قيم من اللغة(7) بقلم : د . مجدي ابراهيم

دراسات ….
بقلم : د . مجدي ابراهيم – مصر …
سبقت الملاحظة إزاء الثورة الكاسدة التي شاعت ضد اللغة العربية من قبل وتحديداً في المقالة الأولى، ولا تزال – أسفاً – مع كسادها تشيع في كل زمن، وتشيع أكثر وأكثر مع الانتقال من زمن إلى زمن باعتبار شيوع الفرية الكاذبة التي تردِّد على الدوام أن اللغة مجرّد قوالب متحجّرة لم تتطور ولا تُصلح لمجاراة التطور، وهو الأمر الذي كان دافعاً لنا لكتابة هذه السلسلة.
أقول إنّ الملاحظة سبقت لنا في تلك الجزئية إلى أن هذا القول كما وصفناه فيما تقدّم لم يكن سوى مجرّد لغطُ منفّر لا يقوم عليه دليل، إلا أن يكون معتمداً فقط على التقليد الماجن الذي يتعلّق بأفراد معتوهين، ولا يعمُّ أفاضل المجتهدين في القديم والحديث.
وقد قلنا إذْ ذَاَكَ إنه أراد من أراد للّغة أن تتوقف وتتجمّد ويُستبدل مكانها لهجات محليّة عامية تافهة، كيما لا تجري العربية جريانها على الألسن والقلوب كما كانت تجرى سليقةً من وفرة المطبوع وذوقاً من حصافة العربي، يوم مهدها وعنفوانها وقوتها وحيويتها من غير أن يصدّها عائق من طبع النفس أو سليقة الذوق والأداء، ومن غير أن يحجزها تغرير العجز والعيّ تحلّلاً من القواعد والأصول.
ولنلحظ ثانيةً أن مهد اللغة ثم تطورها وعنفوانها وقوتها وحيوتها هو عينه مهد الحضارة، ولا يكون أوج الحضارة إلا نفسه أوج اللغة، ثم تطورها وحيوتها وقوتها مستقرة بروح موصولة بحيوية العروبة وحيويّة القوميّة العربيّة، والهويّة العربيّة، أجزاءً متفرقات من ينبوع القيم، لكن تجمعها كلية شاملة واحدة هى الحضارة العربية.
حقيقةً لم يكن هنالك أصلٌ لكلام الذين يُريدون أن يجدّدوا القوالب المتحجّرة في اللغة أو لعلّهم يكسروها لو استطاعوا، لأن اللغة بطبيعتها متجدّدة متطوّرة، فإنّ هذه الفرية الكاذبة لم تقم على أدنى أساس صحيح، ولكنها قامت يوم قامت بالزعم الباطل في محاولة خلع العرب من لسانهم الذي يدلُّ من أول وهلة على عروبتهم، وعلى كل ما تحمله مفاهيم العروبة من حضارة وهويّة وقوميّة، لا يمكن الفصل بينها بحال، ثم لتدخلهم في لسان آخر أعجمي، أو هو إلى العُجمة أقربُ منه إلى الفصاحة، فضلاً عن إحلال العاميّة التافهة مكان الفصحى. وقد قيل بالزعم الباطل أيضاً إنّ اللغة العربية غير صالحة لمسايرة الحضارة الحديثة ولا التوجهات الحداثية، وأنها لا تتسع للتعبير عن العلوم الجديدة السريعة التقدّم بحكم حداثتها، وأنها قاصرة عن الوصف الدقيق والدلالة القريبة. وهذا كله محض افتراء ساقط لا أساس له.
وإذا كان لسان حالهم يقول : إنّ لغة القرآن ثابتة كما الحجر لا تواكب تطورات العصر الحديث بكل ما فيه من كشوفات العلم واختراعات التجارب الجديدة وتطورات الزمن المتجدد على الدوام، فإنّ هذا القول يخالف تماماً أهم باب من أبواب اللغة وهو باب القياس، وعلى هذا الباب يقوم التجديد في اللغة لتطور من نفسها بنفسها مع كل جديد، فتواجه الزمن ومستحدثات العلوم أكمل مواجهة، فلا حياة من ثمّ للغة بدون ابتكار ألفاظ جديدة. وهذا الابتكار علامةٌ دالةٌ على تجدّد اللغة العربية وهو ما سمّاه اللغويون “بالوضع”، وكانت أهم وسائله : الاشتقاق والقياس، ومن المعلوم لدينا بالضرورة أن من أخص خصائص العربية أنها لغة اشتقاق تقوم على الوزن، والوزن هو أساس اللغة عندنا. وفي الاشتقاق ما أكسب اللغة مرونةً ومناعة في آن واحد، وهما علّة التطور والتجديد، فسمح لها الاشتقاق بخلق ألفاظ جديدة وحافظ على ثروتها، وحماها من الزيغ والشطط. وقد ناقش مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ زمن بعيد في الفترة التي تولاها المرحوم الدكتور إبراهيم مدكور، أستاذ الفلسفة الإسلامية يومئذ، أصل الاشتقاق واختلافه بين اللغويين في القديم : هل هو المصدر أو الفعل؟ واستدل القدماء بين البصريين والكوفيين، كل على رأيه، وكان هذا الخلاف في الغالب خلافاً نظريّاً لا طائل تحته، وقد وضعت للاشتقاق قيودٌ تضيّق آفاقه، وتحدّد ما يشتق منه وما لا يشتق.
وكان همُّ مجمع اللغة العربية أن ييسر من أمره ويفك بعض قيوده، ويشتق ممّا لا يشتق منه، ويجعله في اختصار أداةً طيّعة في أيدي العلماء والأدباء، تمكّنهم من أن يجدوا الكلمات الملائمة لأداء ما يعنّ لهم من معان، وكلما نجحوا في الاشتقاق استغنوا عن العامي والأعجمي. ولم يحرص المجمع على أن يكون بصريّاً أو كوفيّاً، بقدر ما حَرَصَ على أن يواجه حاجات العصر ويحاول سَدَّهَا. ولم يكن عمل المجمع فيما أجازه من اشتقاق اللغة إلا ثقة فيها ومسايرة للغة العصر وتطويعاً للعربية كونها تلبي مقتضيات التطور وفق ما يشتق من ألفاظ القياس اللفظي، وهو وضع صيغ لأداء معان محددة، كصيغ اسم الفاعل واسم المفعول تأسيساً على دعامة الاشتقاق. وقد أجاز المجمع من أسماء الأعيان – فيما يقول الدكتور إبراهيم مدكور في كتابه (اللغة والأدب : ص ٣٥) – فيقال مغنط من المغناطيس، وقصدر من القصدير كما قيل قديماً ذهب من الذهب، وكبريت من الكبريت، وكان ذلك مقصوراً على السّماع. وتوسّع في المصدر الصناعي، وجعله قياساً مطرداً يكفي فيه أن تزداد ياء النسب والتاء على الكلمة، وله أمثلة كثيرة مأثورة كالجاهلية والشعوبيّة والقدرية والجبرية والربوبيّة والألوهية، ويستعان به اليوم على أداء أسماء كثير من المذاهب والنظريات العلمية والفلسفية. وكلما أعوز الاستعمال العلمي لفظ، يسّر أمر القياس فيه، فأجاز صيغاً للدلالة على معان خاصّة مثل فُعال للمرض، وفعالة للحرفة، وفعلان للتقلب والاضطراب. وقال بقياسيّة أفعال المطاوعة جميعاً، وإنْ أنكرها بعض اللغويين إذْ لم ترد في المعجمات، وقال أيضاً بتعديّة الفعل الثلاثي قياساً بالهمزة أو بالتضعيف، ولم يكن مسلّماً به على إطلاقه”.
هذا عن القياس اللفظي. أمّا القياس المعنوي فيرادُ به إطلاق لفظ على حقيقتين مختلفتين لشّبَه بينهما، فهو ضربٌ من المجاز اللغوي الذي يسمح باستعمال اللفظ في أكثر من معنى، فتكون له عدّة دلالات : واحدة لغوية، والأخرى عرفية اصطلاحية. وقد أعان هذا التّجوّز على وضع مصطلحات كثيرة، وبخاصّة أن لكل علم أو فن لغةً تكاد تكون خاصّة، فالحكم عند النحاة مثلاً غيره عند المناطقة، والحالُ عند النحاة غيرها عند الصوفية، وهذا ولا شك بابٌ واسعٌ من أبواب الوضع ووسيلة هامة من وسائل خَلق مصطلحات جديدة.
ولم يظهر جمال اللغة إلا من خلال التوسعة في مثل هذا القياس المعنوي، ففيه كل ما في اللغة من إحساس ومن طرائق التعبير على السواء. عمّق فيك الإحساس تتشكل لديك طرائق التعبير.
فالإحساس العميق باللغة، والاحساس العميق بالمفردات، والاحساس العميق بمدلول الكلمات هو هو الشيء الذي لا يستغنى عنه مبدع كائناً من كان أو ما كان موضوع إبداعاته : في الشعر والأدب والفن، في العمل الفكري أو في الإنتاج العقلي، ولربما يكون كذلك في اتّساع الصّلة مع الأزلي الإلهي على التعميم.
كل العمليات الفكرية المُبدعة إذا نحن نظرنا إليها من وجهة نظر التحليل الذوقي ألفيناها عمليات عقلية عليا مشروطة بالقدرة الخاصّة المُبدعة ليست تتمُّ في قرائح المبدعين إلا بارتقاء القدرة على الإحساس : الإحساس بالآخرين متقدّمين ومتأخرين، الشعور بهم والتوحُّد معهم وإدراك الحقيقة التي كانت تعتمل في بواطنهم، وتشتعل جذوتها في دخائلهم، ثم مواجهة النفس الانسانية والغرض الإنساني بالتقرُّب إلى أولئك المبدعين الأفذاذ في كل عصور الإنسانية المزدهرة؛ ليصير التقرّب اليهم سياجاً حافظاً يعصم النفوس من التسفُّل والضياع وانحطاط القيم وانحدار الموازين، سواء كان هذا الانحطاط في القيم العقلية والمعرفية أو كان الانحدار في القيم الخُلقية سواء، كيما يعصمها كذلك من التردي في مهاوي الفناء.
الإحساس بلا شك بالكلية الوجودية وبالمجموع الإنساني إنمّا هو قدرة المبدع بلا خلاف لأن تكون قدرته خاضعة لشعور الشاعر بشعوره، صادرة عنه وموجّهة إليه، واحساسه بما هو موقور وعياً في باطن الانسان.
على أن الإحساس بما هو موقورٌ في باطن الإنسان وبما هو كامنٌ في أعماقه الجوانيّة من هذه الجهة مقرونٌ بالوعي وممزوج به مزجاً محكماً، إذ كان ضرباً من تقدير الانسان لا يخرجه إلى الوجود إلا طريقة التعبير المُمثلة في القلم، ذلك القلم الذي يعلم من صاحبه ما لا تعلمه الأدوات الأخرى ولا الوسائل الأخرى؛ ولأجل هذا كانت قيمة الإنسان المعرفية في قلمه، وفي لغته، أي كانت في وعيه، وفي طريقة تعبيره عن هذا الوعي كلما استطاع. ومن هنا صارت التجارب المعرفية الكبرى تعبيراً عن الوعى العالي لا الوعى العادي. ولم يقدح في الوعي العادي كونه محدوداً عن مدركات الوعى العالي إذا نحن أخذنا التجربة الإنسانية، روحيّة وعقلية، محلّ اعتبار وموطن قياس؛ فطريقة التعبير عن الوعي العادي ليست كطريقة التعبير عن الوعي العالي، وما يُقال عن الأولى التي هى عبارة صريحة مباشرة، لا يقالُ عن الثانية التي ربما تكون رمزاً أو إشارة أو لمحة تقتضي التأويل والتفسير.
ولم يكن من قبيل المصادفات أن يقسم الله تعالى بالقلم، إذا كان القلم نفسه هو الوعي، وهو نفسه اللغة : التعبير الصادق عن الوعي، وأن يُعلّم الله تعالى بالقلم، فإنّ الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم لهو هو الذي خلق الانسان وعلمه ما لم يكن يعلم، فأقسم في عزيز خطابه بالقلم ليُعَلِّمه، وليرشده بالعلم والمعرفة إلى حقائق الزماني والأزلي، ولكن الإنسان المحدود ذي العقل المحدود والنظر المحدود مع تطور أدواته واختلاف وسائله، أهمله وفضّل عليه أحدث الوسائل المعرفية التي لا نعرف لها سراً يضاهي السّر الإلهي الذي أودعه الله سنان القلم.
ربما لا يدري أن فقه الوجود كله مرهون بذاك القلم إذا أريد بفقه الوجود كله أن ينجلي تحت سنان الأقلام التي تعرف كيف تُخرّج حكمة الأسرار، من وعي عالي أو عادي سيان، وأن تعتدل منظومة القيم الخُلقية بالصدق في استعمال الأقلام. وماذا عسانا فاعلين لو تسألنا الآن : ما علاقة هذا كله بالإحساس الذي تقدّم الحديث عنه؟ لتجيء الإجابة مختصرة ومركزة في عبارة واحدة لا مزيد عليها هى “التريض بالقلم”، و”الإخلاص للغة”. وأنا أعني أن الإحساس المدرك بكل ما في الوجود من جوانب الحق وأقدار الخير وأقسام الصلاح مرهونٌ باستخدام القلم ولو كان في استخدامه كلفة غالبة ومشقة فادحة وعناء طويل. غير أنه عناء التجربة، ومشقة التعبير عنها، ثم كلفة تخريجها من ظلمة العمى الروحي إلى نور الوجود المستنير.
فما من إحساس عظيم بجمال الأشياء وجلال الوجود الباطن إلا وللقلم في إبرازه واظهاره واستيحائه، بعد إدراكه، الدورُ الفعال والتواصل المحمود بين الأجيال.
ثم إن الاشتقاق في الواقع ضربٌ من القياس اللغوي. ولمّا كانت اللغة في أساسها عُرفاً واستعمالاً يتوارثه الخلف عن السّلف، كان من حق الخلف أن يجدّد في ميراثه، وأن يبتكر وأن يضيف وأن يبدع وفق ما يستجد من مقتضيات الزمن المتجدّد، فيسدُّ حاجات العصر.
ولكن لهذا الاستعمال ضوابط تنظّمه، وقواعد تسير عليها، والقدماء أنفسهم أشاروا إلى هذه النقطة بما يسمح بتطبيقها على ضوابط اللغة فتكاد تتلخص صناعة اللغويين في حصر تلك الضوابط ووضع هذه القواعد وهم في الغالب فريقان : قيّاسون يكثرون من الضوابط ويلتمسون القاعدة لأدنى مناسبة، وحُفّاظ يؤثرون السّماع ويعتدون بالرواية، ويمكن أن يرد الخلاف بين البصريين والكوفيين في أساسه إلى هذه التفرقة. ومادامت اللغة تسير وتتطور فلابد أن يسير القياس معها ويطورها، ومن هنا كانت اللغة تطور نفسها بنفسها، فيمكن أن نضع لها الضوابط وفقاً للقياس كما وضع الأقدمون، وأن نقعّد لها القواعد كما قعّدوا.
ولم يكن أبو عليّ الفارسي (٣٧٧ هـ) وتلميذه ابن جني (٣٩٢ هـ) يقولان : “ما قيس على كلام العرب فهو منه” إلا لتأكيد صيرورة اللغة وحيويتها وقدرة أهلها على تطورها وتطويعها والتصرف بالاجتهاد والاقتراح فيما ييسرها وينهض بها. ولا غرو فقد كانا هذان العالمان الجليلين زعيمي مدرسة القياس في اللغة. وقد كان أهون على أولهما (أبو علي الفارسي) أن يخطئ في خمس روايات من أن يخطئ في قياس واحد، وحاول ثانيهما (ابن جني) أن يضع للغة أصولاً ًكأصول الفقه. ولكن مع ذلك ربما غلا بعض اللغويين وشاء أن يضيق دائرة القياس، أو أن يسدّ بابه الواسع، ومن هؤلاء كان ابن فارس (٣٩٥ هـ)، وهو لغوي متطرّف معاصر للفارسي وابن جني، ذهب إلى أنه :” ليس لنا اليوم أن نخترع، ولا أن نقول غير ما قالوا، ولا أن نقيس قياساً لم يقيسوه”. وكأنمّا ذهبت كلمته مثلاً وأضحت دستوراً يعمل به. ولم يغلق باب القياس في اللغة ولن يغلق قط بصورة قاطعة، وليس معنى انصراف الناس عنه والاكتفاء بترديد ما قاله الأقدمون أمثال ابن فارس، أنه باب قد أغلق، ولكن هذا الباب نفسه هو علامة تطور اللغة وجواز الاجتهاد فيها بما يناسب حاجات العصر ما دامت العربية ليست ملكاً لأحد ولا طقوساً يتعبّد بها وإنما هى لسان يتصرف فيه أهله في ضوء ظروفهم وحاجاتهم (في اللغة والأدب : ص٣٥- ٣٦).
هى إذن فرية كما تقدّم ساقطة تلك التي تدّعي أن اللغة العربية لا تواكب حاجات العصر ولا تساير كشوفات العلوم الحديثة، ولا تخضع لعوامل النهضة والتقدّم على وجه العموم، فما ترك من الجهل شيئاً من أراد أن يجعل من لغتنا الجميلة قوالب جامدة كأنها الصخور، وهى نفسها لغة القرآن والعلوم ولغة الآداب والفنون على مرّ الأزمان وتعاقب الأجيال.
(وللحديث بقيّة)
بقلم : د. مجدي إبراهيم

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة