موسوعات (رؤية تحليليَّة- 2) بقلم : عبد الله الفيفي

دراسات …
بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي – كاتب واديب وشاعر من السعودية ..
ــ 1 ــ
في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين أُصدِرت موسوعاتٌ كثيرة في العالم العربي، متباينة المستوى، ولأغراض شتَّى. وقد وقفتْ البواعثُ الوطنيَّة وراء جملةٍ منها، فحظيتْ بتمويلٍ سخيٍّ؛ لا لما تتطلَّبه من دعمٍ ماليٍّ فحسب، ولكن أيضًا لما يستشعره مموِّلوها من معانٍ وطنيَّةٍ أو قوميَّةٍ لهذا النوع من الإنتاج العِلْمي. من تلكم الموسوعات، في (المملكة العربيَّة السعوديَّة) على سبيل المثال: الموسوعات الثقافيَّة الشاملة، كـ«موسوعة المملكة العربيَّة السُّعوديَّة»، التي أصدرتها (مكتبة الملك عبدالعزيز العامَّة)؛ والموسوعات الأدبيَّة، كـ«موسوعة الأدب العربي السُّعودي الحديث»؛ والموسوعات المتخصِّصة، كـ«موسوعة الأنظمة السُّعوديَّة»، التي صدرت عن (رئاسة هيئة الخبراء بمجلس الوزراء السُّعودي)؛ والموسوعات العِلْميَّة البحتة، كالموسوعات المختلفة التي صدرت عن (مركز البحث العلمي التابع لجامعة أُمِّ القُرَى)، وغيرها.  ومثل هذه الأنماط من الموسوعات تواتر صدورها في العقود الأخيرة في الأقطار العربيَّة الأخرى.
والسؤال الذي يُطلُّ برأسه إزاء هذا النتاج: أين جامعاتنا العربيَّة جميعًا من هذا النشاط؟  وإنْ كنَّا في غِنًى عن السؤال، بما أن البحث العِلْميَّ في جامعاتنا أقلُّ من المفترض، لما آلت إليه غالبًا ممَّا يشبه الكتاتيب الفخمة، تكتظُّ بمعلِّمي صِبْيَة وأشباه طلبة وموظفين.  وكذا السؤال عن غياب القطاعات الخاصَّة عن تمويل الأعمال العِلْميَّة، إلَّا في أضيق الحدود، ومن أندر الأفذاذ من رجالات الأعمال وسيِّداتها؟  بما أن القطاع الخاص في وطننا العربي غارقٌ إلى أُذنيه في شؤونه الماليَّة اليوميَّة والاستهلاكيَّة، بعيدًا عن الإسهام العِلْمي والثقافي، ولو على سبيل إيتاء الزكاة عن الأموال الطائلة، التي لو دُفِعت زكواتها لما بقي جاهل في الوطن العربي ولا فقير.
ـ 2 ـ
وباستقراء عيِّنات من تلك الموسوعات، فإن الثغرات العِلْميَّة قد تُلحَظ في الموسوعات (الأدبيَّة-الثقافيَّة) أكثر من غيرها؛ من حيث إنها- بطبيعة مادَّتها- رجراجةُ التكوين، لا متحدِّدة على نحوٍ قاطع، كالموسوعات في المجالات العِلْميَّة البحتة.  إضافة إلى أن منظور التقييم لهذا الضرب من الموسوعات (الأدبيَّة-الثقافيَّة) يظلُّ خاضعًا نِسبيًّا، في كثيرٍ من الحالات، للذوق، وللأحكام القيميَّة، قائمًا على الاصطفاء، متكئًا على خلفيَّاتٍ معرفيَّةٍ وثقافيَّةٍ متباينة.  ولأجل ذلك لم تكن الموسوعات العربيَّة، ولاسيما (الأدبيَّة-الثقافيَّة)، لتنجو من القصور تارةً، ولا ممَّا يختلف الناس حول إنصافها فيه تارةً أخرى، ولا من تناقض الخطاب الضِّمني في بعض الحالات مع المنجز العِلْمي.
إن المنهاج في ميدان (الموسوعة الثقافيَّة والأدبيَّة) يُفترض فيه أن يأخذ نفسه بمقاييس عِلْميَّة دقيقة.  وثمَّةَ مكمن الصعوبة والتحدِّي؛ من حيث إن الأمر هنا ليس بمعلوماتيٍّ صِرف، وإنَّما يدخل فيه الاختيار، ويتحكَّم فيه الذوق، ويعتريه الانحياز الفنِّي، أو حتى الإديولوجي.  وعندئذٍ، وإذْ لم يتحقَّق ذلك القدرُ المرعيُّ من العِلْميَّة، فإن داءَي التحيُّز والقصور سيتمخَّضان عن ثالثة الأثافي من الأدواء، وهو التناقض بين موادِّ الموسوعة، وما تتبنَّاه من خطابٍ معلنٍ أو مضمر؛ وذلك لتعدُّد الرؤى والمرجعيَّات الفكريَّة بتعدُّد الأقلام المشتغلة في الموسوعة.  فلئن كان ممكنًا اشتراكُ فريقٍ من الباحثين والكُتَّاب في إعداد موسوعةٍ عِلْميَّةٍ ما، فإن موسوعةً تدور على موضوع أدبيٍّ أو فكريٍّ أو ثقافيٍّ لتتأبَّى عن ذلك كثيرًا، إلَّا بمراعاة تلك الشروط، المشار إليها في مقالتنا السابقة.  ذلك لأن اختلافًا يسيرًا أو خطيرًا من كاتبٍ إلى آخَر حريٌّ بأن يُفسِد مصداق العمل برمَّته، لا على المستوى الفلسفيِّ الذي يصدر عنه كلُّ كاتبٍ فحسب، بل أيضًا على ما يُثبِته الكاتب أو يتجاهل.  وتزداد خطورة ذلك على عِلْميَّة طرحٍ مثلِ هذا وعلى موضوعيَّته، حينما لا ينهض العمل على منهاجٍ عِلْميٍّ ناقدٍ وجهازٍ إشرافيٍّ صارم.
ـ 3 ـ
ولعلَّ الموسوعة الإلِكترونيَّة (التي تُنشَر على الشبكة المعلوماتيَّة العالميَّة «الإنترنت») هي الأنسب اليومَ من غيرها لطبيعة عصرنا.  بل لا نحسب من المبالغة الزعم أن الموسوعة الورقيَّة التقليديَّة باتت في طريقها إلى الانقراض، كما هو الحال في الثقافة الورقيَّة بعامَّةٍ من كُتبٍ وصحافة وسِواهما.  فضلًا عن أن الموسوعة الإلِكترونيَّة قد تكون الأقدر على تلافي الهنات، وعلى تحقُّق الشروط العِلْميَّة المنشودة، ولا سيما ما تعلَّقَ منها بـتدقيق المعلومات، وتحديثها؛ لإمكانيَّة تحديث المعلومة في الموسوعة بصُوَرٍ مطَّردة.  مع سهولة الوصول إلى الإفادة من الموسوعة الإلِكترونية لكلِّ باحثٍ أو مستفيد، على اختلاف الأوطان وتعدُّد اللغات.
ونضرب نموذجًا على هذا النوع من الموسوعات بـ«الموسوعة العربيَّة العالميَّة»، التي شارك في إعدادها أكثر من ألف عضوٍ من مختلف أقطار الوطن العربي، وصدرت بدعمٍ من (الأمير سلطان بن عبدالعزيز، رحمه الله).  وهي عملٌ ضخمٌ جِدًّا، اعتمد في بعض أجزائه على النسخة الدوليَّة من «دائرة المعارف العالميَّةWorld Book International ».  وتُعَدُّ- حسب وصف هيئتها- أوَّل عملٍ من نوعه في تاريخ الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة.  تقع في ثلاثين مجلَّدًا، من سبعة عشر ألف صفحة، بما في ذلك معجم الموسوعة (عربي/ إنجليزي)، و(إنجليزي/عربي)، والكشَّاف الرئيس.  وتحوي: أربعة وعشرين ألف مدخلٍ رئيس، ونحو مئة وخمسين ألف مادَّةٍ بحثيَّة، تشمل مصطلحات، ومواقع، وأَعلامًا، وأعمالًا عِلْمِيَّة، وأدبيَّة، وفنيَّة، مرتَّبة حسب الألفبائيَّة المعجميَّة العربيَّة.  مع نحو عشرين ألفًا من الصُّوَر، والخرائط، والإيضاحات: 12 ألف صورة، و2500 خريطة، و4000 إيضاح، و1000 جدولٍ إحصائيٍّ وزمنيٍّ، و500 مقطعٍ صوتيٍّ ولقطة فيديو، (في النسخة الإلِكترونيَّة من الموسوعة) (1).
على أن الأهم في هذا النوع من الموسوعات- ولكي تُحقِّق قفزتها النوعيَّة، متخطِّيةً الثغرات المعتادة في الموسوعات الورقيَّة- أن لا تظلَّ النسخة الإلِكترونيَّة محض نسخةٍ أخرى عن النسخة الورقيَّة، ولكن أن تغدو قابلةً باستمرارٍ للتطوير وتحديث المعلومات.  ومعنى هذا أن فريق عملٍ لا بُدَّ أن يبقى متابعًا لهذا النوع من الموسوعات مشتغلًا عليه.(2)
أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة