جدي والبلوط – بقلم : د . سمير محمد ايوب

فن وثقافة ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن …
ذهبَ الطيبون . إنقرضَ الأوادم . تغيرَتِ الناس . ما عاد في خير بين القرايب والأصحاب والجيران . كلامٌ نسمعه ، نقرأه ، وأحيانا كثيرة نراه ونلسمه ، هنا وهناك . هذا ما تذمر به مُحّدِّثي بالأمس ، وهو مشبع بحزن وحسرة ، ومٌثقلٌ بغضب حائر .
فسألته لأخفف عنه وأفهم : ما الحكاية يا صاحبي ؟
هل حرق الناس السرو ، الذي تستظل به والحبيبة ، حين تلتقون تحته ؟
هل منعوا المطر ، من غسل الشجر والحجر والطرقات .
هل أحرقوا البريد الممتد بين عشاق الوطن ؟
هل أعدموا البحار والأنهار ، أو حولوا مسارالجداول والسواقي ؟ هل أغلقوا الموانئ والمطارات والمعابر والمنافذ ، ومنعوا الطيور من السفر ؟
يا صديقي ، ما تزال أصوات الطيبين ، تشق الريح . وتقتحم حصون الظالمين . وتمشي ضد التيار . وتُحْضِر أكياس الطحين . وتملأ خوابي الزيت ، وتنك الزيتون ،وسلال الزبيب والقطين .
الطيبون يا صديقي ، صَلاتهم ما تزال عفوية . كانوا وما يزالون يحاربون ، من أجل الزنابق ، من أجل الحقول الخضر ، من أجل المطر والندى ، حتى لا تعطش الأرض . من أجل الدحنون والنرجس والياسمين ، حتى ترتوي بأشعة الشمس ، ويتعطر بعبقها ألقمر ومواكب النجوم .
فسألني بِحُشَريَّةٍ مُنْكِرَة ، عما أعلم عن الطيبين في أرض الواقع .
فقلت : في كل لحظة ، أتذكر أن جدي لأبي أبا حرب ، كان منهم مثل أجدادكم يرحمهم الله جميعا .
كان جدي يحب الكستناء . ومرة لم أجد الكستناء في سوق قريتنا .
فذهبت الى شجرة البلوط ، شكلها مختلف ولكن طعمها قريب . أحضرت لجدي قليلا من البلوط . حمصتهم له على جمر الموقده . قطعتهم قطعا صغيرة ، حتى لا يلاحظ الشكل .أخذ يأكل دون تعليق . و بسمة تغفو على صفحات وجهه الجميل . رفع رأسه عن صحن البلوط وهمس لي بطيبةٍ وحنان : شكرا على البلوط يا ولدي .ألديك المزيد ؟
هذا هو جَدِّي وجَدُّكُم . كانوا كلَّ الخير ، والكثير من الرضى، كالأرض ، كالربيع ، كالفجر ، كالعيون الخضراء ، كغصن الزيتون ، كالحمام الأبيض ، كالجنة على الأرض .
قلبي على القمر ، لأن جدي كان قمري .إفتحوا أبوابكم للقمر . إتركوا أقماركم تتسلل ، والمطر يدخل ، ولا تظلموا الناس الطيبين . وغدا سأخبركم ما لون المطر ، وكيف يرقص المطر على أعتاب عيونكم .