جسر التأوهات – بقلم : جميل حلاوه

القصة …..
بقلم : جميل حلاوه – كاتب سوري يقيم في الدانيمارك …
رنّ منبه الصباح المعتم ببلاد الفايكينغ شتاءً منذراً ببداية السباق اليومي مع الروتين اللعين: إيقاظ الأولاد، تجيهز الفطور، تحضير السندويشات، ترتيب الأدويه لزوجته المريضه منذ عامين.
يسرع ليحضر سيارته الباردة. ثم ينطلق إلى توصيل أولاده كلٌ إلى مدرسته في أماكن متباعدة، وعندما يعود يذهب إلى صديقه البحر ليريح أعصابه. يلفّ لفحته ويضع قبّعة الصوف ويحزّم نفسه ويحصنها ضدّ البرد الشديد.
يبدأ مشوراه المعتاد على الشاطئ الرملي صوب الجسر الخشبي الممدود كلسان باتجاه البحر، يمشي حتى نهايته ثم ينادي البحر الغاضب، يشكيه همومه الكثيرة ليعود مشحوناً ببعض التفاؤل والطاقة اللازمة لتحطيم الروتين اليومي.
كل شيء في انتظاره: المنزل، الزوجة المريضه، التنظيف، ترتيب وتحضير مايلزم للطعام اليومي.كأنه يدور ضمن دولاب، أو دائرة، أو في قعر قنينة.صامتاً كان، يتكلم مع صديقه الوحيد، البحر.
في هذه المرة ذهب للشاطئ وتمشى كالمعتاد يستمع للأغاني حتى وصل أول الجسر وتفاجأت عيناه بامرأة تخرج من البحر عارية كحورية.
وقف مذهولاً وتراجع مرتبكاً وهي تجفف جسمها بكل هدوء غير مبالية به أوبالطقس البارد وكأنها تحت شمس الصيف. التف عائدا لايقاوم التفاتة رأسه ليسرق بعض اللقطات الرائعة.
وصل سيارته يلهث من شدة البرد والخجل والمفاجأة.
هويلبس نصف خزانة ثيابه الشتوية،وهي تتمطى على رأس الجسر عاريه تتحدى البرد والبحر!
كسر هذا المشهد روتينه المعتاد وأعاد له بعضاً من نشاطه وحيويته وتفاؤله.
تكرر المشهد ثانيةً وثالثة وصرن مجموعة حوريات. شرع يراقبهم بحسرة حتى قرر التحدي محدثاً نفسه:
“غطسة أو اثنتين لن يحصل شيء.”
وبالفعل حضّر أدواته ،وربط منشفته على وسطه وسبقهم إلى رأس الجسر. هم يسبحون عند منتصف الجسر، ينزلون على السلم بهدوء بعد تعري كامل.
نزع ورقة التوت مقلداً، ولامس بأطراف أصابع قدميه مياه البحر وانطلقت قشعريرة باردة كالكهرباء إلى آخر شعرة برأسه لكنه لم يتراجع ونزل حتى وسطه وتوقف. لم يكمل النزول بل صعد السلم قليلاً ليتفقد مابين ساقيه فلم يشاهد سوى حبة توت.
غاص ثانية وبسرعة بالماء ليخفي فضيحته متحملاً لسعات البرد.
خرج َوراح يجفف نفسه بحركات سريعة. وضع المنشفة على وسطه يخفي تأوهاته، وهن مجتمعات كالبجعات يسبحن ويصعدن السلّم ثم يخرجن من الماء.
شاهدهن لأول مرة عن قرب بكامل رونق أجسامهن البيضاء العارية، قفز بحركات رياضية خرقاء مسرعاً إلى سيارته الدافئة. لم تفلح كل حركات التجفيف الساخنة في إعادة منطقته الحساسة إلى طبيعتها. لا فائدة!
نظر إليهن يتمايلن عاريات كالبجعات، لم تتغير شيئ وبقيت حبة التوت تعانده ربما لأن الصغيرة من تلك الحوريات كانت تناهز السبعين عاماً.
التفت للوراء ليعود بسيارته فقابله الروتين يقهقه ضاحكاً بينما كان مازال يتأوه.

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة