قصتان : ” الأفعى المرقطة والحلوى” قصة : بكر السباتين

القصة ….
بقلم : بكر السباتين – الاردن \ فلسطين ..
(1)
” الأفعى المرقطة والحلوى”
أدرك حمدان النوري بأن الخبر الذي باغته للتو صحيح.. فقد كانت مائدة الطعام تجمعه بأسرته في أجواء حميمية نادرة الحدوث.. فبدا متعباً كأنه قادم من سفر بعيد.. تتخاطف ألسنتهم شتى الأحاديث.. حتى زلًّ أصغر أبنائه بتفاصيل خبر لم يدرك أحد أهميته الطاغية بالنسبة إلى رجل اعتاد السهر خارج البيت قبل أن تدجنه الظروف القاهرة.. كأنها الحملان انفتحت عليها بوابة جهنم مستقدمة إليهم الوحوش الضارية.
هل سيترك الفرصة اليتيمة تعبر دون أن يفعل شيئاً!
الرجل تبلم كمن أصيب بسكتة قلبية.. ها هو يستنهض الوحش في أعماقه.. يبادل النظرات أفراد اسرته الذين دهشوا من ردة فعله التي باغتت الأمان بينهم! وتاهت نظراته الزائغة منسحبة من عيون صغاره وزوجته المتحلقين حول المائدة.. ثم سيطرت عليه رغباته النائمة المجنونة.. وفي لحظات مبهمة حدث ما لم يكن بالحسبان.. وبدون مقدمات! انتفض حمدان مسلوب الحجا! فجأة.. وقفز من فوق زوجته التي أصابها الذهول.. دافعاً صغاره بلا شفقة؛ كأنهم قطط مفزوعة انفضت من حول المائدة إزاء زوبعته العمياء التي أتت على الأمان فطيَّرته بغتتةً من بينهم؛ حتى صار أمام الباب المرتج بإحكام على جمعهم الأسري النادر الحدوث.. لم ينتظر!! فقد رفص الباب الخشبي بكل ما أوتي من قوة! فانخلع محدثاً ضجيجاً لفت انتباه الجيران.. تاركاً بيته يضج بالصراخ والبكاء.. وفي عيون زوجته وأبنائه الصغار رعب وعلامات سؤال مبهمة: “هل عاد حمدان النوري إلى شقاوته التي تركها مكرهاً ذات يوم!
ما الذي حدث!!
هل زل الولد في حديثه أم كفر!!”
كأنه الفرار من الموت الزؤام.. إذْ ضاقت بحمدان النوري الطرقات باحثاً عن مخرج يقوده إلى الساحة الخلفية.. لم يأبه بقطة اختنق مواؤها تحت قدميه الحافيتين.. ولا بصفٍ من الكتب يعتاش من بيعها عجوز فقير ..ولا حتى بسلة برتقال تناثرت حباتها فانشغلت الأرملة وصغارها في التقاطها، وفي عيونهم غضب متأجج على الوحش المنفلت في الحواري، دون أن يصده حائل أو يستوضح أمره الغريب عاقل .. فترك حمدان الشارع في هرج ومرج.. والأسئلة تفرُّ من رؤوسهم دون جواب..
ترى ما الذي كان يختلج في أعماقه في تلك اللحظة كأنه مسٌّ من الجنون أصابه!
هل مات له عزيز أم خسرت تجارته في عرض البحر أم ثمة خطب جلل أصابه، وهو يجأر في المتزاحمين:
“افتحوا الطريق يا أبناء ال(…. ) كأنه فقد عقله في لحظات”.
اخترق حمدان متدافعاً كلَّ الطوابير البشرية أمام الفرن وبائع اللحمة والباصات، كأنه جاء لمشاجرتهم.. تجره اللهفة للوقوف على الخبر الرهيب الذي زلَّ بتفاصيله لسان أصغر أبنائه على المائدة التي انقلبت عليهم قبل حين.. صار الآن على مشارف الساحة المكتظة بأمثاله من الكبار والصغار! فلم ينتظر مزاحمتهم! إذ استقرب مدخل إحدى العمارات السكنية.. فوجدها مقفلة!!
ماذا سيفعل وكلّ الجوع الذي يفجّر الشوقَ في عينيه المحمرتين يقوده إلى الهاوية.. فهذه ماسورة الصرف الصحي ستقوده إلى سطح العمارة المطلة على الساحة المتوارية.. وكان يتساءل بما تبقى لديه من وعي:
“هل جن جنوني حتى أزاحم الناس الذين غاصت بهم الطرقات المؤدية إلى الساحة المغمورة بالصخب والجنون!” لقد ظفر أخيراً بما يريد.. فالساحة أمست ملك عينيه وقد أطل عليها من فوق أكتاف سكان العمارة وهم يراقبون الحدث المشوق في الساحة المخنوقة بالمتزاحمين.. هكذا إذاً!! فاستراح متنفساً الصعداء.. كأنه امتلك العالم في لحظات..
هجعت ناره وغاب في لقائه مع الأفعى وهو يراقبها تتلوى ساحرة جمهورها .. كانت تمثل له حلماً بعيد المنال وقد عشقها دون أن ينال منها وطره أثناء عمله في النوادي الليلية، فقط يريد أن يظفر بنظرة منها، وربما يريد أن يراها بعد أن تغيرت حياته كيف تلتهمها العيون مجاناً حتى يصرخ في وجهها المغطى بالأصباغ:
“كم أنت رخيصة، وكلي عجب أن التلفاز يلمّع أشكالك حتى تترقط بهن سماء ليست لنا”
التقط حمدان أنفاسه.. غمره الحنين وقد تناسى أنه جاء ليبصق عليها، وهتفت أعماقه بسعادة مباغتة.. فشكر الظروف التي جمعته بها بعد أن كانت تستحوذ على مشاعره كلما شاهدها على شاشة التلفاز.
فقبل قليل، كانت فرصته السانحة حينما أخبره ابنه الصغير بالخبر وهم على مائدة الطعام ليستعلم منه عن سرِّ هذا الضجيج البشري المتنقل في غير عادته بين الأزقة والحواري المتباعدة في الجوار:
“بابا.. الفنانة زهرة ترقص في الساحة المجاورة”.
وتذكر حمدان حينها بغير ندم يذكر أنه نغص على أسرته لحظات دافئة تحولت بعد خروجه إلى صقيع.. قال في أعماقه:
“لا بأس ..
سأعيد للمائدة دفئها حينما أبهجهم بالحدث الذي أمامي.. سأسرد عليهم حكاية حمدان الذي أسقطه الوهم في براثن تلك الساقطة.. وكأنني سأدعوها لترقص على مائدة الطعام إذلالاً لها.
لكن حمدان تابع جنونه مع المحتفين بالراقصة المشهورة وهم يُخْرِجونَ من أشداق أبنائهم الدنانير كي يرشّونها نقوطاً على الأفعى المتربصة بالصغار.. إلا حمدان الذي طأطأ رأسه خجلاً حينما اكتشف بأنه حرق الأخضر واليابس حتى يأتي إلى هنا.. كي يظفر بابتسامة من راقصة لعوب يتقصدها المتعبون لنيل رضاها.. استدار لتلتقي عيونهما.. عرفا بعضهما.. بصق عليها بقلبه قبل أن يعود أدراجه فلم تأبه به وتركها محفولة بالمتعبين والسكارى.. وقرر أن لا يعود إلى بيته إلا وفي يده بعض الحلوى التي سيشتريها من محل قريب.. وانطوت صفحة الأفعى المرقطة وشارف حمدان على الوصول إلى بيته وقلبه يرقص فرحاً بعودته غانماً.
(2)
البنتُ سرّ أبيها وفِرَاشِ الرئيس
خرجت من اجتماع العائلة غير آسفة بقامتها الممشوقة، ومفاتنها المحجوبة تحت طقمها الخمري.. وأخفت ابتسامة كانت قد أنارت وجهها النضر، متظاهرة بالخيبة لأجل شقيقها المتهور.
سوف تعلم شقيقها درساً في التجارة واقتناص الفرص، صحيح أنها تبوأت مركزها في مجلس بلدية المدينة بدعم من والدها المتنفذ، لكنها جديرة به، وخليقة بخلافة أبيها في اقتناص الفرص، فشقيقها الفاشل الذي تورط في صفقة دهانات لا تصلح للتسويق في البلاد، أهان والدهما العظيم حينما حمّل تبعات خيبته له بذريعة أنه تقاعس عن دعمه مادياً رغم ثرائه الفاحش، ودارت الحيرة في رأسه كالخمر حينما صفعه بجوابه المقتضب الحاسم:
” دبّر حالك، من لا يحسن دراسة الجدوى لا يصلح لإدارة الصفقات الكبرى”
لكن شقيقته عضو مجلس البلدية ( في بلد ما) فكرت كثيراً في المسألة، فقد اشتغلت عليها من جانب آخر لتصريفها .
ففي اليوم التالي كانت في زيارة مباغتة لشقيقها في بيته ، كانت عيناها تترقبان الهاتف الخلوي عساه يطلق رنينه كي يستيقظ الأمل في نفسها، وحصل ذلك بعد أن ترنحت في غيبوبة القلق حتى مادت بها أرض البهو الواسع، كتمت شيئاً في نفسها وهي تصعِّب الموقف على شقيقها وتسد في طريقه الأمل؛ حتى استنجد بها أخيراً متوسلاً كمن تاه وحيداً في غياهب اليباب:
“أسعفيني بحل، الوقت يمضي ومستحقات القرض أزفت على الاستحقاق دون بوادر أمل من والدنا كي يبادر إلى إنقاذي، لقد مات قلبه تجاهي!! ماذا يعني بعبارة أطلقها عليّ كالرصاص ( دبّر حالك)”.
فخاطبت الخوف في أعماقه دافعة إياه إلى منطقة القلق التي ألجمت تفكيره، وها هي تحاصره لتستخلص منه مأربها، سألته كمن تضحي لأجله:
” كم تدفع لي لو صرفت لك البضاعة”..
فهتف لها بتضرع:
“هكذا تكون الأخت الوفية، لك الثلث، فقط حدثي والدي بالأمر”.
“بل النصف”.
“موافق”.
ثم عقبت على موافقته وهي تتصل بالمحامي لكي يوافيهما على الفور، وبعد ساعة كان العقد ممهوراً بتوقيع الطرفين، وأخبرته شقيقته بعد أن استأذنهما المحامي بالمغادرة، بأنه منذ وقوعه بالأزمة وهي تصارع مجلس البلدية كي يوافق على مشروع فرض دهان واجهات البيوت الشعبية بالألوان الترابية أسوة بمثيلاتها في أوروبا الغربية، وانتهت المعركة: “ب!!”
ثم سكتت عن البوح، فهل هي مجنونة حتى تقرّ لشقيقها بما جرى بينها وبين رئيس البلدية في الفراش! صحيح أنه لم ينل منها وطراً فخيبت ظنه؛ لكنها استفزت شهوته حتى فضحت رجولته فحصد الرئيس الخيبة ولاذ بعدها إلى صدرها كطفل فقد أمه.
ثم أكملت بإلحاح من شقيقها:
“لقد رتبت الأمر بعد أن أبلغوني بالموافقة هاتفياً قبل ساعتين وأنا في بيتك، وصارت لدي كل بيانات الإحالة، معتمدين على المواصفات الفنية التي (أرضعتها!!) قصدي أقنعت بها رئيس البلدية!!”.
ثم سكتت بانتباه فاغرة فاهها، طبعاً هي تقصد بأن الرئيس ارتضع المواصفات من ثدييها النافرين، ثم تجاوزت العبارة إلى الخلاصة قائلة بلهجة عملية مركزة:
“عليك أن توظب بيانات الصفقة لديك، حتى نحدد أحياء المدينة التي من المزمع تغطيها بموجب الكمية التي في مستودعاتك المتوارية عن العيون، وفق الألوان التي بحوزتك، وخاصة أنني ظفرت بتزكية من الرئيس المبجل (أطال الله في عمره) برئاسة لجنة الإشراف على تنفيذ المشروع، بدءاً من رئاسة لجنة العطاءات حتى لجان التقييم التي من شأنها إذا نجحت الفكرة التقدم بتوسيع دائرة تنفيذها وبعدها خذ يا شغل، وفيضي عليّ بالأوسمة والتكريمات يا بلدية، لا بل قد أرشح ذات يوم لوزارة البلديات كما ألمحت لي صديقتي زوجة دولة الرئيس”.
“ثم ذكرت شقيقها بضرورة تسجيل بيانات مستودعاته باسم إحدى شركاته الوهمية التي تمتلكها زوجته تلافياً لتطابق اسميهما، وطمأنته على أن المحامي سيضمن له حقوقه في ملكية الشركة بعقود جانبية؛ كي لا تلعب زوجته الرعناء بذيلها، وكله بالأوراق الرسمية ولها من الفتات ما يلجم شبقها”.
ثم سألها متذاكيا:
” وماذا لو هاجمتك الصحف وشوهت أهداف المشروع!؟”
فكان جوابها جاهزاً كدأبها في مثل هذه المواقف، قالت بهدوء:
“لا تخش أعداء النجاح، ودع القطار يمضي والكلاب تنبح”.
فانفرجت أساريره هاتفاً بانبهار، والدهشة تطيّر رأسه الفارغ إلى الفردوس:
“فعلاً أنت ابنة أبيك، الآن فقط أدركت كيف أن البنت سرّ أبيها”.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

أترك تعليق أو مشاركة