّد وجه آخر لوجودنا بالذات. و للخلاص من السوبر تخلّف لا بدّ من الاعتماد على فلسفات معينة كفلسفة السوبر حداثة التي تقول بلامُحدَّدية الكون و ظواهره فتُحرِّرنا من مُحدَّدية الأفكار ما يسمح لنا بأن نتطوّر و فلسفة السوبر مستقبلية التي تؤكِّد على أنَّ التاريخ يبدأ من المستقبل فتُحرِّرنا من مُحدَّدية الماضي بقولها إنَّ الحقيقة قرار علمي في المستقبل و قولها بأنَّ المعاني قرارات اجتماعية لا تتشكّل سوى في المستقبل.

– ما رأيكم في قول هابرماس الذي يعتبر أنَّ تصحيح مسار العولمة هو الكفيل بالقضاء على الإرهاب؟
ما يقوله صحيح. لا بدّ من تصحيح مسار العولمة لأنها أمست اليوم أداة إرهابية لكونها تفرض على شعوب العالَم أنماط عقائد و سلوكيات موحَّدة فتلغي التنوّع الثقافي الضروري للتطوّر و الحرية. فالعولمة تفرض نموذجاً أحادياً بهدف تحويل العالَم إلى قرية صغيرة ذات طابع موحَّد و طبيعة واحدة. لكنها بذلك تقضي على حرية الأفراد و المجتمعات في تشكيل ذواتها من خلال نماذج فكرية و سلوكية مختلفة. و هذا القمع الذي يُمارَس من قبل العولمة يؤدي لا محالة للإرهاب كردة فعل عنيفة و غير مقبولة طبعاً ضد طغيان العولمة و سيادتها. هكذا تحوّلت العولمة إلى إرهاب حقيقي يُولّد ردات فعل إرهابية أيضاً. نشهد تجسّدات العولمة كإرهاب فيما نرى في العالَم من انتشار للإرهاب الجسدي و الفكري معاً.

– لماذا يخشى المثقفون العرب، مواجهة التراثيين على أرضيتهم الخاصة بالذات أى أرضية تفسير الدين، كما فعل فلاسفة أوروبا، حتى طه حسين تراجع فى لحظة ما بعد أن أثار الأصوليون الشارع ضده، وفصلوه من الجامعة، فانخرط فى كتابة الإسلاميات لكى يزيل عن نفسه تهمة «ازدراء الأديان” ؟
المثقفون العرب سجناء السلطان و الطغيان و السفارات و المال. المثقفون العرب سجناء أنفسهم. فالذي لا يتحرّر من نفسه و معتقداته المُحدَّدة مُسبَقاً لا يتحرّر من طغيان الماضي و سجون الآخرين. نحن كمثقفين عرب إما خدم لدى السلطان و إما في عزلة كاملة أو شبه كاملة. نحن في غربة في أوطاننا و خارج أوطاننا. المثقف العربي مقموع بسلطة السلطان السياسي و الاقتصادي و الديني و المعرفي و خدمه من المثقفين الزائفين. لذلك لا نستطيع طرح الجديد في حقل الدراسات الدينية و مَن فَعَل قد قُمِع أو هُجِّر و منهم مَن قُتِل. أمة تقتل مثقفيها جسدياً أو معنوياً أمة لا حياة فيها. رغم كل ذلك يبقى المثقف العربي الشريف مدافعاً عن وطنه و أمته و قضاياها العادلة.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة