هل أصلح القلم شيئاً في عالمنا العربي؟! بقلم : د . مجدي ابراهيم

دراسات …
بقلم د. مجدي إبراهيم – مصر ….
كثيراً ما نجد أنفسنا إزاء هذا الواقع الذي نعيشه عُرضة للتشنج العصبي؛ فيتحوّل الإصلاح فينا إلى نقد وهجوم، ويتحوّل الهجوم إلى عصبية، وأحياناً من حيث لا ندري؛ إلى عنف شديد على الورق هو أشبه بالصرخات التي لا يضبطها وعي العقل البارد، مجرّد نفثات شعوريّة أو فلتات من الطبع المضغوط تحت وطأة ما ترى وما تسمع أو حتى ما تقرأ في صحفنا اليومية.
إزاء التحولات الجذرية السريعة في منظومة القيم نحن عُرضة حقيقة للدّمار أو ما يُشبه الدّمار؛ لأننا ارتضينا سلفاً الاستقرار على السلب منها ونبذ الإيجاب، فصرنا نمارس قيماً سلبية نتخذها أمثلة عليا سرعان ما تحوّلت فينا لتكون كما لو كانت هى الأصل بفعل الممارسة، ويكون الإيجاب فيها هو الفرع المعزول عن دنيا التطبيق.
ليس هذا هو المهم، ولكن المهم هو أعصابنا التي تلَفت أو كادت، فلم نعد، في زمن القيم الساقطة، نتحكم فيما تصدره أقلامنا من لوعة النفثات، فتراها في الغالب إمّا ساخطة ناقمة على وضع في سُلّم القيم مقلوب؛ فهى، من ثمّ، يائسة حزينة، ثم ثائرة في نفس الوقت يتقطر من تحت سنان أقلام عقولها النابهة آيات اليأس الذي لا يحدوه أمل أو تقودها الثورة إلى نقد جارف أكثره شتائم ليست تحتها أفكار : نقضٌ هو ليس بالنقد، قُلْ عنه شيئاً آخر يعمل على تفريغ شحنات سالبة من عقل مهموم ونفس غضبية وملكات جائعة.
فلئن كانت حالة السخط أصيلة في نفس المُصلح النّابه، فصاحب هذه الثورة الجارفة هو عندي معذور؛ لأنه يأخذ ما يراه من سلبيات وأوجاع على أعصابه، ولم يجد سوى الأوراق تنفسياً لما يُلاقيه من عكارة الواقع وكدورة الأحوال فيصبّ جَامّ غضبه ليُخرج عليها ما كمُن في جعبته من منغصات لو لم يتح له أن يخرجها لفعلت فيه الأفاعيل، وأقلُّها : اليأس والمرض والعزلة والخمول والنكوص والتردي.
وليس من العسير عليك أن تجد أكثر الذين يكتبون اليوم تكشف كتاباتهم عن حالات ممّا ذكرنا، مُجرّد تنفيس لضغوط الحياة اليومية. والتنفيس شيء، والرؤية الإصلاحيّة التي يكدح صاحبها وراء قيم الثقافة وإصلاح التعليم شئٌ آخر.
أخطاؤنا في القيم كثيرة وسلبياتنا أكثر بكثير من ايجابياتنا، ولا ترانا إلاّ ضعفاء الإرادة ناقضي العزم لم نتبيّن الطريق ولم نتعرّف عليه، وإذا تبيّناه وعرفناه ظهر في المقابل من يسدّ عليك السّير فيه بخطى وئيدة، وأكثر الذين يقومون بهذا الفعل هم من تتوافر لديهم الإمكانات والحظوات والقُرُبات من صناع القرار.
أكثرهم من المقرّبين من ذوي النفوذ .
دَارَ حوارُ بيني وبين صديقي فقال : إنمّا الواقع الذي تتحدّث عنه بكل سلبياته إنْ هو إلا الإرادة الجمعية لأي مجتمع بشري، وعنده إنه إذا صلحت هذه الإرادة صلح الواقع وتغير السّلب فيه إلى الإيجاب، لكني توقفت دَهشاً أمام كلمة الإرادة الجمعية لأي مجتمع ! فقلت مستدركاً عليه كلامه، وكنت أعني فيما قلت، الحالة الثقافية على وجه الخصوص: لكن هناك مجتمعات – يا عزيزي – لم تظهر فيها مثل هذه السلبيات القاتلة من حيث القيم والثقافة، وهى مجتمعات عربية وليست غربية. على سبيل المثال، انظر إلى الحالة الثقافية القائمة عندنا في مصر والحالة الثقافية المُشعّة في المغرب العربي، وقارن!
مصر التي صدّرت الثقافة للعالم العربي، وشكلت العقلية العربية خلال القرن العشرين وما قبله بنصف قرن أو يزيد، يتراجع دورها اليوم ليصبح مكانها في المؤخرة، ويجري الصحفيون المصريون إلى أقطار عربية ليقيموا الحوارات مع مفكريهم، ويكتب كتّابُنا الكبار عن أعمالهم الإبداعية كتاباتهم النقدية في حلقات متسلسلة حلقة وراء حلقة ممّا يُلفت نظر القارئ ويبقيه دهشاً فاغراً فاه ممّا عساه يرى.
ليس هذا فقط، ثم تفتح لهم كبريات الصحف عندنا ليدلوا بدلوهم في أوضاعنا الثقافية المأساويّة الراهنة، بعد أن كنّا نُصدّر لهم الثقافة والتفكير .
الآن؛ لا مجال للمقارنة بين مصر وبين تلك الدول، تفوّقت عليها ونبغت، ونحن نتعارك وننقسم على أنفسنا، ونهجو بعضنا من غير ذنب، ولو نطق الزمان بنا هجانا.
في هذه الكلمات التي ينفثها صدري لست أنعي على بلادي دورها الثقافي، فلا زلنا، ولا زال معنا عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه؛ عالة على رواد النهضة العربيةً من زمن رفاعة رافع الطهطاوي (1801-1873) والنصف الثاني من القرن التاسع عشر، والقرن العشرين كله، ثم هم عالة على طه حسين، والعقاد، وعبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ وغيرهم وغيرهم ممّا لا حصر لهم ولا تعداد؛ أمثال هؤلاء الفاعلين ممّن شكلوا العقلية العربية خلال الفترات الزمنية التي عاشوا فيها لا يزالون موجودين بحضور فياض في القرائح والقلوب، ولا يزال حضورهم فاعلاً مهما سَرَقَ الناس من إنتاجهم وتعدّوا عليه دون أن يذكروا فضائلهم ومناقبهم.
غير أني من جهة أخرى أنعي على بلادي غياب الأيديولوجيّة وشيوع القيم الهابطة بالعقلية إلى درَكات الحضيض (لا العقلية المصرية وحدها بل العقلية العربية كذلك)؛ فالمحققون والكتّاب والعلماء والأدباء والمفكرون والمثقفون والفنانون والصحفيون وأولي الرأي في مصر لا حصر لهم؛ والمغمورون منهم أكثر بكثير فيها ممّن لمعت أسماؤهم بغير جهد ولا تعب، ولكنهم جميعاً لا يجمعهم وفاق أيديولوجي يجعل لمصر المكانة التي كانت عليها في السابق، تعوزهم الوحدة المفقودة، ويعوزهم شعور التعاطف فيما وصلت إليه أحوالنا المترديّة وتنقصهم ثقافة الاتحاد والتجميع.
وبما أن ثقافة الاتحاد مفقودة من العمل القومي الذي يخدم قضايا المجتمعات فإن ثقافة التمزق هى السائدة، فليس يدل على سيادتها في بلادنا أكثر من وعي غائب لا سبيل إلى استعادته إلا بجهاد موحد وطويل يستمر معه الرباط قائماً؛ والوحدة داعية إليه، رغم التشرذم والفرقة والانقسام .. بالثقافة والتفكير يجتمع هذا الرباط المقصود ويجمع تحته وفاقاً مجتمعياً، صالحاً للحياة، قاهراً لليأس من الإصلاح، صارفاً لدواعي الذل والمهانة، صادقاً في العزم على ملاقاة المنون في سبيل نهضة البلاد والعباد.
الذي يؤرّق الكاتب والشاعر والفنان ومن جرى مجراهم هو تردي القيم ونكسة تصورها معتدلة في حياتنا، فها هنا انقلابٌ في ترتيب القيم غير معهود في تاريخ المصريين، أسفلها عندنا في أعلاها، وأعلاها صار في ثقافتنا المجتمعية في أسفلها.
سُلَّمُ القيم أضحي مقلوباً فليس يقوى على استوائه أحد، لا رجال الدين ولا النخب المثقفة ولا العلماء ولا الأدباء ولا كل من حمل القلم وظن أنه يصلح به ما فسد ويحارب ظلمه العقول وهو في الحق يحارب طواحين الهواء؛ لأن هؤلاء جميعاً متفرقين متشرذمين لا تجمعهم وحدة ولا رابطة ولا يسودهم شعور الوئام. ومع افتراض وحدتهم، وهذا غير موجود بالمرة؛ فإنهم إزاء المجتمع الذي يعيشون فيه، هم في عزلة إنْ لم يكونوا في اغتراب.
وسائلهُم في تغييره ضعيفة، وقدراتهم على استجابة المجموع لهم مجرد تهاويس؛ ولأنهم يعملون ويعيشون في جزر منفصلة عن واقعاتهم الفعليّة تجدهم لا يؤثرون فيها لا بالسلب ولا بالإيجاب. فلئن كانوا لا يفيدون مجتمعاتهم بالإيجاب في شيء، فقد تركوا السلب يمضي فيها سريعاً كنار مشتعلة في هشيم ليحيلها إلى عدم وإلى خراب.
هل أصلح القلم شيئاً في عالمنا العربي؟ هل غيّر من واقع أسود عكر فجعله واقعاً يُكرَم فيه المرء ولا يُهان؟ إذا نحن كنا نعلي من شأن القيم الثقافية ونوصلها على الدوام بقيم المدنية والتحضر، فلمَ لمْ تؤتي هذه القيم فينا مأتاها؟ وما الذي نشهده منها صباح مساء : غياباً هو أم حضور؟
وباتجاه النظر إلى الثقافة الحقيقية الفاعلة كونها قادرة بحكم وضعها الطبيعي في العقل والشعور على فعل المعجزات، فشرطها أن تكون صادرة عن وعي بأهمية التغيير، لا مجرد قشور سطحية عارضة لا تؤثر في صاحبها فضلاً عن تأثيرها في سواه.
نحن في مجتمعاتنا العربية الإسلامية ميولنا الدينية هى الحاكمة علينا، والدين فينا متصل بينابيع الذات المؤمنة لا يمكن حذفه ولا استئصاله من بواطن السريرة الإنسانية؛ فالمسلم بجانب ممارسة العبادة اليوميّة في مواعيدها المناسبة يتوجّب عليه بالإضافة إلى هذا أن يستخلص لنفسه حياة ثقافية عامة من ذلك الدين الذي يدين له بالولاء، ولا يقتصر هذا الاستخلاص على الدين فقط بل يضم إليه مصادر أخري من الحياة العصرية تنمي عقله ومعارفه وشعوره بالعصر الذي يعيش فيه.
إذا افترضنا أن هذا هو الواجب الذي لا مندوحة له عن تحصيله، وكانت الحياة المجتمعيّة هى الأقرب في مثل هذا الاستخلاص، وكانت السياسة جزءً لا يتجزأ من تلك الحياة الثقافية؛ فممارستها والمشاركة فيها ضربة لازب يتحتم على من يعيش في مجتمع أن يكون موكلاً مخوّلاً بالمساهمة فيه بوجه أو بآخر. فهل عاقت السياسة فعل الثقافة أم نهضت به؟
والجواب هو : أن السياسة مانعةً للثقافة من أن تؤدي دوراً لها فاعلاً وفعالاً، ليس في هذا العصر فقط بل كانت عائقة لها في شتي العصور منذ اليوم الذي وقف فيه “أنيتوس” أحد رؤوس الصناعة وزعماء الديمقراطية في أثينا مطالباً هو وزملائه بإعدام سقراط، كان “أنيتوس” السياسي بحكم موقعه أقدر من رفقائه على التأثير في سير الدعوى، وكان المحرك الأصلي لإعدام العقل والحكمة والثقافة والمعرفة.
السياسيون يتصرفون في الواقع الاجتماعي بحسابات المصلحة، والطبالون من ورائهم ينفخون فيهم ولا يجرؤون على معارضتهم قيد أنملة.
والغريب؛ أن من يطبّل وينافق هو من يحمل قيم الثقافة فيوالي واقعاً قلّ أن يعالج من كثرة الفساد.
إذا نظرنا نظرة فلسفية حسب تقسيم الفارابي للفلسفة؛ نظريّة وعملية، النظرية منها الطبيعيات والرياضيات والإلهيات، والعمليّة يدرج فيلسوفنا تحتها السياسية والأخلاق؛ فالأخلاق من حيث كونها مجموعة قيم إن هى إلا ثقافة مستخلصة من مبادئ الدين تشترك معها الفلسفة وتدين بما يدين به المبدأ الديني، فكيف جاز للسياسة، وهى من قسم الفلسفة العمليّة أن تحاكم أختها من نفس القسم الذي تنتمي إليه، الثقافة ممثلة في الأخلاق والقيم؟ وإذا كان السياسيون في بلادنا لا يستمعون من جهة إلى نصيحة أرباب الأقلام العاقلة؛ فهم من جهة أخرى يوظفون لهم أقلاماً تخدم معتقداتهم ومآربهم، وبمقدار ما تنشط حيواتهم السياسية تنشط معها الأقلام الموظفة تسخيراً لمآرب المصالح المشتركة على حساب قيم الوطنية والعدالة بين الناس.
فلسفياً؛ هنالك عوج في الحالة المعرفيّة لا يسلم به العقل من أول وهلة، فوجب قلب القيم إذا كانت معوجة الترتيب منفصلة عن جذورها المعرفيّة، ولا يكفي أبداً الثورة على ما هو حاضر منها ويمثل السلب، بل يجب قلْبُه حتى ولو كانت الثورة ستفسد فيه ما هو حاضر. إذا وجدنا القيم الثقافية خالية من مفعولها خاضعة لحكر السياسة وتسلطها فوجب هنالك قلبها والإتيان عليها من الأساس، فلم تعد تصبح قيماً على الإطلاق، ولم يعد العارفون بها يطبقون منها حرفاً واحداً أصيلاً على مستوي العمل والتطبيق؛ لأنها هى الفاعلة أصلاً مع كونها سلبية قادحة في نفسها وفي غيرها، سائدة عاملة في السواد الأعظم من المجتمع والناس. لكن المشكلة مع هذا كله حاضرة باقية، والسؤال إزاؤها لا يزال مطروحاً على أشده : ما الذنب الذي يقع على عاتق المثقفين والمفكرين وهم على الدوام يحاولون تغيير واقع مجتمعاتهم في حين تضعهم في مواجهة رهانات الفشل فلا تستجيب لشيء ممّا يدعُون؟
أهو ذنب من يحاول ولكنه يفشل بعد المحاولة أم ذنب المجتمع الذي تمكنت ثقافته من الاضمحلال؟
فنحن في مجتمعاتنا العربية بحاجة لا إلى تغيير القيم بل في مسيس الحاجة إلى ثورة على القيم تصبح انقلاباً أو إن شئت قلت: تصبح انقضاضاً كيما يعتدل ميزانها ويستقيم.
لم يكن نيتشه الفيلسوف الألماني ببعيد عن الصواب حين جعل ركيزة مذهبه في الأخلاق (قلب القيم Reversal of values): والمقصود بها، عملية فضح القيم الأخلاقية التي تُقّدمُ لنا على أنها منبعثة من حب الخير والخوف من الشر، والإسهام في الإصلاح والبعد عن العوائق والسلبيات، بينما ليست هى في الأصل سوى تعبير عن روح العبوديّة والذل والضعف والمهانة والاستعباد والانتكاس عند من أسسوها وألبسوها براءة الخيريّة. فلئن أخدنا بما أخذ به نيتشه؛ تصبح رسالتنا الكبرى هى نفسها رسالة المفكرين الفاعلين في زمن العدوان، “قلْب القيم” على حد تعبير نيتشه، فتصير من هنا متعتنا الحقيقية إرادة الإصلاح من طريق تغيير القيم الساقطة لهذا المجتمع؛ والثورة عليها بل فضحها، وتعريتها، وتعطيل الفاسد المعطوب منها، وتبديلها بقيم أخرى روحيّة وعلويّة ونبيلة؛ ولكن ثابتة على التَّرَوْحِن والنبل والعلو والصفاء والإخلاص.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة