تهب الرياح من كل اتجاه .. هكذا أفكر أنا – بقلم : ادوارد جرجس

آراء حرة ….
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك ..
عندما يصبح فكر الكاتب كفراشة تطير بحرية بين الزهور وكنسر جرئ يحلق في الفضاء دون خوف ، اي يجمع قلمه بين الرومانسية عندما يشاء وإلى القوة في التعبير وحرية الكلمة وقتما يشاء ، فهو يكون قد تخطى حاجز الروتين وكسر كل الموانع التي قد تسجن الكاتب داخل قوقعة الخوف من النقد وصيحات الجهل المتربصة بالإبداع ، وجدتها مناسبة أن أعرض إحدى القصص القصيرة للكاتب المبدع خيري شلبي الذي رحل من عالمنا بجسده لكنه ترك لنا فكره الراقي والجميل والقوي في العديد من رواياته ومجموعاته القصصية التي تحول العديد منها إلى مسرحيات وأفلام ، في الحقيقة ما دفعني لأن أضع قصته بين يدي القارئ هو جرأة القصة من ناحية ومناسبتها ونحن نعيش هذه الأيام في عيد الميلاد المجيد ولأنني أشعر بأنني وهو نلتقي في الفكر بصورة كبيرة من ناحية أخرى بالرغم من أنني لم أتقابل معه طوال حياته . دعونا نستعرض قصته الجميلة أولا ثم لتعليقي بعد ذلك . القصة كتبها المبدع خيري شلبي تحت عنوان ” قداس الشيخ رضوان ” ، وتحكي : أنه في إحدى القرى الصغيرة كان يوجد بها كنيسة ومسجد ، وكان قس الكنيسة وإمام المسجد تربط بينهما صداقة قوية منذ شبابهما ، وكان الشيخ يعشق الغناء والموسيقي ، ولأن راتبه كان قليلا وغير كاف لإعاشة أسرة ، فأنه كان يدير ورشة النجارة التي ورثها من أبيه وكانت تقع في مواجهة الكنيسة تماما ، ولأن شوارع القرى أو حاراتها كانت غير عريضة وبالكاد تتسع لعربة الحنطور التي يجرها الحصان في ذلك الوقت ، كانت تصل إلى مسامع الشيخ التراتيل والألحان الدينية التي يطرب ويندمج معها حيث كانت تستهويه بحكم عشقه للغناء والموسيقى ، حتى صار يحفظها ، كما حفظ ” القداس ” بكل تفاصيله . الشيخ والقسيس يسهران سويا كل ليلة في منزل أحدهما في تسامر جميل ، الشيخ يغني ويعزف على العود والقس يطلق النكات والطرائف ، ويتبادلان المجاملات العائلية الطيبة في الأعياد والمواسم والمناسبات المختلفة وتحدث المفاجأة قبيل ليلة عيد الميلاد ، حينما نُقِل القس إلى كنيسة أخرى في بلدة أخرى ، فيودع الشيخ وداعا حاراً ، وتنتظر العائلات المسيحية بالقرية وفود القس الجديد ليؤدي صلاة العيد في قلق وترقب ، لكن حضوره يتأخر ، ويحل ميعاد الصلاة ، وإذا بالشيخ يدخل الكنيسة في الوقت المناسب ، إنقاذاً للموقف مرتدياً ملابس القساوسة ، ويبدأ في تأدية مراسم الصلاة بمهارة وثقة ويقود الشمامسة ، بل يقوم بالعظة ، ولما حان وقت الفجر ، وارتفع صوت مؤذن الجامع ، أنهي الصلاة بالكنيسة ، وأسرع مهرولا في اتجاه المسجد ليؤم المصلين . هذه قصة المبدع خيري شلبي ، كم أعجبتني لأنه صنع من الخيال أفقا رائعا من المحبة ، لو أننا جميعا تمتعنا بهذه الروح الجميلة السامية ، وانتهزنا الفرصة وحولنا طاقة الغضب السلبية داخلنا إلى طاقة سماحة دينية ، نبلاً نبذاً للعنصرية ، ونعلم أولادنا أن حبهم للخالق لا بد أن يتسع لحب الآخر بل حب الإنسانية بأسرها لارتفعت المواطنة فوق الطائفية ولصار لدينا أمل في القضاء على الإرهاب تماماً . وبهذه المناسبة أتذكر مقولة البابا تاوضروس الثاني _ وإن اختلف الموقف _ عندما حرق الإرهاب الكنائس ” سنصلي بالمساجد المهم أن يبقى الوطن ” . أتمنى أن يأتي العام الجديد بفكر جديد .
[email protected]