تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر أنا – بقلم : إدوارد جرجس

آراء حرة ….
بقلم : إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك …
لم أفكر في الكتابة في هذا الموضوع إلا بعد الحديث الذي أجرته معي قناة النيل الثقافية والذي استدعي دخولي مبنى التلفزيون بماسبيرو ، وقامت مستضيفتي بالمرور بي على بعض الاستوديوهات الكثيرة تحت أسماء براقة ، وكان الاستوديو الرئيسي لتصوير برامج الأطفال من ضمنها ، ولست أعلم وقتها ما الذي جذب هذا العنوان إلى رأسي ، ” آفة حارتنا الاسترخاص ” . مانشيت عريض لأسباب انهيار الشخصية المصرية الآن لا يصلح له سوى كلمة ” الاسترخاص ” كعنوان لكل ما نمر به من أزمات ، هناك شيء في داخلنا يتجه بنا نحو كل ما هو ” أرخص ” وللأسف لا يبيع البائعون هذا ” الرخيص ” رخيصاً ، وإنما يبيعونه كما لو كان غاليا فعلا ، وتلك هي الأزمة ، أن تحصل على خدمات متدنية بأسعار عالية ، وأنك لن تجد هذه الخدمة إلا عند مصدر واحد أو مصادر متشابهة ، فتضطر إلى الاستجابة . اتفاق ضمني بين أطياف الشعب المختلفة على هذا الأمر ، فالكل يبيع ” الرخيص ” بسعر ” عالي ” والكل يشتكي من سوء الحال وانعدام الضمير . سأضرب لكم مثلا على هذه الحالة المنتشرة من ” الرخص ” بقنوات الأطفال الفضائية ، وكما ذكرت ورد في رأسي بعد زيارتي لماسبيرو ،  للأسف ، كانت مصر سباقة في الاهتمام بالطفل المصري ، ومن أجله صنع أكبر الملحنين وأشهرهم أغنيات الأطفال التي شدت بها أهم الأصوات ، كما كان للطفل المصري العديد من الإصدارات والمجلات الثقافية المختلفة ، ومن خلال هذه الإصدارات كان الطفل يعرف ما لا يعرف ، ويقرأ ويتسلى ، وحينما دخلت مصر عصر الفضائيات كانت قناة النيل للأسرة والطفل من أوائل القنوات العربية التي تعتني بالأطفال ، وتنتج لهم المسلسلات والبرامج ، لكن للأسف في غيبة من الزمن انحدر كل شيء ، فلو نظرنا إلى قنوات الأطفال الآن لأدركنا حجم ” الاسترخاص ” الذي نعيش في ظله ، فالآن هناك الكثير من القنوات المصرية المخصصة للأطفال ، قنوات ” الاسترخاص ” تسرق ما أنتجه الغير ، وتحشو به ساعات البث دون أدنى شعور بالحرج أو تأنيب الضمير ، قنوات تقوم بعمل مونتاج لأغنيات قديمة وتعرضها وكأنها من إنتاجها الخاص ، قنوات تذيع الأغنيات القديمة كما هي وكأنها حق لها ، استوديوهات فقيرة مظلمة ، وبرامج لا يتم إعدادها بالشكل المناسب ، وأشك إن كان هناك إعداد أصلا ، وفي النهاية المحصلة ” ملل وفقر وهروب ” . على الجانب الآخر ، هناك العديد من القنوات ” الشامية ” التي تجتهد في صنع مادة خاصة بها حتى لو كانت فقيرة أو مباشرة لكنها تتطور يوما بعد يوم ، وهناك قنوات خليجية تشتري حقوق بث المسلسلات والبرامج التي يعشقها الأطفال وتصير ضمن نسيج حياتهم ، كما تصنع العديد من الشخصبات الكرتونية ” الخليجية ” التي يتعلق بها الأطفال ويقلدونها ، هذه القنوات بعضها يقوم عليها الأفراد وبعضها تمولها الحكومات ، لكن للأسف الحال عندنا شديد الاختلاف ، فالدولة لم تضع حتى قنوات الأطفال في حسابها رغم أهميتها ” الاستراتيجية ” ، ودورها في ” بناء الإنسان ” والأفراد، وتريد الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من الأموال مقابل أقل قدر من المجهود وأقل حجم من الإنفاق ، ” يسترخصون ”  ، والنتيجة هي أن أطفالنا  لم يصبحوا ” أطفالنا ” ، وأصبح البيت المصري يتكلم تارة بالخليجي وتارة بالشامي ، وتارة بالإنجليزي ، ولست أدري إلى متى سيظل هذا الغياب حاضراً
[email protected]

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة