بــيــيــر بــوردو .. آلـيـات الـتـلاعــب بـالـعــقــول – بقلم : د. احمد الخميسي

فن وثقافة ….
د. أحمد الخميسي – مصر …
يكتب بيير بورديو المفكر الفرنسي وعالم الاجتماع المعروف عن دور الاعلام وتأثيره ويقول في ذلك :” إن مبدأ الحواة والسحرة يتمثل في جذب الانتباه نحو شيء آخر غير الذي يقومون به في الحقيقة”، لكن بورديو في كتابه”التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول”يختص التلفزيون من دون وسائل الاعلام بحديث مطول نظرا لأن الصورة على حد قوله قادرة على أن توحي للمتلقي بصدق الحدث أكثر مما تفعل أي وسيلة أخرى، وفي هذا السياق يشن بورديو حملة على تلفزيون بلده الفرنسي قائلا إن عمله الرئيسي هو جذب انتباه الناس إلى أحداث متفرقة قد تهم الجميع، مثل حياة النجوم الشخصية والجرائم الجنسية أوالحرائق والفيضانات، الاغتيالات، الغرائب، الأبراج، المشاحنات بين الفنانين، وكل ما لا يصدم أحدا ولا يؤدي إلى انقسام أو تكتلات اجتماعية، وباختصار إهلاك الوقت. بل إن التلفزيون في حالات غير قليلة كما يقول بورديو يقفز من تسجيل الواقع إلى تلفيق واقع آخر بالصور التي تتابع في نسق يوحي بما يريدونه، لأن مبدأ الحواة جذب الانتباه إلى شيء آخر. الكاتب كان أحد أهم المنظرين لحركة العولمة البديلة وله في ذلك كتاب مهم صدر عام 1993 بعنوان ” بؤس العالم” اجتهد فيه لتوضيح الكيفية التي يعيد بها المجتمع الرأسمالي انتاج الفروق الطبقية ليس اعتمادا على الظروف الاقتصادية كما ألحت الماركسية، بل بالتركيز على العوامل الثقافية والفكرية. أما كتابه ” آليات التلاعب بالعقول” فقد أعيدت طباعته عند نشره عام 1996 ثماني مرات خلال الأشهر الثلاثة الأولى من صدوره، وربما يعود ذلك إلى اتساع نطاق المهتمين بقضية الاعلام. وبداية فإن بورديو ينفي صفة الحياد عن وسائل الاعلام، ويرى أنها وسائل توجيه وتحكم في الرأي العام. ويقول إن السؤال المطروح في مجتمع المعلومات العصري هو: من يملك المعلومات؟. وفي كتابه يستخدم بورديو مصطلح المعلومات بالمعنى الأشمل، أي: المعلومات والأسس التكنولوجية التي تقوم بالنشر، وينتهي إلى أن من ينتج المعلومات ويسيطر على وسائل النشر هو الذي يفرض رؤيته على الآخرين، ويستشهد في ذلك بتحقيق بعنوان” من يملك المعلومات؟” يتضمن أسماء الشركات والأفراد الذين يملكون أو يسيطرون على أكبر الشركات التلفزيونية ومحطات الإذاعة وكبريات الصحف والمجلات في أمريكا، ومن هذه الشركات على سبيل المثال جنرال الكتريك، والملياردير تيد تيرنر مالك شبكة سي إن إن. ويؤكد بورديو أن هذه الصورة لا تختلف كثيرا في الدول الأوروبية الأخرى عنها في أمريكا، ويضرب مثالا بسيلفيو بيرلسكوني الايطالي امبراطور وسائل الاعلام صاحب شركة ميدياست لانتاج الوسائط المتعددة. ويؤكد إن مالكي تكنولوجيا المعلومات ووسائط
نقلها هم الذين يحددون اتجاهات الرأي العام، سواء أكانت ملكية تلك التكنولوجيا تقع في أيدي الدولة مباشرة أو في أيدي عائلات وأفراد من ذوي العلاقات الوثيقة مع الدولة. وأخيرا يشير الكاتب إلى أن : ” نسبة كبيرة من الأفراد لا تقرأ أي صحيفة يومية وتهب نفسها بالكامل جسدا وروحا للتلفزيون كمصدر وحيد للمعلومات”، ولا شك أن تلك النسبة تتضخم في الدول النامية حيث تقل القراءة وتزداد الأمية، فيصبح التلفزيون الجهاز الرئيسي الناقل للثقافة بشكل عام.