صهيل الخيول الكنعانية : رواية وليد رباح – الجزء الرابع والاخير

القصة ….
رواية وليد رباح صهيل الخيول الكنعانية
******
لاحت له حبرون عن بعد حزينة ، مدينة تظللها عناقيد العنب وجرار الخمر و العقود الحجريه ،
طوى ذاكرته ثم فردها على وسعها فرأى نفسه صبيا يعدو فى بستان ابيه الزيتونى يلتقط الحصى ويصطاد الطيور فلا ترتجف يده ، و فى ايام الحصاد يلاحق مناجل الفلاحين وهى تقصف السنابل غير أبهة بالقيظ و الشمس المتوهجه ، و عندما يتعب يتظلل قليلا و يضع رجليه فى قناة الماء ثم يلتقط الحصى يلقيه فينثر الرذاذ ليسقى الزهور البرية المنثورة على حواف الماء حزما من الخمائل المنسوجة فى سجادة رائعة الجمال .

يعود فيطوى ذاكرته ، تلامس يده وجه حورا النقى فينهض من جلسته الظليلة عجلا مقسما بقومه ان لا يتوقف حتى تلامس وجهه نسائم اورسالم الطريه ، و يغذ اليها الخطى عجلا .
اطل شكيم من على رأس الجبل فالفى اورسالم مدينة الحب نائمة بين احضان الزيتون فاردة ذراعيها له مرحبة بقدومه ،ركع على رجليه و بكى ، دارت عيناه الى قصر سمحون الملك فرأه يفرد جسده على حلة من الضباب الصباحى الرطب ، ثم ادار رأسه عله يحدد بيته الصغير فلم يستطع .
اشاروا عليه بالنهوض فوقف على قدميه ، لم ينبس بكلمه ، لكأنما تجمعت كل سيوف العالم وحرابه لتغرس فى ظهره دون ان تند عنه أهة او صرخة .
•يا اورسالم العظيمه ، ايتها النائمة الممجدة ، خذينى اليك عاريا من كل ثيابى و الق بى فى وهدة النور ملتصقا بترابك العسلى وزهورك النديه .
•يا سمحون العظيم ، ايها الملك الذى يحب الفقراء ها قد اتيت اليك عاريا بعد ان كسيتنى و مهزوما بعد ان كنت فى قمة الانتصار ، فلا تخذلنى ومد الى يدك .
•حورا ،، ايتها الحبيبة الضائعة بين السيوف و الحراب ،ذرينى اقبل وجهك الممزوج بالفرح كيما اعود كما كنت شكيم الذى تحلمين ان يصبح يوما طفل كنعان الحكيم .
•ايها الرجل الذى مسدنى بالزيت يوم ولادتى ،، ايتها المرأة التى غمرت جسدى بالعسل فى معبد الاله سارح عندما كنت احبو ، هلا ناديتما على فاركع عند اقدامكما اطلب البركه .
توقف ، احس بان المدينة نائمة نومة ابديه ، لا حركة ولا صوت ، لكأنما تحولت الى مرتع للاشباح ، نظر الى وجوه اصحابه فرأها ممتقعة مستغربه ، و عندما وصل الى بوابة السور الرئيسية وجدها مغلقة باحكام فصرخ باعلى صوته .
اطل عليه من فوق السور رجل عجوز ، مد لحيته البيضاء اولا ثم دارت عيناه عليهم بحذر وريبه .
•شكيم ، ايها الولد الطيب ، دعنى اساعدك ، ظلت البوابة مغلقة لبعض الوقت ثم فتح جانب منها فعبره شكيم بمشقه و تبعه اصحابه .
•اين هم الكنعانيون ايها الطيب .
رحل العجوز بنظره عبر الفضاء المترامى ، ثم نظر الى السماء .
•لقد ذهبوا قبل ايام ، انهم فى الطريق الى اريحا .
صرخ شكيم باعلى صوته .
•اريحا ،،، ايها العظيم سمحون ، سيكون النصر حليفك هرع الى بيته فالفاه مغلقا ، توجه نحو قصر سمحون فاصيب بالخيبه ، قالت له عجوز فى شوارع المدينة من انت :

و عندما كشف عن صدره وحدق فى عينيها بكت .
طار شكيم كالنسيم ، كان سيفه زاده فى الرحلة وبرفقته رسل سمحون اليه .
فاجأه الغروب على بعد قليل من جبال اريحا ، عزم على ان يواصل لكن رفاقه اثنوه عن عزمه و استبقوه حتى تضحك الشمس فى الصباح .
امضى شكيم ليلته غارقا فى لجة من الفكر لا يهدأ له بال ، كانت خطواته فى النهار بطيئة متثاقلة ، فعطش الصحراء وجوعها لم يزل يرسم على وجهه الما عجز عن اخفائه ،لكنه كان يصمم على الوصول مع كل خطوة يدقها فوق الصخور عندما يعجز حصانه عن السير عبر الوهاد ،
قال له رفاقه اكثر من مرة ان الغد يوم أخر ، فخذ قسطا من الراحة والا خانتك قوتك ،حاول ان ينام ، لكن وجه حورا كان يفاجئه مع كل اغماضة جفن وكل حركه .
وعندما اعلن الصبح قدومه من خلال الضباب المنتشر على قمم الجبال صاح باعلى صوته فهب رفاقه واقفين .

******
وصلت الى مسمعيه قرعات الطبول فاهتز جسمه، ضحك باعلى صوته ولكز حصانه بقوه ، رقص قلبه فرحا عندما كانت اصوات الطبول تقترب من اذنيه بقوه ،صرخ بملء فيه . اين اجدك ايها العظيم فى هذا البحر المتلاطم .
اجابته ريح الصباح ان واصل السير فهو على بعد يسير منك .
صرخ ثانية بصوت متوحش .
أين انت يا حورا وما حال سيوف بنى كنعان ؟
اجابته الوديان ان حورا تتمنطق بالسيف و تعتلى حصانها و تخترق الصفوف مثل الغمام فاشدد ازرها . قال هامسا لنفسه :
•اين انت يا شكيم وما مكانك فى المعركه ،
تحسس سيفه ثم مسح بكفه على رقبة حصانه ، حانت منه التفاتة الى الخلف فرأى رفاقه يسابقون الريح خلفه كى يصلوا اليه فزاد من سرعته .
اطلت على وجهه جبال اريحا فتنفس طويلا ، غير انه اصيب بخيبة امل عندما لم ير اثرا لاحد ،
نزل عن حصانه و تفقد النيران الخامدة و أثار الخيام التى كانت منصوبه ،
اصغى فوصلته اصوات الطبول بعيدة فاعتلى حصانه ثانية و اطل من فوق الجبال الى سهل اريحا النظيف .
صرخ باعلى صوته
•يا رفاق الرحله ، سمحون العظيم يقاتل فهيا .
انطلق بحصانه يعدو و يقفز من فوق الصخور ، و عندما وصل الى مؤخرة الجيش تابع مخترقا صفوفه .
صرخ جندى كنعانى .
•يا بنى كنعان ، شكيم يقاتل معنا ، اقسم اننى رأيته دار رأسه باحثا بين الصفوف ، وعن بعد رأى حورا تضرب يمينا و يسارا و سيفها يقطر دما ، اتجه اليها بكل قوته و عندما اصطدمت عيناها بعينيه صرخت و سقط السيف من يدها فحماها بجسده .
* حورا ، التقطى سيفك و قاتلى .
هوت الى جسده السيوف لكن عدته الحربية كانت منيعه . التقطت حورا سيفها و شرعت تقاتل الى جانبه .

فتــاة بنى كنعان
مثل مهرة فزعة ، هرعت الى مشجب مقصورتها و ارتدت عدتها الحربيه ، ثم وقفت امام المرأة تتفحص جسدها بعد ان اكتسى بحلة من الزرد الثقيل و على يمينها سيف لمعته تجرح العين التى تحدق فيه .
•اواه يا شكيم ، لك عندى ان انقش رحلتك على مسلة من الحجر المرمرى فى وسط اريحا لتخليد ايامك فى الصحراء .

ابتسمت بعد ان اكتسى وجهها بالحزن .
•لا تأت الى فى مثل هذه الساعه ، اريد ان اكون قوية بما فيه الكفايه .
دارت حول نفسها مرات و مرات ، رأت وجه سمحون فى المرأة مرسوم على صدرها المجدول بالزرد فمسحت بيدها على وجهه و اتسعت ايتسامتها حتى غطت اروقة القصر وردهاته .
•لك نفسى يا ابى ، سوف تصحو من نومك عما قليل لترى الفقراء وقد زحفوا الى قصرك وفى يد كل واحد منهم عهده و بيته .
اصغت الى صوت الطبول التى واصلت برتابه ، ثم اطلت من شرفتها فرأت نجوم المدينة ساهرة فرحة تستعجل تحركها نحو بيوت الفقراء ، ودعت مقصورتها بنظرات حزينه ، واخترقت الباب متجهة نحو ردهة القصر الرئيسيه ، فالقت عليها نظرات متفحصة وواصلت نحو البوابه …
استدارت وحدقت فى القصر طويلا وعلى الشرفة التى شهدت قفزات شكيم تسمرت عيناها و مسحت دمعة سرت الى خدها مسرعة مثل ومضة سيف .

•ترى هل يعود .. ام تخطفه سمراوات طيبة .
اعتلت حصانها مسرعة ، و عندما وكزته بقدمها و انطلق نحو المدينة احست بالنسيم الصباحى يقرص وجهها برعونه . وعند البوابة كان شاحور يقتعد سرج حصانه و تنفرد نظراته عبر الافق الليلى لا يلوى على شىء و خلفه وقف القواد ينتظرون طلتها بشوق و محبه .
* شاحور بن سرجون ، خلتك لن تأتى .

* وعدى انفذه يا ابنة سمحون .
لمحت منه خشونة لم تعهدها من قبل فحدقت فيه ، حاذته و نظرت الى عينيه الصغيرتين فالفتهما تلمعان فى العتمه .
• شاحور .. هل كنت مخطئة حين سألتك
لوى وجهه نحوها فرأت فى عينيه بريقا متلالئا لا يسقط ،، ثم اطرق وجلا و قال :
•لك نفسى يا حورا ،، ما كنت شاحور لو انى قصدت اهانتك ، لكنه الشوق العظيم اليه و الخوف الكبير عليه ، لكأنما نفسى تقول لى انه يرفع يديه الى طالبا ان انقذه من وهدة الضياع فى مجاهل الصحراء .
ابتسمت ، اقتربت منه ووضعت يدها على كتفه و نظرت نحو القاده ، ثم نزلت عن حصانها و تبعها القواد
ربطوا خيولهم فى الحلقات الحديدية المغروسة فى سور المدينه و اتجهوا نحو الجيش الذى كان يملآ الازقة و الاسطحة بانتظار الحركه .

و عندما كانت حورا تخطو امامهم كانت الصيحات تعلو مطالبة بالثأر مستعجلة نشوب المعركه .
و امام معبد سارح الذى اصبح انقاضا اطلت على ساحة اورسالم الرئيسة و مجدت شعب بنى كنعان و استعرضت حملة الرايات ثم اشارت بيدها فتفرق كل الى جهه
نظرت الى شاحور فالفته ساهما .
•رد الى نفسى و لا تفكر فيه كثيرا .
•لا استطيع نسيانه .
•فلينسنى تراب البيوت العتيقة ان نسيته ، لكن هذا اليوم يوم الفقراء .
•ممجدة انت كما هو ممجد تراب بنى كنعان ، ليكن يوم الفقراء تاريخا ننقشه على مسلات المدينة المسلوبه عندما نقف فى ساحاتها معلنين بدء الحصاد و انتهاء عهد الجدب .
•و لتكن سنابلنا فى ايدينا نزرعها حيثما نشاء و انى نريد .

التهمت عيناها الازقة بنظرات سريعة مكتئبه ، سارت نحو بوابة المدينة بخطى وئيدة يتبعها شاحور بن سرجون .

****
ردد ظلام الليل صرختها بالتحرك نحو قصر الملك .، و خلال لحظات علت فى جو المدينة اصوات الطبول و قرعات حوافر الخيل و همهمة التحرك ،، و ارتفعت فى الجو هالة من الغبار اخذت حورا تتنفسه باشتياق و محبه .

وفى المقدمه كانت راية بنى كنعان تقف على سنان رمح يلوحها الهواء مفتخرا فتعطى للسائرين خلفها عزمها على مواصلة الرحلة الشاقه . و شيئا فشيئا اخذت الاشياء المألوفة فى المدينة تغيب عن ناظريها . و تتساقط دمعة حرى على خدها مؤذنة بتذكره و مواطن ذكراهما معا ،، هنا مررنا بشبابيك المدينة الحزينة لنسمع اصوات طرق السيوف و ايدى بنى كنعان تهبط و ترتفع استعدادا ليوم المعركه ،،
و هناك استرقنا السمع الى حوار مزج بصوت رقيق ناعم وثان متوحش كلاهما بطريقته يستعجل انتهاء طرق السيف ليمتلك احدهما الاخر ،، و عندما هوى على السيف أخر الامر ضحك منتصرا و قال الليل أه .. وفى هذا الركن جلسنا ، يده ملآى بالياسمين يخلله فى شعرى فامتلك دفقا من الحب يكفينى طيلة عمرى . و يوم غادر حملنى جرحا حبيبا اذكره فيه كلما لامس النسيم شعرى فى ازقة المدينه .
تحدث اليها شاحور طويلا ، لكنها لم تسمع كلمة واحدة ، و عندما حاذاها و حدق فى وجهها ببلاهة ضحكت و مسحت دمعة بلورية وقفت على خدها كالحدأه .

تفرست فى القصر عن بعد و ابتسمت ، لاح لها جسد سمحون على فرسه امام القصر يلفه غبش الفجر بهالة ضبابية محببه ، فحثت الخطى و ازداد الضجيج من خلفها و عندما وصلت اليه تلقاها بعينين صقيريتين لكن فمه كان ينطق بالسعاده ، ولما هوت يده فى الهواء معلنا بدء الزحف غمرتها قشعريرة لذيذه فاسرعت اليه و حدقت فيه مسرورة لمرأه وهو يرتدى بدلته العسكرية الثقيله .
•قد فعلت ما كنت اتمنى يا حورا .
•بقوة سمحون العظيم نفعل ،،، وبارادته نقاتل .
بعد حديث قصير اختلت بشاحور فى ركن من الجيش وسارا وحيدين .
•اهنالك ريب فى ان يعود .
•من يدرى .
•لكنك كنت تدرى ،، كان الضوء يلمع من حواف ثوبك المهلهل يوم كنت ترشدنا ما يجب ان نفعل .
•كان ذلك عندما كنت ممتزجا بالازقة ، اليوم ليس لى الا هذه العدة الحربية و حصانى و سيفى ، ان صدقت مع سيفى صدقنى ، وان خذلته رمانى فى سهول اريحا دون منجد او نصير .
•و ماذا عن الملك ؟
نظر الى عينيها باستغراب و قال :
•لقد سبحت اليه فى غبش الفجر قبل ان تصلوه ، كان قطعة من صخر اصم .
•الآن اجد نفسى فى تراب اورسالم و ملكها و جيشها ،، الان تصبح روحى معلقة فى بيوت الفقراء،، ان عاد فقد كنت له وفية مثل وفاء اشعة الشمس لسنابل القمح ، وان لم يعد فقد كانت حورا شكيم .
* لك نفسى يا حورا ،، كنت اود سماع هذا منذ زمن ،
* قلبى يحدثنى اننى اقاتل بسيفه .
* ونفسى تحدثنى ان سيفه فى يمينى .
وصلهما صوت الملك عن بعد فاصغيا .
•يا جنود فلسطين ، ايها الكنعانيون الذين يبيعون راحتم بالشقاء فى سبيل اخوتهم ،، فليتناول كل طعامه على عجل .

*****
عند غروب الشمس لاحت اريحا مثل عروس ترتدى ثوبا اسود اللون ، هتف الجنود بصوت كالرعد حتى خال كل منهم ان صوته اخترق ابنية اريحا ، ثم اضيئت المشاعل فوق رؤوس الجبال و نصبت الخيام و قرعت الطبول فرحا وايذانا بالوصول .
قالت حورا لشاحور : لا تبتعد عنى ، قد خلت الامر هينا لكنى لما نظرت الى المدينة عن بعد اصابتنى قشعريرة قاتله .

قال شاحور :
• لن افارقك لحظة ، سوف ترين انى لاعب سيف ماهر يجيد استعماله عند الضروره .
نظرا سويا الى المدينة النائمة فى السهل وقد بدأت الاضواء الخافتة تنبعث منها .
= الان اعلم لماذا يقاتل الجندى قتالا شرسا حتى يموت او ينتصر ، عندما نظرت اليها خلتها قطعة من كبدى يمضغها وحش جائع . لكأن الموت طائر يغدو و يروح عبر ازقتها لا يردعه أحد .
•غدا تسقى اريحا زرعها فتعود اليه الحياه .
تحدثا فى امور كثيرة ،، و عندما تنبها الى نفسيهما كان الحرس قد بدأ يجول خلال الخيام و اخذت العيون تغفو استعدادا لاستقبال ما يخبئه الغيب .تجولا معا ،، وعند خيمة فى كتيبة النساء اصغيا .
•غدا ساعاملهم كما امرنى سمحون الملك .
•لكنهم سفاحون ، فليكن الجزاء من جنس العمل .
•خلق بنى كنعان يأبى ان يرد الاساءة الا بالاحسان .
•هلا فرقت بين الاساءة و الجريمه .
•ايا كان الامر ، سانفذ ما قاله سمحون .
•انت و شأنك ، لكنى سانفذ ما تمليه على المعركه .
•لا تسألنى عن عقاب من لا يطيع الملك ..
قاطعتها أخرى
•لقد علمنا الملك كيف ننتزع شوكنا بايدينا دون مساعدة من احد ، للملك رأسه ولى رأسى ، ولن يرضى احد بان يستبدل رأسه بالاخر مهما حدث .
سمعا ضحكا خفيفا و تعليقات لاذعه ،، ثم استدار الحديث ناحية اخرى فران الصوت الحزين على كل ما عداه .
•و شكيم ، ايعقل ان يعود يوما ليرى مجد بنى كنعان .
اهتز جسد حورا مثل قشة فى مهب الريح ،، ربت شاحور على كتفها و همس لها ان تصغى
قلبى يحدثنى ان سمحون ارسله فى رحلة الموت هذه .
تداخلت همسات الاستنكار مع التعليقات فلم تعد تميز شيئا ، ثم وضح صوت من خلال الهمهمه .
•كانت تلك رغبة شكيم ، ولم تكن رغبة الملك ،
•لو كان جادا فى امر عودته لبعث اليه الرسل عندما بدأ اليأس من عودته يبين .
حدقت حورا فى وجه شاحور فبادلها النظر ، قالت حورا هامسه .
الا يمكن ان تكون صادقه .
قال شاحور :
•دعينا نستمع ، أراء بنى كنعان يجب ان تحترم ، صمتت ، وجاءهما الحديث اكثر حده .
•و يقولون ان بعثه فى رحلة الخطر هذه لابعاده عن حورا ،، كان الملك يتظاهر بالرضى بينما عقله يعجز عن تفسير ما حدث .

•يا لك من غبيه ، لكن حورا باركت هذا الرحيل .
•لو كانت حورا تعلم مجاهل الصحراء ومخاطرها ما وافقته .
ضحكت اخرى و قالت :
•من يدرى ، ربما اقتنعت حورا بوجوب ضياعه فى الصحراء فتظاهرت له بالرضى .
•ومن قال انه ضائع ،، ربما احتجزه فرعون لامر ما .
وضعت حورا كفيها على عينيها و غمغمت .
•ايعقل هذا يا شاحور ام اننى احلم .
•دعك من هذا يا حورا ،، كل يفسر الامر على هواه و لنستمع اليهن حتى النهايه .
وصلهما الصوت ثانية واضحا و حزينا .
لو كنت موضع حورا لاخترقت الصحراء بحثا عنه وما توانيت لو وقف العالم كله فى وجهى .
*لو فعلت لانتهى كل شىء منذ زمن ، وعلمنا هل هو حى ام فى عداد الاموات .

قالت الاخرى :
•دعونا من هذا ،، لننم سنقاتل غدا بكل طاقتنا ، نظر شاحور الى وجه حورا فرأه مبللا بالدموع ،، حدق فيها فاطرقت .
•هل سمعت يا شاحور ، لقد كنت غبية عندما لم افعل ما فكرن به ،
•انت فى ارض المعركه ، لتكن همومك مدفونة ريثما نرفع اعلامنا فوق المدينه .
•نسيان هذا يعنى الغاء رأسى ، وهو ما زال بين كتفى مثل جبل لكنه اجوف .
•يا لك من مرهفة الحس يا حورا .
•ترى لو فعلت ، هل كنت تشجعنى .
•يا لذكاء بنى كنعان ،، يحسب الرجل نفسه حكيما ثم يأتى طفل ليعلمه الحكمه .
•حدثتنى ذات يوم ان طفلا من بنى كنعان اوحى لسمحون بان يهاجم ولا ينتظر قدوم العدو اليه .
•هذا صحيح .
•اذن كن على صواب .
•ليس فى كل ما قلنه .
جرها من يدها و جاسا خلال الخيام ، قال صوت رقيق فى خيمة نصبت تحت زيتونه .
لو قايضت دمى بالعار لكفينا بنى كنعان شر القتال .
•لكن يوشع لا يكفيه دمك ، انه يبحث عن دم شكيم .
•شكيم ؟ هو اذن يبغى دم الكنعانيين جميعا .
•بالطبع ، لكن حورا اليوم شكيم ، فلندافع عنها وقت المعركه .
•لن تحتاج الى من يدافع عنها ، لقد اصبحت اظافرها اقوى من الرماح .
• انها الدم الذى يغذينا بالحياه .

تثاءب صوت فى الخيمه .
*دعونا ننام ، لقد ثقلت اجفاننا وغدا يوم أخر ، ثم ران الصمت .
نظر شاحور الى وجه حورا فالفاه متلآلئا مثل النجوم ، امسك بيدها و انتقلا الى مكان اخر .

******
ترامى الى مسمعيها الهمس خارج خيمتها فحدقت فى العتمه ، ماست على شفتيها ابتسامة
حزينه ، فلوت عنان افكارها نحوه ، ثم هدهد وجهها النسيم من خلال شق الخيمة فتراخت عيناها و حملتها الاكف هدية لتقدم لشكيم فلاح حبرون الذكى ،، وداهمتها الاحلام حنونة تارة وقاسية اخرى ،، و عندما وصلتها الاصوات و الحركة عند الصبح كانت تحدق فى الخيمة بعينين اصابهما الهلع .
مسحت وجهها بقليل من الماء و عادت اليها ابتسامتها ، غير ان صورة شكيم المقهور فى الحلم عادت فلونته بالحزن و الكأبه ، و لم يمض وقت طويل حتى سمعت رغاء الابل و صهيل الخيل و اصوات الجنود استعدادا للتحرك فنهضت وعن بعد رأت رسول العبريين تجره الايدى لتودعه بعيدا عن سمحون الملك .
هرع الليل اليها ثانية . ازدادت ضربات قلبها و المساء يغط بثقله على رؤوس الجبال المحيطة باريحا ، عولت الا تنام حتى لا تدهمها الاحلام ، و افتقدت شاحور الذى غاب عنها طيلة النهار دون ان تلمح له من اثر .
تجمعت احزانها فى رأسها مثل الدبابيس تخزنها فى كل أونة تذكره فيها ، غير انها ابتسمت وهى تستمع الى اصوات الغناء قادمه من خيام النساء فقامت من فورها وارتدت عدتها الحربية املا فى قضاء بعض الوقت فى فرح و انسجام ، وما كادت تخطو خارج الخيمة حتى اتاها صوت الملك رقيقا حنونا مثل صوت ناى شكيم .
•أهذا انت يا حورا ،، لك نفسى فقد شغلت اليوم عنك بامور الجند و تعبئة الكتائب .
•هذه هى مهمتى يا ابتاه .
• ماذا افعل و انت تغلقين على نفسك الخيمة ، يلفعك الحزن و تنتابك الهواجس ، من كانت له رقابةالجند وجب ان يقوم بها على خير وجه .
ضحك الملك ،، ثم اقترب منها وربت على كتفها بحنو وقال :
•اترك لك شاحور الطيب فلا يغادرك ابدا .
•شاحور ،، اين هذا العجوز الطيب .
•منذ الصباح وهو يعمل مثل النحله ، قد كان يمينى فى ايصال رسائلى الى القاده .تقدم شاحور اليها مبتسما ،، وما ان وصل اليها حتى غادر الملك فى جمع من قواده الى حيث الخيام القريبه
شاحور ،، اتتركنى و قد وعدت ان لا تغادرنى .
•كنت نائمة يا حورا فلم اشأ ازعاجك ، وقد شغلتنى فى هذا اليوم عنك امور كثيره .
•حسنا ،، اتعد ان لا تغادرنى دون علمى .
•اعدك .
•ثم وضع يده على مقبض سيفه و ابتسم .

******
صرخ جندى كنعانى :
*يا بنى كنعان ، شكيم يقاتل معنا ، اقسم اننى رأيته اخترقت الصرخة رأسها ، وعندما اصطدمت عيناها بعينيه صرخت و سقط السيف من يدها فحماها بجسده .
هوت الى جسده السيوف ، لكن عدته الحربية كانت منيعه ، التقطت حورا سيفها وشرعت تقاتل
الى جانبه . و فى غضون ذلك ، سرت الى اجواء المعركة الاف الاصوات تصرخ .
يا بنى كنعان ،، شكيم يقاتل معنا ،، شكيم يقاتل وفى يده سيف من النحاس .

انتهت
*************
نبذة عن الكاتب :
-رئيس تحرير جريدة (صوت العروبة ) التي تصدر في الولايات المتحدة الامريكية منذ اكثر من ثلاثين عاما باللغة العربية
-عمل محررا صحافيا في لبنان وفلسطين والاردن
-كتب في معظم الصحف والمجلات العربية في مصر ، لبنان ، الكويت ، العراق ، الاردن ، ليبيا ، الصحافة العربية في لندن
-اصدارات للمؤلف :
-اوراق من مفكرة مناضل : قصص قصيرة : دار الحرية : بغداد
-خناس المخيم : قصص قصيرة : دار العودة – بيروت
-نقوش على جدران الزنزانة : قصص قصيرتة : دار العودة – بيروت
-عزف منفرد على قماش الخيمة : قصص قصيرة : دار الحرية – بغداد
-الصعاليك : رواية : الولايات المتحدة الامريكية
-البراق : قصص قصيرة : الولايات المتحدة الامريكية
-وثيقة سفر فلسطينية : مسرحية : الاعلام الموحد
-غروب في مطلع الشمس : ( رواية ) دار نور للنشر – المانيا
-صل ع النبي يا جورج : رواية : دار شمس للطباعة والنشر – مصر
-رحلتي الى امريكا : رواية : دار شمس للطباعة والنشر – مصر
-الشيطان يموت مرتين  قصص ) دار علوم الامة للاستثمارات الثقافية .
-صهيل الخيول الكنعانية ( بالعربية) دار شمس للنشر والاعلام
-هذه بيروت التي كنتم توعدون – ( رواية ) دار شمس للنشر والاعلام

تقرير الجزيرة عن صوت العروبة

جديد صوت العروبة