تهب الرياح من كل اتجاه : هكذا افكر انا – بقلم : ادوارد جرجس

اراء حرة …
إدوارد فيلبس جرجس – نيويورك …
ما يأتي في ذهن الإنسان العادي عندما يسمع كلمة المقهى هو صوت النادل ” الجرسون ” وهو ينادي واحد شاي وصلحة او صوت قواشيط الطاولة أو المشاجرات على لعب الورق ، لا يعلم أنه توجد مقاه تختلف تماماً عن هذه الصورة ،  مقاه صنعت أدباء، ومقاهي صنعها الأدباء وكانت محور ابداعاتهم ، مقاه تُعرف بالأسم حتى الآن بأنها ولدت أدباء وشعراء ، المقاه الباريسية في نمطها أقرب ما يكون من مقاهي القاهرة ،  فكما اشتهرت بعض المقاهي الباريسية وذاع صيتها بفضل أسماء روادها من كبار المثقفين ونجوم الإبداع مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار الذي ارتبط بمقهى ” فلوار ” في منطقة سان جيرمان فإن المقاهي القاهرية أيضاً اشتهرت وذاع صيتها بفضل أدباء في قامة النوبلي نجيب محفوظ والمفكر العملاق عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم  ويوسف ادريس والساخر محمود السعدني . القاهرة بها الكثير من المقاهي الأدبية والثقافية ، ومن أشهر هذه المقاهي مقهى ” ريش ” الذي يوجد في ميدان طلعت حرب ، تعرفت على السيد ” مجدي ميخائيل ” مدير المقهى الحالي منذ فترة وسمعت منه تاريخ هذا المقهى الذي أُطلق عليه ” بيت الأدباء ، شُيد هذا المقهى على يد أحد الرعايا الفرنسيين عام 1908 على نمط أشهر مقاهي باريس التي لا زالت قائمة حتى الآن وتحمل اسم ” كافيه ريش ” ،  جلست به في زيارتي لفرنسا عام 1978 ولهذا لم أتعجب عندما أخبرني السيد ” مجدي ” مالك المقهى بأنه شُيد على نفس طراز المقهى الباريسي ، في عام 1919 اشترى المقهى أحد التجار اليونانيين وكان يهوى الأدب والفن فأجرى توسعات بالمقهى فأصبح المقهى ملتقى للفنانين والأدباء والشعراء والمثقفين ، من الأحداث التاريخية لهذا المقهى أنه على أحد مقاعده جلس الضابط جمال عبد الناصر يخطط لثورة يوليو وكان من أشهر روداه في الأربعينات والخمسينات طه حسين والعقاد ولويس عوض وسلمان نجيب وتوفيق الحكيم  وفي الستينات كان أشهر رواده ادوارد الخراط ونجيب سرور وجمال الغيطاني وأحمد فؤاد نجم وأمل دنقل وقد كان المقهى بمثابة مكان إقامتهم ، أما بالنسبة لنجيب محفوظ فكان يخصص يوم الجمعة لهذا المقهى . عندما أجلس في هذا المقهى وأستعيد تاريخه الأدبي وذكريات عظماء الأدب الذين جلسوا به أشعر بالأسى وأنا أشاهد شباب الآن الذي لا يفرق بين كلمة ” الأدب ” كإبداع  و” قلة الأدب ” كسلوكيات  . قبل أن أنتقل إلى مقهى ريش كنت أتقابل مع بعض الأدباء من ضمنهم الأستاذ ” قدري حفني الكاتب الفلسفي الكبير في مقهى يسمى ” الحرافيش ”  ولقد أطلق عليه صاحب المقهى هذا الأسم تيمناً برواية الأديب نجيب محفوظ ، المقهى يقدم الشيشة فالكثير من الأدباء حتى الآن يميلون إلى كسب ودها ، في هذا المقهى كنت أشاهد  الكثير من الفتيات والسيدات اللاتي ينتمين إلى عالم الأدب والثقافة ، الشيشة بالنسبة لبعضهن  من الضروريات أثناء مناقشة أي موضوع ، أتذكر ذات مرة إن مقعدي كان قريباً من سيدة محترمة تنفث حلقات الدخان بطريقة يصعب على الرجال تقليدها ، تجرأت وسألتها ، هلى يتفق تدخين الشيشة مع الحجاب الذي ترتديه ، ابتسمت ببساطة وأجابت ، لا الحجاب سيزيد من إسلامي ولا الشيشة ستنقص منه ، ضحكت وقلت مازحاً : الله أعلم .
[email protected]

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة