: قراءة جديدة في تجربة بليغ حمدي الفنيَّة والانسانيَّة(1) بقلم : سيمون عيلوطي

فن وثقافة …..
بقلم : سيمون عيلوطي – فلسطين المحتلة ….
استطاع الموسيقار العبقريّ، بليغ حمدي بعد سيِّد درويش أن يعيد صياغة الموسيقى العربيَّة بقوالب نابعة من تراث بلاده، بعيدًا عن التأثُّر بالطَّابع التُّركيّ الذي طبع الموسيقى العربيَّة بطابعه، فَدَأَبَ على هذا النَّهج عبر عشرات السِّنين؛ جميع الَّذين عملوا في مجال الموسيقى والغناء، سواء في مصر، أو غيرها من الأقطار العربيَّة. أمَّا الَّذين شَذُّوا عن ذلك، إن جاز التَّعبير، وذهبوا إلى الموسيقى الغربيَّة دون أن يُطعِّموها بالرُّوح الشَّرقيَّة، فقد جاءت أعمالهم غريبة عن بيئتها، ومناخها، ظلَّت تُغرِّد خارج السِّرب؛ إلى أن تلاشت، وذهبت أدراج الرِّياح.
بليغ كان يهدف إلى تأسيس حركة موسيقيَّة –غنائيَّة، عربيَّة أصيلة، تخرج من عباءة النَّكهة التُّركيَّة التي أصبحت قديمة، مللنا اجترارها، وتناسخها في موسيقانا. حركة جديدة تعرف ماذا عليها أن تأخذ من رومانسيَّة المضامين الغنائيَّة التي صاغ كلماتها في منتصف القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، كل من: محمود سامي البارودي، إسماعيل صبري باشا، وعائشة التيمورية. وأن تحدِّد ماهيَّة الاستفادة من تقليديَّة ألحان تلك الحقبة الزَّمنيَّة، المتمثِّلة في عدد من الملحَّنين والمطربين، منهم: عبد الحمولي، صالح عبد الحي، يوسف المنيلاوي، عبد الحي حلمي، وسلامة حجازي.
من هذه القاعدة الواسعة انطلق بليغ حمدي في مشروعه لمواصلة طريق سيِّد درويش، معتمدًا مثله في ألحانه على عراقة التُّراث الغنائيّ الشعبيّ، المصريّ، والعربيّ، مشكِّلًا من خلال ذلك كلّه موسيقى عربيَّة حديثة، تبتكر أساليب جديد ومتطوِّر، تتناغم مع ذوق الشُّعوب العربيَّة من ناحية، وتُحاكي العالم الواسع من ناحية أخرى. موسيقى تصبو لأن تكون كونيَّة، مع المحافظة على هويَّتها العربيَّة المنفتحة على الآخر المختلف، تُؤثِّر في فنونه وموسيقاه، وتتأثَّر بها.
هذه الرُّؤية الثَّاقبة للفن عامَّة، والموسيقى خاصَّة التي ميَّزت صاحب “حُبِّ إيه”، صقلت موهبته الفذَّة، وسهَّلت مهمَّته في التَّنقيب عن بواطن الجمال في أغاني التَّراث الشعبيّ، يستلهم منه ابتكاراته الموسيقيَّة-الإيقاعيَّة الجديدة التي صاغها بأسلوب منسجم مع ذوقنا وثقافتنا، بدأها مع المطرب الشَّعبيّ محمد رشدي في مجموعة من الأغاني المشبعة بروح التُّراث وأصالته.
النَّجاح الذي لاقته هذه التَّجربة الفنيَّة بين بليغ ورشدي، جذبت اليها عبد الحليم حافظ، لا سيَّما التفاف الجُّمهور حولها، فأراد أن يغنّي على غرارها. بليغ رأى أنَّه في تعاونه مع العندليب، يستطيع أن يُطعِّم الغناء الشعبيّ بالعاطفيّ، وذلك بأسلوب يساير فيه لون حليم وروحه في الغناء، ويحقق في نفس الوقت ما يريده هو أيضًا من النَّكهة الشعبيَّة التي أصبحت مطلوبة من الجمهور من ناحية، ومن ناحية أخرى، تثبِّت خطاه في مشواره الطَّويل نحو بناء مشروعه لصياغة موسيقى عربية خالصة قالبًا وقلبًا، تحسن مخاطبة الجماهير العربيَّة، ويستقبلها العالم باسم الآتي إبداعًا.

أترك تعليق أو مشاركة

من الأرشيف

جديد صوت العروبة

أترك تعليق أو مشاركة