دراسات ….
بقلم : د . سمير ايوب – الاردن ….
معصومية الرسل والانبياء سلام الله عليهم ، بين الشمولية والتضييق
تشهد النظرة المتفحصة في خلق الله ، أن هذا الخلق لم يكن عبثا بلا غايه . وتشهد أن تلك الغاية ، لا تتحقق إلا بمؤهلات فطرية ومكتسبة في الأنسان . معززة بأنبياء ورسل مُنَزَّهين مهديين . اصطفاهم رب العزة . ليكونوا لائقين ، بالمهام الموكولة لهم وبمكانتهم عنده . ثم بعثهم لهداية الناس وتزكيتهم وتطهير قلوبهم من الرذائل ، بالقول وبالعمل .
هذا هو ما دعى البعض الى القول ، بوجوب عصمتهم عن كل ضلالة ، ومن كبائر وصغائر الاثم والمعاصي ، قبل وبعد بعثهم . واستشهدوا على ما يدعون ، بالعقل السليم وبآيات ، يدل ظاهرها على عصمة شمولية ، لا تقتصر على تلقي الوحي ، وابلاغه الى الناس والعمل على تطبيقه . غير ان هناك آيات أخر ، توهم خلاف ذلك . بل جوزت المعصية والاخطاء على بعض الأنبياء بصورة أو بأخرى .
ولكن ، هل كل ما يقال عن العصمة اليوم ، مطابق لما أنزل الله من تشريع ، وما تركه أنبياؤه من سنن ؟ أم أن هناك ما هو متوهم خلاف لذلك ؟ من هنا ، يكون من اللازم الأمعان في حياة الأنبياء وسيرتهم . والأمعان في الآيات التي وردت في حقهم ، لفهم حقيقة العصمة ، إمتثالا لطلبه تعالى : ( أفلا يتدبرون القرآن ) . فمثل هذه المقاربة ، ليست عملا سقيما مُماحِكاً. ولا تقليلا من إجلال أنبياء الله ورسله .
يعتري الرسل في غيرِ بلاغٍ ، ما يعتري الناس من العوارض والأمراض ، كالخوف والنسيان والسهو والتأويل . والامثلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة . منها : خوف ابراهيم عليه السلام . والنسيان ثابت في حق الانبياء . وكذلك عدم الصبر مثلما فعل موسى عليه السلام مع العبد الصالح . ناهيكم عن الغضب الشديد . فها هو موسى عليه السلام يكسر الألواح وفيها هدى ، وأخذ برأس اخيه يجره إليه .
مع تمام عقلهم وسداد رأيهم وقوة بصيرتهم ، وقع من بعض الأنبياء ، ومنهم محمد عليه الصلاة والسلام ، أخطاء في بعض مناحي الحياة المختلفة ، من طب وزراعة وغير ذلك . مثل اختيار موقع معركة بدر ، شفاء الناقة ، وتأبير النخل وغيرها . قال خاتم المرسلين ) :إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشئ من دينكم فخذوا به . وإذا أمرتكم بشئ من رأيي فأنا بشر ) .
تطفح الكتب المُحَرَّفَةِ بالكثير من اوصاف الرسل مما هم بريئون منه . ولقد برأ كتاب الله انبياءه ورسله ، مما إفتراه عليهم من افترى من مخازي وقبائح . فعلى الرغم من بشريتهم وأعراضها ، فقد عصمهم الله سبحانه ، من كبائر الذنوب قبل بعثتهم وبعدها ، ومن الصغائر التي تدل على خساسة الطبع .
واتفقت النصوص القرآنية كلها ، على أن رسل الله وأنبيائه ، معصومون في تحمل الرسالة . لا يغفلون ولا ينسون شيئا مما أوحاه الله لهم . وقد وعد الله رسوله ، بأن يُقرِئَه فلا ينسى شيئا مما اوحاه اليه ، إلا شيئا أراد الله ان ينسيه اياه ( سنقرؤك فلا تنسى ، إلا ما شاء الله ) . وعلى ان رسل الله وأنبيائه معصومون ، فيما يخبرون به عن الله سبحانه . وهم لا يكتمون شيئا مما أوحاه الله اليهم . ولا يزيدون عليه من عند أنفسهم . فلا يكون خبرهم إلا حقا ( وما ينطق عن الهوى ، إن هو الا وحي يوحى ) وهذا هو معنى النبوة . والرسول مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه ، لأن الكتمان خيانة ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك ) .
ولكن هل عصمتهم ، عصمة مطلقة شاملة في امور الدنيا والدين كبيرها وصغيرها ؟
هناك بالتأكيد اخطاء بغير قصد ، ببعص الامور الصغرى في الدين ، لم يكونوا معصومين فيها . وقعت من بعضهم . كانوا لا يُقَرون عليها من الله سبحانه . فسرعان ما ينبههم الله اليها ويعاتبهم عليها . فيبادرون باستغفار ربهم تائبين . وينزل الوحي مصححا وهاديا فيصححون . كانوا يجتهدون في جُكمِ ما يُعْرَض عليهم من وقائع ، ليس عندهم فيه نص شرعي ، يستندون عليه في ذلك . كانوا يمارسون الشورى وإعمال العقل والفكر والترجيح قبل الاختيار بين البدائل ، وفق ما يبدو لهم . فهم لا يعلمون الغيب . وقد يخطئون في أصابة الحق .
ولقد ذكر الله لنا بعضا مما وقع من أنبيائه مما عابهم عليه وأرشدهم فيه ، منها : معصية أدم بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عن الأكل منها . دعاء نوح ربه في إبنه الكافر ، فلامه ربه على مقالته فاستغفر ربه . وإعتراف موسى بقتل القبطي وبظلمه لنفسه طالبا الله ان يغفر الله . وتسرع داوود في الحكم قبل سماع قول الخصم الثاني فأسرع الى التوبه . ومنها مغاضبة يونس لقومه وخروجه من غير اذن ربه . وما صنعه اولاد يعقوب باخيهم يوسف قبل ان يوحى اليهم ويصبحوا انبياء . حتى خاتم الانبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، عاتبه ربه في اكثر من امر ، منها ( يا ايها النبي لم تحرم ما احل الله لك ) التحريم 1 ، وعاتبه بسبب عبوسه في وجه الأعمى ، ومنها اجتهادا منه بعد مشاورة اصحابه حيث لم يكن عنده نص ، في قبول الفدية من اسرى بدر .
قد يستعظم بعض الناس مثل هذا القول . ويذهبون الى النصوص من الكتاب ، تدل بالتأويل على عصمة مطلقة لرسل الله وانبيائه عليهم السلام . والدافع الى ما يقولون شبهتان :
– الأولى : آيات كثيرة تدعو الى إطاعة الأنبياء والرسل والأقتداء والتأسي بهم . تستلزم ان يكون كل ما يصدر عنهم ، محلا للأتباع . ولكن هذه الشبهة صحيحة وفي محلها ، لو كانت المعصية خافية بحيث تختلط بالطاعة . ولكن الله كان قد نبه رسله في كل معصية . وبين لهم المخالفة . ووفقهم الى التوبة منها وتصويبها من غير تأخير .
– الثانية : أن الذنوب نَقْصٌ ينافي الكمال . وهذا صحيح ، إن لم يصاحبها توبة . فالتوبة تغفر الذنوب ، ولا تنافي الكمال . ومعروف أنه لم يقع ذنب من نبي ، إلا وقد سارع الى التوبة والاستغفار وإتباع التصويب الرباني . فالأنبياء لا يُقَرونَ على ذنْبٍ ، ولا يؤخِرونَ توبةً.
اخلص الى : ان العصمة كالمعجزة صفة اصيلة ، وضرورة من ضرورات صدق رسالة وحكمة ، من أرسل الرسل عليهم السلام . فهم معصومون عن الكبائر قبل بعثتهم وبعدها . وفي مناطق وميادين التبليغ عن الله سبحانه ، عصمتهم مطلقة . أما في ما عدا ذلك ، فقد كانت عصمة مقيدة لا مطلقة . قبل النبوة ، كانت عصمة من الشرك والكفر والذنوب الشائنة . أما بعد البعث ، فقد كانوا بما فيهم خاتم الانبياء والمرسلين ، قد وقعوا بغير قصد ، في بعض الصغائرغير المشينة ، في بعض ما اجتهدوا فيه ، مما لم يكن قد نزل بها وحي يبين حكمها حين ذاك . فكانوا ما أن يخطئوا . سرعان ما كان الله سبحانه لا يقرهم الله عليها ويعاتبهم بها . فيسارعون الى الندم والتوبة وطلب المغفرة . ويصوبون إجتهاداتهم وفق ما ينزل به الوحي مصححا وهاديا . فيغفر لهم . وبهذا عصم الله الشرع من الخطأ ، فيما اجتهد فيه الانبياء مما لم يسبق فيه وحي . وذلك حتى لا يقتدي او يتأسى الناس بهذه الاجتهادات المخالفه .
فعصمة المُبَلَّغِ من السقوط في القبيح من الذنوب والأخطاء ، هي الشرط لعصمة البلاغ . والشرط لنفي العبث وثبوت الحكمة ، لمن اصطفى الرسل والانبياء ، وبعثهم وأوحى اليهم .





آمال عوّاد رضوان
وليد رباح
جيمس زغبي
علاء الدين الأعرجي
رشاد أبو شاور
د.الطيب بيتي العلوي
توفيق الحاج
فيصل أكرم
إدوارد جرجس
تيسير الناشف
أحمد ختّاوي
أحمد الخميسي
خليل ناصيف
عدنان الروسان
الطيب العلوي
نايف عبوش
محمد هجرس

